تابع العلاج العامُّ للإفراط في الشهوات
سابعًا: النَّظر في عقوبات الله تعالى للسَّابقين بعين الاتِّعاظ والاعتبار
فإنَّ المتتبِّع لقصص القرآن الكريم يُدرك أنَّ من أبرز وأظهر أهدافها وغاياتها أن تمنح العبرة والعظة من سياقاتها ومضامينها ونصوصها؛ قال تعالى: {فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] وقال سبحانه: {لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} [يوسف: 111] وقد ذكر الله تعالى من قصص السَّابقين في القرآن الكريم ما يدلُّ على ما جرى لهم من عقوبات صارمة شديدة لـمَّا أفرطوا في الشَّهوات وتمادَوا في الغيِّ؛ لتكون عِظةً وعِبرةً لمن جاء بعدهم حتَّى لا يسلكوا سبيلهم، لئلَّا يحصل لهم ما حصل لمن سبقهم؛ والمطالع للنَّصِّ القرآنيِّ يراه كثيرًا ما يُنهي قصَّة المهلكين من السَّابقين بطلب النَّظر والاعتبار؛ ومن ذلك قوله تعالى: {قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] وقال سبحانه: {قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ} [الروم: 42] فإنَّ النَّظر في قصص السَّابقين محلُّ اتِّعاظ واعتبار وفائدة؛ فإن كانوا صالحين نظر المرء في أسباب صالحهم، ودرس ما كان عونًا على تحصيل ما حصل لهم من عاقبة حسنة، ونهاية سعيدة؛ فقد ذكر القرآن الكريم بعض قصص الصَّالحين كقصَّة أصحاب الكهف وما كان لهم من العاقبة الحسنة، وقصَّة ذي القرنين وما أكرمه الله تعالى به من كرأمَّة نصرة المستضعفين في الأرض، وقصة نبي الله داود عليه السَّلام وما كان له من التَّمكين في الملك والعلم والحكمة، وقصَّة نبيِّ الله سليمان عليه السَّلام وما منحه الله تعالى من الجيوش والجنود والممالك، وقصَّة نبيِّ الله موسى عليه السَّلام مع فرعون وما كان له من حُسن العاقبة والانتصار على جبابرة الأرض، وهكذا فإنَّ النَّظر في قصص القرآن الكريم مع الصَّالحين ينتفع به المسلم غاية الانتفاع؛ ليكتسب منها ما يمكِّنه من السير على طريقهم لينال كما نالوا من الثَّواب والأجر العظيم.
وأمَّا النَّظر في قصص المعذَّبين المهلكين من الأمم السَّابقة فإنَّه يُخوِّف النَّفس من الوقوع في أفعالهم الَّتي أوجبت لهم تلك العقوبات المزلزلة؛ حينها تنشط النَّفس لدراسة تلك الأسباب الَّتي أدَّت إلى هذا المصير، وكلُّ عقوبة حصلت للسَّابقين فمردُّها إلى الإفراط في الشَّهوات في جانب من جوانبها المختلفة؛ فأمَّا قوم نوح عليه السَّلام فأفرطوا في شهوة اللِّسان بالإسراف في الجدل والسُّخرية والاستهزاء؛ قال تعالى: {قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ} [هود: 32] وقال تعالى: {وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ} [هود: 38] فعاقبهم الله تعالى بعقوبة الإغراق الَّتي عمَّت الأرض ولم ينج منها إلَّا من ركب سفينة النَّجاة؛ قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ} [الأعراف: 64] وقال سبحانه: {قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ ممَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ} [هود: 48] وقال تعالى: {وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا} [الفرقان: 37] وأمَّا قوم شعيب عليه السَّلام فأفرطوا في شهوة المال بالإسراف في الكيل والميزان وظلم النَّاس قال تعالى: {وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤ وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} [هود: 84، 85] فكانت العقوبة المخيفة ما ذكره الله تعالى في نحو قوله سبحانه: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189] وأمَّا قوم هود عليه السَّلام فأفرطوا في شهوة القوَّة بالإسراف في الكبر والعجب والبطش والطُّغيان، بسبب ما وصلوا له من قوَّة في البناء والعمارة والقوَّة حتَّى سوَّلت لهم أنفسهم إنَّه لا قوَّة أقوى منهم؛ قال تعالى: {فَأمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قوَّةۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قوَّةۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ} [فصلت: 15] وقال تعالى: {أَتَبۡنُونَ بكلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 128: 130] فلمَّا وصلوا إلى هذه المرحلة من الكبر والغرور والاعتداد بالنَّفس جاءتهم العقوبة المدويَّة الَّتي ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: {فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ} [فصلت: 16] وقال تعالى: {وَأمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ * سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ * فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ} [الحاقة: 6: 8] وأمَّا قوم صالح عليه السَّلام فأفرطوا كذلك في شهوة القوَّة والعمران بالإسراف في التَّكذيب والاعتداء على النَّاقة والكفر بآيات الله البيِّنات؛ قال تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} [الأعراف: 73] فعاقبهم الله بما يستحقونه من عقاب فقال تعالى: {وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ * فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ * فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ} [الذاريات: 43: 45]
وأمَّا قوم إبراهيم عليه السَّلام فأفرطوا في شهوة العقل بالإسراف في الجدال بالباطل والمحاججة عن الأصنام؛ قال تعالى: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فإنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [البقرة: 258] وقال سبحانه: {وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] فقد أكثروا عليه في هذا، وحين تمادوا في غيهم وكفرهم وعنادهم جاءتهم العقوبة الَّتي لم يذكرها القرآن تفصيلا، بل أجملها حين ذكرهم في جملة أقوام مهلكين؛ قال تعالى: {أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} [التَّوبة: 70] وأكَّد القرآن الكريم إنَّهم ممَّن أصابهم العذاب، وأخذهم الله تعالى بذنبهم كما أخذ من سبقهم؛ قال تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ * وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ * وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ} [الحج: 42: 45] فقد بيَّنت الآيات أنَّ قوم إبراهيم عليه السَّلام قد نالهم العذاب وحلَّ بهم العقاب دون تفصيل لنوع العذاب الَّذي أصابهم [1] ولعلَّ الحكمة من ترك تفصيل العقوبة الَّتي وقعت لقوم نبيِّ الله إبراهيم عليه السَّلام أنَّ جميع الأنبياء عليهم السَّلام من بعده امتداد له، فهو أب لهم جاءوا من نسله؛ قال تعالى: {وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ} [العنكبوت: 27] فبيَّنت الآية الكريمة أنَّ كلَّ من خلفه كان من ذرِّيَّته مولدًا ورسالة، فما نزل كتاب بعده إلَّا في عقِبه؛ قال تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [الزخرف: 28] قال ابن العربيِّ: "إنمَّا كانت لإبراهيم في الأعقاب موصولة بالأحقاب بدعوتيه المجابتين؛ إحداهما في قوله تعالى: {...إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ} [البقرة: 124] فقد قال نعم إلَّا من ظلم منهم فلا عهد. ثانيهما قوله: {...وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ} [إبراهيم: 35] وقيل: بل الأولى قوله: {وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ} [الشعراء: 84] فكل أمَّة تعظمه، بنوه وغيرهم ممَّن يجتمع معه في سام أو نوح" [2] فلم تتوقف دعوته بموته وهلاك قومه كما حصل مع من سبقه، بل ظلت مستمرة باستمرار الأنبياء من بعده، فلم يحتج الأمر إلى تفصيل العقوبة لأنَّ دعوة إبراهيم عليه السَّلام - الحنفية السمحة - مازالت مستمرة في النَّاس إلى قيام السَّاعة؛ لذا أمر الله تعالى نبيه أن يمتثل طريقة الخليل إبراهيم عليه السَّلام فقال تعالى: {قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [الأنعام: 161] وقال تعالى: {ثمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [النحل: 123] وجعل الله تعالى ملَّة إبرهيم عليه السَّلام وطريقته في مقابل الديانات الأخرى، فهي تمثِّل الإسلام الصافي؛ فقال تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [البقرة: 135] فلمَّا بقيت دعوته ببقاء نسله لم تذكر العقوبة؛ لأنَّ عادة القرآن الكريم ذكر العقوبة لمن انتهت دعوتهم، وعدم ذكرها في مقامين:
الأوَّل: من استمرت دعوته ولم تتوقف فلم يذكر عقوبة قومه؛ لعدم تحقُّق انتهاء الدَّعوة وإقفال صحيفة الأمَّة، وهذا متحقق في نبي الله إبراهيم عليه السَّلام لا غير؛ فدعوته مازالت قائمة ما بقيت أمَّة الإسلام؛ فقد أُمرنا باتِّباع طريقته وملته؛ قال تعالى: {وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ} [البقرة: 130] وقال سبحانه: {وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا} [النِّساء: 122] وقال تعالى: {قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [آل عمران: 95] وأمَّا من سبقه من الأنبياء والمرسلين عليهم السَّلام فالمتتبِّع للقرآن الكريم يرى إنَّه لم يذكر شيئًا من خبرهم بعد هلاك أقوامهم؛ لأنَّ الأمر مرتبط بالمهمَّة الرِّساليَّة الَّتي من أجلها كانت الرِّسالة والرُّسل، فلمَّا انتهت بهلاك الأقوام لم يذكرهم القرآن الكريم؛ لأنَّ الهدف هو الاعتبار والاتِّعاظ والانتفاع بطريقة الأنبياء مع أقوامهم، فلمَّا أُقفلت صفحة الأقوام بمشهد الهلاك الأخير لم ينقل القرآن الكريم شيئًا من خبرهم؛ لانتهاء المهمَّة، ولاحتماليَّة موت الرُّسل عقب ذلك، فما هي مهمَّة الرسول بعد موت قومه وهلاكهم عن بكرة أبيهم؛ فقد كانت العقوبة عامَّة في هذه الأزمان، "ومع الإشارة إلى أن سبْق إرسال الرُّسل عليهم السَّلام إلى الأمم شيء واقع بشهادة التَّواتر، وإنَّه قد ترتَّب على تكذيب الأمم رسلهم إهلاك القرون الأولى، فلم يكن ذلك موجبًا لاستمرار إرسال الرُّسل متعاقبين، بل كانوا يجيئون في أزمنة متفرِّقة" [3]
الثَّاني: من جاءوا بعد انتهاء سنة العذاب العام وإهلاك عموم الأقوام؛ فإنَّه قد جرت سُنة الله تعالى في إهلاك المعذَّبين أن يُرسل عليهم عقوبة من الأرض أو السَّماء فتستأصل شأفتهم، وتُنهي وجودهم، وتُفني أثرهم وممالكهم؛ ثمَّ تبدأ حلقة أخرى من سلسلة الحياة مع قوم آخرين بأنبياء آخرين، فإذا عصوا وعاندوا أخذهم الله تعالى بعقاب عامٍّ، فسُنة الله تعالى في إهلاك السَّابقين بسَنة عامَّة أن تتوفَّر ثلاثة شروط ذكرها الله تعالى في قوله: {وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} [يونس: 13] فإذا جاءتهم الرُّسل، وبلغتهم الرِّسالة والبيانات، فظلموا وعاندوا ولم يستجيبوا، وحصل اليأس من إيمانهم واستجابتهم، حينها حقَّ عليهم القول وأهلكوا، وبهذه السُّنَّة هلك كلُّ من هلك قبل نزول التَّوراة.
ولـمَّا نزلت التَّوراة على موسى عليه السَّلام شُرع الجهاد لمقاومة الكفر دون استئصاله، ولم ينزل العقاب العامُّ؛ قال تعالى: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43] وفي الحديث أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «ما أهلك الله قومًا، ولا قرنًا، ولا أمَّة، ولا أهل قرية منذ أنزل التَّوراة على وجه الأرض بعذاب من السَّماء غير أهل القرية الَّتي مسخت قردة ألم تر إلى قوله تعالى: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43]» [4] وأوَّل الأقوام الَّذين بدأ العقاب العامُّ بهم قوم نبيِّ الله نوح عليه السَّلام، وآخرهم قوم نبيِّ الله موسى عليه السَّلام؛ ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: {ثمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ * ثمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ} [يونس: 74، 75] فبين موسى ونوح عليهما السَّلام مفاوز تنقطع فيها أكباد الإبل، فأوَّلهما في أول الخليقة، وثانيهما في أواخرها، فكان العطف لاعتبار ابتداء حقبة جديدة وليس للعطف الزمنِّي لما ثبت من الفارق الكبير في الزمن، ويستفاد هذا المعنى أيضًا من قوله تعالى: {أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠ تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠١ وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ} [الأعراف: 100: 102] فأكَّدت الآيات الكريمة على أنَّ النَّاس يتوارثون الأرض كلما هلكت أمَّة ورثتها أمَّة، واستمرَّ الحال على هذا النَّحو بسبب ما يقع من العقاب العامِّ، والهلاك التَّامِّ؛ لاستحقاق الأمم ذلك بكفرهم وعنادهم، ثمَّ عطف القرآن الكريم موسى عليه السَّلام على هذا البيان السَّابق في إشارة إلى أنَّه يُعدُّ بداية عهد جديد مع أهل الأرض؛ حيث شرع الجهاد، ورُفع العقاب العامُّ عن أهل الأرض؛ فقال تعالى: {ثمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} [الأعراف: 103] وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "المعروف عند أهل العلم أنَّه بعد نزول التوراة لم يُهلك الله مكذبي الأمم بعذاب من السَّماء يعمُّهم; كما أهلك قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وفرعون، وغيرهم، بل أمر المؤمنين بجهاد الكفَّار; كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة، وهذه القرية أهلك الله أهلها بعذاب من السَّماء، فدلَّ ذلك على أنَّ هؤلاء الرُّسل المذكورين في: (يس) كانوا قبل موسى عليه السَّلام" [5] ومن هذا المقام الثَّاني قوم موسى بعد نزول التَّوراة، ومَن جاء مِن بعدهم فلم يرد في القرآن الكريم عقوبة عامَّة لقوم نبي الله عيسى عليه السَّلام لهذا المعنى، وأمَّا ما جاء من هلاك فرعون وجنده فليس هلاكًا عامًّا لقوم لبني إسرائيل؛ فقد بقي كثير منهم ممَّن لم يكونوا في جند فرعون، كما أن إهلاك فرعون ومن معه كان قبل نزول التَّوراة.
وأمَّا قوم لوط عليه السَّلام فأفرطوا في شهوة الفرج بما لم يُسبقوا إليه من إتيان الرِّجال؛ قال تعالى: {وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ * إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ} [الأعراف: 80، 81] فكانت العقوبة المرعبة ما ذكره الله تعالى في نحو قوله: {فلمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ} [هود: 82، 83] وأمَّا قوم موسى عليه السَّلام فأفرطوا في شهوة السُّلطة والقوَّة بالإسراف في الحكم والسُّلطان حتَّى ادِّعى فرعون الرُّبوبيَّة والألوهيَّة، واستكبر هو وجنوده وأفسدوا في الأرض؛ قال تعالى: {وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ * وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ} [القصص: 38، 39] وقال تعالى: {إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} [القصص: 4] فكانت العقوبة ما سجَّله القرآن الكريم في قوله تعالى: {فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ} [الأعراف: 136] وقال تعالى: {فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ * فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ} [الزخرف: 55، 56] وبيَّن الله تعالى أنَّ نجاة جثَّة فرعون ليكون عبرة وعظة لمن يأتي بعده ممَّن يطمعون في الوصول لما وصل له من البغي والظُّلم والإسراف في شهوة السُّلطة والرِّياسة بادِّعاء حكم الأرض، وملك النَّاس، واستحقاق العبادة والألوهيَّة؛ فقال تعالى: {فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ} [يونس: 92]
وهكذا كلُّ أمَّة أفرطت في الشَّهوات عاقبها الله تعالى بعقوبات تمثِّل رداعًا لمن جاء بعدهم؛ لأنَّ العقاب تحقَّق لهم ونزل بهم فلم يستفيدوا منه في الاعتبار والعود؛ لأنَّهم كانوا وقوده وحطبه، لكنَّ العبرة والعظة موجهة لمن جاء من بعدهم من الأمم اللَّاحقة؛ فالعلاج بذكر العقوبة الواقعة بالسَّابقين رسالة إلى اللَّاحقين من بعدهم إلى يوم القيامة، وليست العقوبة علاجًا مناسبًا لمن نزلت في حقِّهم، بل هي لهم انتقام ومؤاخذة، ولمن بعدهم عبرة وعظة، فذكرهم في القرآن الكريم بهدف بيان عاقبة المكذبين من الأمم السَّابقة؛ ليرتدع من يسمع خبرهم أو يقرأ مصرعهم؛ لئلَّا يقع فيما وقعوا فيه من مظاهر الإفراط حتَّى لا يلحقه ما لحقهم من العذاب؛ قال تعالى: {فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ * فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} [النمل: 51، 52] وقال سبحانه: {وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ * وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ} [إبراهيم: 45: 47] وهذه من السِّمات العامَّة للمعاقبة الإلهيَّة. [6]