دروس وعبر من عام الرَّمادة
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.
وبعد: فلقد وقعت كثير من الأحداث الضِّخام في هذه الأمَّة الميمونة عبر تاريخها الطَّويل، بهدف تربية أفرادها على الصَّبر والجلد وتحمُّل أقدار الله تعالى، فليست الدُّنيا بدار صفاء من الأكدار والابتلاءات، ووقوعها في أزمان الخيريَّة لأجيال الإيمان من الصَّحب الكرام أعظم ما يُسلِّي قلوب المتأخِّرين من هذه الأمَّة ليصبروا على مرِّ الابتلاءات وقساوتها؛ فهي محلُّ الاختبار والتَّمحيص؛ قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ * أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [آل عمران: 141-142] ومن أعظم ما وقع من ابتلاء في العهد الأوَّل المجاعة التي كانت في عام الرَّمادة.
عام الرَّمادة [1]: هو عامٌ حصلت فيه مجاعة شديدة، وأجدبت الأرض من حولهم، وكاد يموت النَّاس جوعًا، وهي أزمة قاسية واجهت مجتمع الصَّحابة في زمن عمر رضي الله عنه، ولكنَّ الفاروق تعامل معها بحكمة كبيرة جدًّا؛ حيث أنفق على النَّاس من بيت مال المسلمين حتَّى نفد ما فيه، وقلَّل من طعامه وشرابه، وعاش كما تعيش الرَّعيَّة، وأكل الخبز بالخلِّ والزَّيت حتَّى اسودَّ من ذلك؛ قال ابن كثير رحمه الله: "وقد أجدب النَّاس في هذه السَّنة بأرض الحجاز، وجفلت الأحياء إلى المدينة، ولم يبق عند أحد منهم زاد، فلجئوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال ممَّا فيه من الأطعمة والأموال حتَّى أنفده، وألزم نفسه أن لا يأكل سمنًا ولا سمينًا حتَّى يُكشَف ما بالنَّاس، فكان في زمن الخصب يُبسُّ له الخبز باللَّبن والسَّمن، ثمَّ كان عام الرَّمادة يُبسُّ له بالزَّيت والخلِّ، وكان يستمرئ الزَّيت، وكان لا يشبع مع ذلك، فاسودَّ لون عمر رضي الله عنه، وتغيَّر جسمه حتَّى كاد يُخشى عليه من الضَّعف، واستمرَّ هذا الحال في النَّاس تسعة أشهر، ثمَّ تحوَّل الحال إلى الخِصب والدَّعة، وانشمر النَّاس عن المدينة إلى أماكنهم" [2]
زهد الفاروق وتواضعه
وهذا الموقف العظيم من أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ليس بمستغرب؛ فهو خرِّيج المدرسة النَّبويَّة في الزُّهد والورع والخوف من الله تعالى، وقد ظهرت آثار ذلك في زمن حكمه وقيادته الرَّاشدة المباركة، وخاصَّة في مثل هذه المواقف التي حصلت فعاش عيشة النَّاس أو أقلَّ، وقدَّم النَّاس عليه حتَّى ضعُف واسودَّ جلده، فلله درُّه من إمام عادل زاهد ورع.
الفرق الشَّاسع بين الفاروق وغيره في الأزمات
وعلى كثرة ما تعرَّضت له الأمَّة بعد زمنه من أزمات وفقر وحاجة وعِوز لم يُقلِّده أحد ممَّن تولَّى زِمام الحكم، فمعلوم أنَّ الملوك والسَّلاطين لا يجوعون ولو جاعت شعوبهم، ولا يمرضون ولو نهشت الأمراض والأوبئة أقوامهم، ولا يُهدَّدون أو يخافون وأن انتشر الهلع والخوف والتَّفلُّت في بلادهم؛ فهم مُحصَّنون في القصور بين الخدم والحشم والأتباع، ومزوَّدون بطعام وشراب يكفيهم إلى أجل غير معلوم طولًا، وآمنون في مواقعهم بجنودهم وحراستهم الخاصَّة، ولا يعنيهم في شيء أن يموت النَّاس جوعًا وعطشًا، أو أن ترتفع أسعار السِّلع، أو تقلَّ البضائع والموادُّ، وربَّما وجدنا من تسبَّب في تشريد رعيَّته وتجويعهم بقصفهم وقتلهم من أجل البقاء والاستمراريَّة في نعيمه الذي لن يجده لو ترك موقعه ومنصبه؛ فيُؤثر نفسه على الرَّعيَّة، وإنَّ الله تعالى سائله يوم القيامة عن رعيَّته؛ وفي الحديث عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من والٍ يلي رعيَّة من المسلمين، فيموت وهو غاشٌّ لهم، إلَّا حرَّم الله عليه الجنَّة» [3]
توجيه حديث هلاك الأمَّة بسَنة عامَّة
واعلم - أيَّدني الله تعالى وإيَّاك بالإيمان والتَّصديق - أنَّ حصول المجاعة في عام الرَّمادة وهلاك كثير من النَّاس فيه، ثمَّ في طاعون عمواس، ثمَّ فناء كثير من النَّاس بالحروب والقتال والجوع والظُّلم بعد ذلك لا يتعارض مع حديث ثوبان رضي الله عنه أنَّ النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الله زوى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإنَّ أمَّتي سيبلغ مُلكها ما زُوي لي منها، وأُعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض، وإنَّي سألتُ ربِّي لأمَّتي أن لا يُهلكها بسنةٍ عامَّة، وأن لا يُسلِّط عليهم عدوًّا مِن سوى أنفسهم، فيستبيحَ بيضتهم، وإنَّ ربِّي قال: يا محمد، إنِّي إذا قضيت قضاءً فإنَّه لا يُردُّ، وإنِّي أعطيتُك لأمَّتك أن لا أُهلكهم بسنة عامَّة، وأن لا أُسلِّط عليهم عدوًّا مِن سوى أنفسهم يستبيحُ بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها - أو قال مَن بين أقطارها - حتَّى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا» [4] فإنَّ نفي الهلاك بالقحط العامِّ لعموم الأمَّة لا لأفرادها، وأمَّا أن يقع قحط في مكان دون العموم فهذا وارد وحاصل، ولا يشمله الوعد الإلهيُّ؛ وفي هذا ردٌّ على من يضربون النُّصوص بالواقع دون إدراك أو فهم؛ بقصد تعكير منبع التَّصديق بتشكيك العامَّة في النُّصوص الشَّرعيَّة؛ فالمسلم يُصدِّق تصديقًا تتزلزل الجبال الشَّوامخ وتهتزُّ ولا يهتزُّ تصديقه وإيمانه بوقوع ما أخبر به الله تعالى ورسوله ﷺ على النَّحو المخبر به.