دور دار الإفتاء المصريَّة المجتمعيِّ
تعتبر دار الإفتاء المصرية من أهم روافد المعرفة الشرعية الفقهية والأصولية، ودورها المجتمعي لا يجهله إلا من نادى على نفسه بالجهل وعدم الاطلاع، ولا ينكره إلا جاحد نور الصبح في البقاع، وتتنوع اهتمامات دار الإفتاء لخدمة المجتمع من جميع جوانبه؛ فاهتمت بالإفتاء الالكتروني، والبحثي، والمؤسسي، حتى تلبي حاجات المجتمع إلى الفتوى الصحيحة المعتمدة، وقد تعاون معها في ذلك لجان الفتوى الرئيسية والفرعية التابعة لمجمع البحوث الإسلامية.
ويعد جانب الأسرة وما يتعلق بها من توجيهات ومشكلات تهدد تماسك المجتمع من أكثر الجوانب التي أولتها دار الإفتاء ولجان الفتوى العناية والاهتمام؛ فأنشأ الأزهر لجانا للمصالحات والتوافق الأسري، وألفت دار الإفتاء الكتب والأبحاث التي تعمل على الحفاظ على وحدة الأسرة وتماسك المجتمع؛ ومن نتاجهم المشكور موسوعة:
(دليل الأسرة في الإسلام)
وهي محل التناول في هذا البحث، وقبل الخوض في الفوائد المستفادة منها، أبين:
أوَّلًا: سبب إصدار الموسوعة:
ما منيت به البيوت المسلمة من تصدعات وشروخ أثرت على أفرادها، الذين هم لبنة المجتمع، فكثرت المشكلات المجتمعية الكبرى؛ كتفشي ظاهر أطفال الشوارع الناشئة عن تفكك الأسرة، وضياع المسئولية، وظهور مجهول النسب، والأسر البديلة، وكثرة الطلاق، وانهيار العلاقات بين الأسر.
ولما كان صلاح المجتمع من صلاح الأسرة، كان الاعتناء بتلك النواة الصغيرة في الحجم، الكبيرة في التأثير والأثر من الأهمية بمكان، من هنا جاءت الموسوعة لرصد المشكلات الأسرية المجتمعية من خلال الدراسات الميدانية في واقع الأسر من خلال البيوت، والمحاكم، ومجالس المصالحات، ولجان التوافق الأسري، ومراجعة فتاوى دار الإفتاء المتعلقة بالأسرة.
ومن هنا يبين لنا: أهمية تحمل المؤسسات مسئولية التوعية المجتمعية لنشر القيم والأخلاق، ومحاربة كل ظاهرة من شأنها أن تقوِّض أركان المجتمع، وتدارك ما يمكن تداركه قبل أن تنتشر البلايا والمشكلات فتعجز الدول عن معالجتها؛ فتتسبب في تصدع كيانه، وتشتت جهوده، وضعف مخرجاته، وإنهاك مؤسساته، وضياع أبنائه، فهذه الموسوعة القيمة جهد مشكور لمؤسسة دار الإفتاء المصرية، والأزهر الشريف على وجه العموم؛ ومجمع البحوث الإسلامية خاصة لسعيه في تقديم الخدمات المجتمعية بكل سبيل؛ والمتمثلة في إنشاء لجنة المصالحات الثأرية، والوفاق الأسري؛ فقد أخذ الله تعالى الميثاق على أهل العلم فقال: {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} [آل عمران: 187].
وأقترح في هذا الصدد: على السادة المسئولين أن يتبنوا فكرة نشر الثقافة الأسرية عن طريق تخصيص نخبة من الدُّعاة للقيام بدور التوعية المستمرة على مدار العام وفق منهج مخطط له في المؤسسات التعليمية العليا كالمدارس والمعاهد الثانوية والكليات وهي مظان وجود الطلاب والطالبات ممن هم في سن الزواج؛ لتكوين ثقافة صحيحة عن الأسرة وما يتعلق بها من أحكام وحكم؛ فبذلك يجتنب المجتمع ويلات كثيرة ناتجة عن جهل هؤلاء بحقائق الزواج وما يترتب عليه من مسئوليات؛ فمن خلال الدراسة الميدانية لواقع مشكلات الطلاق، والتفكك الأسري، وتصدع البيوتات يظهر بجلاء أن السبب الرئيس فيها قلة الوعي وانعدام الثقافة؛ فإذا قام الدُّعاة بالاعتناء بالحديث في هذا الشأن بطريقة منهجية، ومع الشريحة المناسبة، في الوقت المناسب قبل حصول المشكلات، فسيكون لذلك عظيم الأثر، والله أعلم.
ثانيًا: وممَّا تميَّزت به الموسوعة:
إن أعظم ما تميزت به تلك الموسوعة الرائعة:
1 - إسنادها إلى المختصين في كل تخصص تم تناوله فيها؛ ومما يوضح هذا اشتراك الباحثين الشرعيين والاجتماعين والقانونين في تكوين مباحثه. [1]
2 - شموليتها في معالجة أكثر الجوانب المتعلقة بالأسرة؛ فقد اعتمدت في طياتها من خلال مباحثها نشر الثقافة الشرعية والتربوية الأسرية، ومعالجة المشكلات العامة والخاصة التي تتعرض طريق استقرار الأسر، وتتسبب في تفككها. [2]
3 - اشتمالها على الآراء الفقهية والأدلة الشرعية مما يجعلها مرجعا مهما للباحثين في هذا المجال الذي قل من تناوله بتلك المنهجية.
4 - حسن التقسيم للمضمون، وجودة الترتيب والتنظيم البحثي مما يدل على بذل مجهود علمي ومنهجي كبير من السادة الباحثين، والمراجعين، والمشرفين.
5 - التكاملية البحثية التي تضمنتها الموسوعة والتي تظهر من خلال تناول المشكلات المتعلقة بكل مكوَّن من مكوناتها، مع الإتيان على علاجها بما يتناسب معها. [3]
6 - اختيار الأسلوب الأنسب في الكتابة لتقريب المضمون إلى كافة شرائح المجتمع من القراء؛ فلغة الموسوعة سهلة قريبة، مع جزالة الألفاظ والمحافظة على الفصاحة. [4]
7 - التوثيق المعلوماتي لمحتوى المعرفة بالموسوعة، من عزو الآيات، وتخريج الأحاديث، وإحالة النصوص إلى مصادرها، من غير إثقال للحاشية.
(1) دليل الأسرة في الإسلام ص: (1/ 6).
(2) المرجع السَّابق، ص: (1/ 15).
(3) المرجع السَّابق ص: (1/ 14).
(4) المرجع السَّابق ص: (1/ 13).