اعتناء العلماء بنقد الحديث سندًا ومتنُا
لمَّا كانت النُّصوص الحديثيَّة شريفة بشرف قائلها، كانت محلَّ اهتمام المسلمين، من هنا كان الاعتناء بتنقيتها من كلِّ ما علق بها من دخيل ومكذوب؛ فقيَّض الله تعالى أئمَّة نقَّادًا يسبرون المرويَّات، وينخلون النُّصوص، لإثبات الصَّحيح من الضَّعيف؛ ليبين الهدى، وتتَّضح مدلولات الرِّوايات؛ ليستقيم العمل بها.
لقد اعتنى العلماء بنقد الحديث سندًا ومتنًا بهدف الوصول إلى صحَّة الحديث؛ فالنَّقد علم من علوم الوسائل التي يُراد من خلالها التَّوصُّل إلى غاية سامية وهي الحكم على الحديث بالقبول والرَّدِّ؛ يقول الأستاذ الدُّكتور نور الدين عتر: "ونستخلص بشكل جازم قاطع شمول منهج المحدِّثين النَّقديِّ كلَّ أوجه الاحتمال في جوانب الحديث كافَّة، سندًا ومتنًا، شمولًا دقيقًا متناسقًا يُشكِّل نظريَّة وفلسفة نقديَّة كاملة... ولم يكتفوا بمجرَّد اختبار السَّند والمتن، بل قاموا بموازنة ضخمة بين الأحاديث سندًا ومتنًا استخرجوا بها أنواعًا كثيرة من علوم الحديث، ولم يكتفوا بعرضه على أشباهه من الرِّوايات، بل عرضوه على كلِّ الدَّلائل العقليَّة والشَّرعيَّة" [1]
سمات المنهج النَّقديِّ عند المحدِّثين
ومن خلال تتبُّع منهج المحدِّثين في النَّقد يمكن أن ذكر بعض سمات منهجهم النَّقديِّ فيما يلي: [2]
1 - الدِّقَّة العالية في وضع الشُّروط لقبول المرويَّات سنًدا ومتنًا؛ فلا يكتفون بصِّحَّة السَّند في قبول الرِّواية، بل يشترطون توفُّر شروط القبول في المرويِّ من نصِّ الحديث الشَّريف، كلُّ هذا يتمُّ دون مجاملة أو تساهل.
2 - اعتناؤهم الشَّديد بوضع الكثير من العلوم الخادمة للمرويَّات سندًا ومتنًا، فلم يألوا جهدًا في ابتكار المصطلحات، أو استحداث العلوم وتقعيدها، مع كثرة المؤلَّفات في العلم الواحد وتنوُّعها؛ بغرض التَّوصُّل إلى آليَّة توصِّل إلى الحكم على الحديث سندًا ومتنًا بما تطمئنُّ له النَّفس، ويهتدي إليه العقل.
3 - منهج النَّقد عند المحدِّثين متقدِّم على منهج النَّقد التَّاريخيِّ عند الغربيِّين، فقد ظهر في زمن الرِّواية قبل عصر التَّدوين، لذا فإنَّ المقارن بينهما لا يجد مشقَّة في التَّوصُّل إلى توافقهما في المحاسن، مع تفوُّق جانب النَّقد الحديثيِّ في الدِّقَّة، وفي منهجه النَّظريِّ العمليِّ القابل للتَّطبيق، والذي يهدف إلى علاج ما وقع وما سيقع من مشكلات، فقد بدأ مع الحديث في زمنه، وكان بمثابة الوقاية لنقد ما قد يقع من انتهاكات لقوانين الرِّواية؛ لضمان سلامة المنقول، بخلاف منهج النَّقد التَّاريخيِّ فقد جاء متأخِّرًا لحلِّ معضلات نتجت عن التَّحريف الحاصل في كتبهم بعد ضياعها، وانعدام السَّند إلى مصدرها.
4 - اعتمدوا في تراجمهم نقل كلِّ ما قيل في الرَّاوي من مدح أو قدح؛ لأنَّهم يُحيلون إلى مصدر القول من خلال ذكر السَّند إليه، فيجمعون كلَّ هذا ثمَّ ينقدونها حين يحتاجون إلى تحقيقها؛ والقاعدة الحديثيَّة تقول: "إذا جمعت فقمش، وإذا حدَّثت ففتش" فهم يجمعون كلَّ ما قيل في الرُّواة ممَّا قد يظهر تناقضه، ثمَّ يُحقِّقونه ويُثبتون الصَّحيح، ويطَّرحون الضَّعيف من المنقولات في حقِّه.
5 - من دقَّة منهجهم في النَّقد أنَّهم لا يُسلِّمون بالنَّقد، بل ينقدونه للوقوف على الصَّحيح من النَّقد؛ لذا نطالع في كتب الجرح والتَّعديل قواعد المحدِّثين لتمييز الجرح والتَّعديل المقبول والمردود، وبيان الحكم في تعارض الجرح والتَّعديل في الرَّاوي الواحد؛ والسَّبب في التَّعارض: تفاوت المحدِّثين في التَّوثيق بين متشدِّد، ومتوسِّط، ومتساهل؛ لذا تفاوتت أقوالهم في الرُّواة تبعًا لمنهجهم في التَّوثيق.
6 - السَّند طريق المتن؛ فإذا عالج المحدِّثون السَّند فوجدوا فيه خللًا يقضي بعدم السَّلامة فإنَّهم يردُّون المتن ولو كانت الحكمة تُستقَى من ألفاظه؛ فعنايتهم بالسَّند يعود على المتن بالقبول والرَّدِّ، وهذا أمر محمود للمحدِّثين؛ فقد تفطَّنوا للعلاقة الوثيقة بين السَّند والمتن؛ فقاموا بنقد السَّند بهدف التَّوصُّل إلى صحَّته؛ فإن سلم لهم تعدَّوه إلى المتن، وإن لم يسلم فلا حاجة للنَّظر إلى المتن؛ لفساد السَّند المترابط مع المتن، من أجل هذا فلا وجه لما تمسَّك به المستشرقون وأذيالهم من القول بنقد مناهج النَّقد عند المحدِّثين بحجَّة إهمال المتن! فإنَّهم لم يهملوا المتن، بل أولوا السَّند العناية بالنَّقد لكون هذه المهمَّة لا يُحسنها سواهم، مع عنايتهم بالنَّظر في المتن ولكن بعد صحَّة السَّند، فالعناية أولويَّة وليست قاصرة.
7 - الحكم عندهم على النُّصوص متجرِّد من الهوى والمجاملات الرَّخيصة والقناعات النَّفسيَّة، فهم يعرضون النَّصَّ على القواعد الثَّابتة للرِّواية فما قبلته القواعد صحَّحوه، وما خالف القواعد ردُّوه، فلا يُدافعون عن نصٍّ أو راوٍ بما يُخالف القواعد الصَّحيحة، والمنقولات الصَّريحة، بل ينقدون النَّقد بنقد معتمِد على العلم لا الهوى، بهدف الوصول إلى الصَّحيح من الضَّعيف من خلال البحث المتجرِّد من القناعات.
8 - نقدهم للحديث متجرِّد من كلِّ تعصُّب وانحراف عن جادَّة العلم وقواعده الثَّابتة التي عليها يُبنى حكمهم، فلا تمنعهم خصومة مع أحد الرُّواة أن يصحِّحوا حديثه الصَّحيح، ولا يحملنَّهم ودٌّ لأحدهم أن يُصحِّحوا حديثه الضَّعيف، أو يقولوا فيه ما لا يستحقُّ من بريق الثَّناء، فالتَّجرُّد من الأهواء والميول سمة من سمات منهجهم، فهم يدينون لله بالحقِّ، قال الذَّهبيُّ رحمه الله: "ونحن لا ندَّعي العصمة في أئمَّة الجرح والتَّعديل لكنَّهم أكثر النَّاس صوابًا، وأندرهم خطأ، وأشدُّهم إنصافًا، وأبعدهم عن التَّحامل" [3]
(1) منهج النَّقد في علوم الحديث، نور الدِّين عتر ص: (456) بتصرُّف يسير.
(2) حوار حول منهج المحدثين في نقد الروايات سندًا ومتنًا، لعبد الله الرحيليِّ ص: (25) بتصرُّف كامل.
(3) سير أعلام النُّبلاء، للذَّهبيِّ (9/129).