الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الفتوى بين الإقدام والإحجام

إن واقع الفتوى في بلاد الإسلام تدور بين حالتين، وتتنوع تبعا لاختلاف حالة المفتي الذي يباشر عملية الإفتاء، وهذا بيانهما:

الحالة الأولى: إقدام كثير من غير المتأهلين للفتوى وانتهاك حرمتها

     إنَّ دخول غير المتخصِّصين في مجال العلم والفتوى في هذا المجال يفسد حياة النَّاس بشقِّيها؛ فمن الفتاوى المضلِّلة المنحرفة ما بسببه وقعت المشكلات، وتفاقمت النِّزاعات، ومنها ما أفضى إلى تحليل الحرام، وتحريم الحلال، ومنها ما أدَّى بدوره إلى ارتكاب المعاصي، والمخالفات الشَّرعيَّة بدون شعور أصحابها بمرارة المخالفة؛ نظرًا لأنَّ من أفتاهم ألبس لهم الباطل لباس الحقِّ، فتحوَّلت المعاصي في نظرهم إلى طاعات وقربات، والعجب أن انتشر هذا الصِّنف من المفتين في ربوع الأمَّة، حتى إنَّك لا تجد نجعًا أو قرية إلَّا وضمَّت بين طيَّاتها من يتجرَّأ على الفُتيا بغير وجه حقٍّ؛ فليس مؤهَّلًا من النَّاحية العلميَّة، وليس مكلَّفًا من قبل الجهات الرَّسميَّة، فإذا أفتى أتت فتواه مناهضة للحقِّ، فلابدَّ من سنِّ القوانين التي تحرِّم وتجرِّم تصدَّر غير المؤهَّلين؛ فقد نهى الله تعالى عباده عن القول بغير علم فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]  وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116] وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» وفي رواية: «وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ» [1] قال ابن حمدان النميري الحراني: عظم أَمر الْفَتْوَى وخطرها وَقل أَهلهَا وَمن يخَاف إثمها وخطرها وأقدم عَلَيْهَا الحمقى والجهال وَرَضوا فِيهَا بالقيل والقال واغتروا بالإمهال والإهمال واكتفوا بزعمهم أَنهم من الْعدَد بِلَا عدد وَلَيْسَ مَعَهم بأهليتهم خطّ أحد وَاحْتَجُّوا باستمرار حَالهم فِي المدد بِلَا مدد وغرهم فِي الدُّنْيَا كَثْرَة الْأَمْن والسلامة وَقلة الْإِنْكَار والملامة أَحْبَبْت أَن أبين صفة الْمُفْتِي والمستفتي والاستفتاء وَالْفَتْوَى وشروط الْأَرْبَعَة. [2]

الحالة الثَّانية: إحجام كثير من المتخصِّصين عن أداء أمانة الإفتاء

     إنَّ السَّبب الرَّئيس في فساد الحياة الدِّينيَّة عند المسلمين تقديم غير الأكفاء، وتأخير أهل التَّخصُّص والدِّراسة المشهود لهم بالعلم والخشية عن ساحات الإفتاء والدَّعوة، وقد يكون تأخُّر المتخصِّص نابعًا من نفسه؛ إذ يخشى من الإفتاء والتَّصدُّر، ويفرُّ منه فرار الفريسة من الأسد، وقد يكون التَّأخُّر بسبب الوساطة والمجاملة لغير الأكفاء، وعدم مساندة المؤهَّلين من قبل القيادة.

     إنَّ واقع الأمَّة الإسلاميَّة يُحتِّم على كلِّ من استطاع أن يُقدِّم ما تنتفع به ألَّا يتأخَّر عن مدِّ يد العون للنَاس؛ فلعل الله أن يكتب أجره، ويكون سببا في رفع الغمة عن هذه الأمة، ولا مجال للورع الخارج عن المألوف، فلا ورع في بيان الحق لمن علمه؛ فقد أخذ الله الميثاق على من تعلم ألا يكتم علمه؛ فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187] وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» [3] قال الخطَّابيُّ: المعنى أن الملجِمَ نفسَه عن قولِ الحق والإخبارِ عن العلم، والإظهار له؛ يُعاقب في الآخرةِ بلجامٍ من نار، وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمُه إياه، ويتعيَّنُ عليه فرضُه، كمن رأى كافراً يُريد الإسلامَ، يقول: علموني، ما الإسلامُ؟ وما الدينُ؟ وكمن يرى رجلًا حديث العهد بالإسلام لا يُحسن الصَّلاة وقد حضر وقتها يقول: علِّموني كيف أصلِّي؟ وكمن جاء مستغيثًا في حلال أو حرام يقول: أفتوني وأرشِدُوني، فإنَّه يلزمُ في مثلِ هذه الأمور ألَّا يمنعوا الجوابَ عما سُئِلُوا عنه مِن العلم، فمن فعل ذلك، كان آثماً مستحقًّا للوعيدِ والعقوبةِ، وليس كذلك الأمر في نوافلِ العلم التي لا ضرورةَ بالناسِ إلى معرفتها.

     من خلال ما سبق يمكننا أقول: إنَّ أمانة الفتوى شديدة، وعظم مسئوليَّاتها ثابتة أكيدة، وجدير بمن هيَّأ الله له سبل التَّعلُّم، وأكرمه بالتَّخصُّص، واختاره ليكون في هذه المهنة الشَّريفة ألَّا يقصر في البحث والمدارسة.


(1) حسن: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (العلم) باب: (التوقي في الفتيا) برقم: (3657) وابن ماجه في سننه، كتاب: (أبواب السنة) باب: (اجتناب الرأي والقياس) برقم: (53)

(2) صفة الفتوى، والمفتي، والمستفتي؛ للإمام أحمد بن حمدان بن شبيب النميري الحرّاني الحنبلي؛ صـ (4).

(3) صحيح: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (العلم) باب: (كراهية منع العلم) برقم: (3658)، والترمذي في سننه، كتاب: (أبواب العلم) باب: (ما جاء في كتمان العلم) برقم: (2649)، وابن ماجه في سننه، في افتتاح الكتاب في الإيمان، وفضائل الصَّحابة، والعلم، باب: (من سئل عن علم فكتمه) برقم: (261).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله