عوامل ضعف الفتوى وقوَّتها
إنَّ صناعة الفتوى وإخراجها في حلَّة قشيبة من أدقَّ ما يُمكن أن تمرَّ به عمليَّة الإفتاء، فكلُّ فتوى يُفتَى بها تحتاج إلى توفُّر ثلاثة أركان فيها:
الرُّكن الأوَّل: المفتي: وهو من يقوم بتحليل ما يعرض عليه من مسائل، ثمَّ يبحث لها عن دليل شرعيٍّ؛ ليستخرج منه الحكم التَّكليفيَّ، ليبيِّنه للسَّائل، وهذا هو أهمُّ ركن في عمليَّة الإفتاء، وعوامل ضعف صناعة الفتوى عنده تقضي بفساد الفتوى وإن صلح الرُّكنان الباقيان، ومن عوامل الضَّعف التي تطرأ عليه:
1 ـ ضعف مستوى المفتي العلميِّ؛ كأن يكون من غير المؤهَّلين للإفتاء، فينتج عن تصدُّره فساد عظيم، وخلل جسيم في عملية صناعة الفتوى؛ لأنَّ فاقد الشَّيء لا يُعطيه.
2 ـ ضعف قدرته على استنباط الحكم من الدَّليل، وإسقاط الدَّليل على الحادثة - محلِّ السُّؤال - فينتج عنه الإفتاء بدون دليل، أو إدراك للحكم التَّكليفيِّ.
3 ـ التَّعجُّل في الفتوى بمجرَّد سماع السُّؤال دون التَّفكير في سياق المسألة، أو البحث في الأدلَّة والأحكام، أو مقاطعة السَّائل عن إكمال سؤاله بحجَّة الخبرة التي حصَّلها المفتي من كثرة ما عرض عليه من مسائل، فيقيسها على مسألة وقعت في دائرة معرفته بمجرَّد التَّشابه بين ألفاظها.
4 ـ عدم مراعاة حال المستفتي أثناء الإفتاء؛ فمن المعروف بين أهل العلم أنَّ الفتوى تتغيَّر بتغيُّر الملابسات؛ كالزَّمان والمكان، والأشخاص المستفتيين، فإذا كانت الفتوى تتغيَّر فإنَّ السَّبيل الذي يضمن صحَّتها وعدم فسادها حكمة المفتي في معرفة ما يصلح للمستفتي من إفتاء.
5 ـ كِبَرُ المفتي الذي يمنعه من قول لا أدري فيما لا يدري، أو يجعله يستنكف عن سؤال غيره ممَّن يملك العلم في المسألة، وهذه آفة كبيرة ما اتَّصف بها عالم إلَّا وأوتي من قبلها بما لا قبل له بدفعه، وهي الكبيرة التي ساقت إبليس إلى الكفر، وأخرجته من رحمة أرحم الرَّاحمين؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34] وقد أثبت الله في كتابه أنَّ العلم لم يُحط به سواه، وأنَّ العلماء متفاوتون فيما بينهم؛ فقال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76] والذي يستنكف عن الرُّجوع إلى الحقِّ، أو السُّؤال عنه فهلاكه مقرون به؛ لأنَّه سيُفتي بدون علم فيتسبَّب في هلاكه، وإهلاك غيره؛ فعن عبيد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا، أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ» [1] قال المناويُّ رحمه الله: «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا» أي: أقدمكم على إجابة السَّائل عن حكم شرعيٍّ من غير تثبُّت وتدبُّر، والافتاء بيان حكم المسألة.
وقوله: «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ» أي: أقدمكم على دخولها، لأنَّ المفتي مبيِّن عن الله حكمه، فإذا أفتى عن جهل أو بغير علم أو تهاون في تحريره أو استنباطه فقد تسبَّب في إدخال نفسه النَّار لجرأته على المجازفة في أحكام الجبَّار ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس:59] [2] قال الزَّمخشريُّ رحمه الله في قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس:59]: "كفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يُسال من الأحكام، وباعثةٌ على وجوب الاحتياط فيها، وأن لا يقول أحدٌ في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إتقان وإيقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت، وإلا فهو مفترٍ على الله تعالى" [3] ولقد كان العلماء يتحرَّجون من الفتيا بغير علم؛ فعن عمر ابن أبي زائدة قال: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ. مِنَ الشَّعْبِيِّ. [4]
ولم يكن هذا لجهلهم، وإنما لخوفهم من الفتوى ومسئوليتها؛ فعن محمد بن المنكدر قال: "إِنَّ الْعَالِمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، فَلْيَطْلُبْ لِنَفْسِهِ الْمَخْرَجَ" ([5]) ومن قال لا أدري أفضل ممَّن أفتى، وأعلم ممَّن تكلم؛ فعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ الْبِلَادِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» ، فَلَمَّا أَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قَالَ: «أَيُّ الْبِلَادِ شَرٌّ؟» قَالَ: لَا أَدْرِي، حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي، فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ سَأَلْتَنِي أَيُّ الْبِلَادِ شَرٌّ؟ فَقُلْتُ: «لَا أَدْرِي»، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي، فَقُلْتُ: أَيُّ الْبِلَادِ شَرٌّ؟ قَالَ: أَسْوَاقُهَا. [6]
الرُّكن الثَّاني: المستفتي: وهو السَّائل الذي يعرض المسألة وهو جاهل بحكمها، يريد أن يعرف حكم الله تعالى فيها، ومن عوامل الضَّعف التي تطرأ عليه:
1 ـ التَّوسُّع في الجدال؛ فالأصل في السَّائل أنَّه جاهل بالحكم؛ قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43، الأنبياء: 7] وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النَّبيُّ ﷺ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» [7] فإذا تبدَّل الحال؛ وكان السَّائل عالمًا بالإجابة قبل السُّؤال فإنَّه يُعدُّ من باب الاختبار، والجدال العقيم الذي لا فائدة تُرجى من خلاله، حيث يتحوَّل المشهد إلى مناظرة يُحاول كلُّ طرف من طرفيها أن ينتصر، فينتج عنه ضعف في الفتوى؛ إذ تتحوَّل عن مسارها الأصيل. وقد لا يكون السَّائل عالمًا بالجواب قبل السُّؤال، لكنَّ المفتي أجابه بما لا يُناسبه؛ فيسعى في مجادلته ليستخرج منه ما يُوافق هواه، ويُحقِّق مبتغاه ثمَّ يقول: (علِّقها في رقبة عالم، واخرج منها سالمًا!) وأنَّى له السَّلامة!.
2 ـ تلبيس المستفتي على المفتي ممَّا يتأتَّى معه عدم دقَّة الجواب؛ إذ يترتَّب عنه إجابة المفتي للسَّائل بغير ما يجوز له؛ لأنَّه لم يتمكَّن من فهم السُّؤال لتلبيس المستفتي عليه، وهنا يجب على المفتي إن شعر بتلاعب المستفتي بالأقوال ليستخرج منه حكمًا يُرضِي هواه أن يستفهم منه بحيث يضطره إلى قول الحقِّ، وإمَّا أن يُعرض عنه بدون أن يُفتيه بما يظنُّ أنَّه يُحاول استخراجه؛ مع بيان حرمة هذا للمستفتي؛ حتى تقام الحجَّة عليه؛ قال الله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:42] وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» [8]
3 ـ عدم أمانته في نقل معطيات السُّؤال، أو حذف معلومات من نصِّ السُّؤال تساعد على دقَّة الإجابة بهدف الإلباس على المفتي ليُعطيه ما يريد، فتخرُج الفتوى لا تتناسب كلِّيًّا مع حقيقة ما وقع، فلابدَّ أن يَعتني السَّائل المتجرِّد عند السُّؤال بكلِّ ما من شأنه أن يُغيِّر الفتوى ويُقيِّدها، وليعلم أنَّ الله تعالى مطَّلع على خفايا النُّفوس، وعليم بما يدور في خلجاتها، وسوف يُجازي بذلك في محاسبة لا تنفع فيها حيل، ولا يُفيد فيها مكر.
4 ـ اعتماد المستفتي على أضعف المفتين لسؤاله بهدف استخراج ما لا يتعارض مع هواه، أو بجهل منه بحقيقة المفتي، وهنا لابدَّ أن يعلم كلُّ سائل أنَّ الاحتياط للدِّين أولى من التَّهجُّم وتعريضه للفتن، فسؤال المتخصِّص أمانة تقع في رقبة السَّائل؛ ليعلم أنَّه مسئول أمام الله تعالى يوم القيامة عن اختيار من يُفتيه؛ إذ هو العمدة عنده في باب الإفتاء، فليجتهد المستفتي في انتقاء أكفأ النَّاس وأعلمهم، وإن اشتهر عنه الحزم، طالما أنَّه من أهل التَّخصُّص والعلم.
الرُّكن الثَّالث: الفتوى: وهي الإجابة التي تقع من المفتي ردًّا على سؤال المستفتي، وهي بيان حكم الله تعالى في المسألة مشفوعًا بالدَّليل، وهي القاسم المشترك بين الرُّكنين السَّابقين؛ فالأوَّل يؤدِّيها، والثَّاني يتحمَّلها، ومن عوامل الضَّعف التي تطرأ عليه ما يلي:
1 ـ عدم وضوح مدلولها، ممَّا يوقع المستفتي في لبس بسبب عدم فهمه لمراد المفتي، والأصل أن تكون الفتوى معدودة الكلمات، واضحة العبارات، بيِّنة المعاني والمدلولات، بحيث لا تُحوِج السَّائل إلى استفهام المفتي عن مقصوده، وعلى المفتي ألَّا يتقعَّر في بيان الحكم الشَّرعيِّ للسَّائل، بل يُراعِي حالته وثقافته، ويجدُر به أن يتنزَّل لمستواه؛ لأنَّ المقام مقام بيان وإيضاح، وخروج السَّائل بدون فهم في موطن يُراد فيه الإفهام دليل على ضعف المفتي، وعدم احتوائه له.
2 ـ خلوُّها من الدَّليل الذي يقوِّي حجَّتها؛ فإنَّ الكلام إن خلا من الدَّليل خلا من النُّور، والمفتي الذي يعتمد على أنَّ السَّائل جاهل بالحكم فيُفتي بدون إدراك للخلاف والرَّاجح منه بالدَّليل، غالبًا يقع في مواطن الحرج والعنت حين يسأله السَّائل عن الدَّليل على ما حرَّره وقرَّره، وإن كان من سوء الأدب أن يسأل السَّائل عن الدَّليل، إلَّا أنَّه من حقَّه أن يعرف الحقَّ بدليله، فليعدَّ المفتي الجواب.
3 ـ عدم مراعاتها لحال المستفتي؛ فإنَّ الفتوى تتغيَّر بتغيُّر الزَّمان والمكان والأحوال، وهذا التَّغيير يُدركه المفتي بحكمته، ومعرفته لحال المستفتي، فإن أهمل النَّظر إليه خرجت الفتوى عمياء لا تحقِّق المصلحة الشَّرعيَّة للمستفتي؛ لأنَّ الحكم لا يتناسب مع ما كان ينبغي أن يفتى له به، من أجل هذا شُرعت العزيمة والرُّخصة، فمن ظهر من حاله شدَّة العجز عن الأخذ بالعزيمة جازت له الرُّخصة، والضَّرورات تبيح المحظورات، وتقدَّر بقدرها.
4 ـ أن تحكمها العواطف القلبيَّة، أو تخضع للمجاملات البشريَّة؛ فإنَّ كثيرًا من المفتين الذي لا يتورَّعون عن مخالفة الحقِّ بدليله لأجل عرَض من الدُّنيا زائل؛ كالمناصب، والأموال، والوجاهة، تتحكَّم فيهم الأهواء وتميل بهم رياحُها كلَّ الميل، فتارة يُحلُّ حرامًا ليُرضِي الحاكم، وتارة يُحرِّم حلالًا لينتقم من مخالفيه، فبمثل هذا السُّلوك تخرج الفتوى عارية عن الصِّحَّة إلى الضَّعف أقرب، وعلى الباطل أدلُّ، فيجدر بالمفتي أن يُراعِي ربَّه، وأن يخافه، وأن يعلم قدر ما وصل إليه من فضل، فكفى به فخرًا أن يكون هو الموقع عن الله تعالى، والممتهن لمهنة الرُّسل، وأنَّ كلَّ إنسان مهمًّا عظم قدره يحتاج إليه، فليعتزَّ المفتي بما وصل إليه، وليشكر الله تعالى بأن يقف عند حدوده، فيحلَّ الحلال، ويحرِّم الحرام" [9]
خلاصة القول: لابدَّ للمفتي أن يكون ممَّن توفَّرت فيه الأهليَّة للفتوى، وأن يعرف قدر ما وصل إليه، فهو في مقام عظيم؛ قال ابن القيَّم رحمه الله: "إذا كان مَنْصِبُ التَّوقيع عن الملوك بالمحلِّ الذي لا يُنْكَر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَّنيَّات، فكيف بمنصب التَّوقيع عن ربِّ الأرض والسَّماوات؟! فحقيقٌ بمن أقِيمَ في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عُدَّته، وأن يتأهَّب له أهْبَتَه، وأن يعلم قَدْرَ المقام الذي أُقيمَ فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحقِّ والصَّدع به؛ فإنَّ اللَّه ناصرُه وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولَّاه بنفسه ربُّ الأرباب؛ فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ وكفى بما تولَّاه اللَّه تعالى بنفسه شرفًا وجلالةً؛ إذ يقول في كتابه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وليعلم المفتي عمَّن ينوب في فتواه، وليُوقِنْ أنَّه مسئول غدًا ومَوْقُوف بين يدي اللَّه" [10] وأن يتعرَّف على واقعة الاستفتاء معرفة لا يخفى عليه وجه الحقِّ بها، وأن يحاول دراسة نفسيَّة المستفتي، والجماعة التي يعيش فيها؛ ليعرف ما يناسبه من فتوى، وله أن يتخيَّر من المذاهب ما يراه الأصلح لحال المستفتي بثلاثة شروط:
1 ـ ألَّا يختار قولًا قد ضعف دليله بحيث لو اطَّلع القائل به على أدلَّة غيره ما وسعه إلَّا أن يعدل عنه إلى ما اطَّلع على أدلَّته؛ لقوَّتها، وضعف دليله، والأمانة في المفتي تقتضي رعاية هذه المعاني.
2 ـ ألا يكون في اختياره للقول إضرار، وتشديد على النَّاس، أو تساهل يسوق إلى الانحلال، فلا يتَّبِع زلَّات المذاهب، أو رخص العلماء، بل يتَّبع الدَّليل مع المصلحة الرَّاجحة لكافَّة النَّاس، ولا يترك المُجمع عليه لأدنى خلاف، ولا يعدل بقول الأئمَّة الأربعة غيره، ولا يتَّبع شواذَّ المذاهب، أو ما خلا من الدَّليل.
3 ـ الصِّدق في الاختيار، فلا تحكمه عاطفة بعيدة عن الدَّليل، أو مصلحة مع عزيز أو ذليل، أو هوى إليه نفسُه تميل، فلا يُفتي لحاكم، أو أمير، أو صديق، أو غفير، بل لا يُفرِّق في فتواه تبعًا لاختلاف الأشخاص إلَّا إذا اقتضَّت الضَّرورة مراعاة حال المستفتي، فالمفتي الحقُّ لا يُجامل على حساب دينه. [11]
(1) ضعيف بالإعضال؛ فعبيد الله بن جعفر لم تُعرَف له رواية عن الصحابة: وقد أخرجه الدارمي في سننه، في المقدمة، باب: (الفتيا، وما فيه من الشدة) برقم: (159)
(2) فيض القدير شرح الجامع الصغير؛ للإمام زين الدين محمد ابن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، المكتبة التجارية الكبرى؛ (1/ 158، 159)
(3) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل؛ للإمام جار الله أبي القاسم الزمخشري؛ دار الكتاب العربي؛ (2/354)
(4) صحيح: أخرجه الدارمي في سننه، في المقدمة، باب: (من هاب الفتيا، وكره التنطع والتبدع) برقم: (134).
(5) صحيح: أخرجه الدارمي في سننه، في المقدمة، باب: (من هاب الفتيا، وكره التنطع والتبدع) برقم: (139).
(6) صحيح: أخرجه الطبراني في معجمه الكبير، كتاب: (العشرة) باب: (الجيم) برقم: (1545) والحاكم في مستدركه، كتاب: (العلم) حديث: (عبد الله بن نمير) برقم: (303).
(7) حسن: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (الطهارة) باب: (المجروح يتيمم) برقم: (336) وابن ماجه في سننه، كتاب: (الطهارة وسننها) باب: (في المجروح تصيبه جنابة فيخاف على نفسه إن اغتسل) برقم: (572).
(8) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الحيل) باب: (إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت، فقضي بقيمة الجارية الميتة، ثم وجدها صاحبها فهي له، ويرد القيمة ولا تكون القيمة ثمنا) برقم: (6967) وكتاب: (الأحكام) باب: (موعظة الإمام للخصوم) برقم: (7168) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الحدود) باب: (الحكم بالظاهر، واللحن بالحجة) برقم: (1713).
(9) وبهذا أكون قد ذكرت عوامل ضعف الفتوى، وأما عوامل القوة فهي أن تخلو من عوامل الضعف.
(10) إعلام الموقعين عن رب العالمين؛ للإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بـ (ابن قيم الجوزية) دار الفكر العربي؛ مقدمة الكتاب، فصل (الأصحاب الذين قاموا بالفتوى بعده)؛ صـ (1/10).
(11) أصول الفقه؛ للإمام محمد بن أحمد بن مصطفى المعروف بـ (محمد أبو زهرة) دار الفكر العربي؛ صـ (360) فقرة (390) بتصرف.