الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

من مقاصد الشَّريعة حفظ النَّفس

وأمام كلِّ هذه الأضرار المتحقِّقة يأتي الشَّرع الشَّريف ليمنع من هذا السُّلوك؛ فمن أعظم مقاصد الشَّريعة حفظ النَّفس من الهلاك والضَّياع؛ من أجل هذا حرَّم الإسلام الاعتداء على هذه النَّفس فهي صنعة الله تعالى، وسواء كان هذا الاعتداء من الغير أو من النَّفس على النَّفس، والعاقل لا يقع منه الاعتداء على الغير، وعلى نفسه من باب أولى، من أجل هذا نهانا الشَّارع عن التَّعدِّي على النَّفس بأيِّ وسيلة تؤدِّي إلى ضياعها وإتلافها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 29، 30] قال الطَّاهر بن عاشور رحمه الله: "لا تقتلوا أنفسكم نهي عن أن يقتل الرَّجل غيره، فالضَّميران فيه على التَّوزيع، إذ قد عُلِم أنَّ أحدًا لا يقتل نفسه فيُنهى عن ذلك، وقتل الرَّجل نفسه داخل في النَّهي، لأنَّ الله لم يبح للإنسان إتلاف نفسه كما أباح له صرف ماله، أمَّا أن يكون المراد هنا خصوص النَّهي عن قتل المرء نفسه فلا" [1] وأمَّا المنتحر بأيِّ وسيلة من الوسائل فعقله مغيَّب عنه وقت جنايته على نفسه بإزهاقها؛ لأنَّه يصل إلى حالة من الضِّيق النَّفسيِّ تَضيق معها منافذ العقل؛ فيرى - بتهوُّر منه - أنَّ سبيل الخلاص من هذا الضِّيق النَّفسيِّ والمعنويِّ أن يقتل نفسه ليرتاح من الألم الحاصل له، وغالبًا ما يقع هذا عند خلوِّ الوجدان من معاني اليقين والإيمان؛ فينتج عن ذلك خواء روحيٌّ، وفراغ نفسيٌّ لا يشعر معه المرء بطعم للحياة، ولا يسعه إلَّا التَّفكير في الخلاص بالانتحار؛ من أجل هذا نراه متحقِّقًا بكثرة في غير المسلمين من أصحاب الدِّيانات الوضعيَّة أو الباطلة المحرَّفة التي لا تشبع الرُّوح، ولا تُعنى بالنَّفس، ومع هذا فقد رتَّب الشَّارع الحكيم عقوبة قاسية على إزهاق النَّفس بالانتحار؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68، 69] وقال النَّبيُّ : «من تردَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنَّم يتردَّى فيها خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن تحسَّى سمًّا فقتل نفسه، فسمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنَّم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنَّم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا» [2]

ولمَّا كان من غير المتوقَّع أن يقتل الإنسانُ العاقلُ نفسَه قتلًا مباشرًا، كان إقدام المرء على إلحاق الأذى بنفسه عن طريق قتلها جرم كبير يستحقُّ مثل هذا العقاب الشَّديد من باب الرَّدع والزَّجر بتغليظ العقوبة؛ لأنَّ جنايته أعظم من جناية التَّعدِّي على الغير؛ فهما وإن كانا يشتركان في جرم إزهاق النَّفس، والتَّعدِّي على حقِّ الحياة، وإهدار صنعة الله تعالى التي نهى عن إيذائها، إلَّا أنَّ المعتدي على نفسه أشدُّ جرمًا، وأعظم وزرًا؛ لأنَّ تعدِّيه على نفسه جريمة تضاف إلى جريمة التَّعدَّي ذاتها، حيث استخفَّ بقيمة الحياة التي وهبها الله تعالى له، وأفرط في التَّعدِّي بإزهاق النَّفس المحفوظة بحفظ الله لها، وضيَّع حقَّ أهله بالأنس به أو الدِّية الواجبة على قاتلة؛ لأنَّه هو القاتل لنفسه فلا دية له؛ فيكون بذلك قد جمع على أهله ضررًا نفسيًّا وماليًّا؛ فقد ينتفع أهل المقتول بديته لاسيَّما إذا كان هو من يقوم على رعايتهم والإنفاق عليهم، فإذا قتل نفسه فقدوا من يعولوهم، ولم تكن لهم الدِّية التي تُسهم بدور في تخفيف معاناتهم الحياتيَّة من إثقال كاهل من يخلفه في أهله بعد قتل وليهم، فكان عقابه على قدر ما نتج عن فعله من جرم بعضه يتعلَّق بحقِّ الله تعالى في التَّعدِّي على صنعته، وبعضه يتعلَّق بحقِّ أهله في حرمانهم منه، وإهدار الدية، وبعضه يتعلَّق بحقِّ نفسه التي سلبها حقَّها في الحياة.

وإذا كان من غير المتوقَّع أن يقتل الإنسانُ العاقلُ نفسَه قتلًا مباشرًا، فإنَّ حصول القتل غير المباشر أمر واقع ومتحقِّق في دنيا النَّاس؛ فإنَّ إلقاء النَّفس في التَّهلكة بإقحامها في أمور من المتيقَّن أنَّها تفضي إلى الهلاك قتل لها؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195] قال الطَّاهر بن عاشور رحمه الله : "ومعنى النَّهي عن الإلقاء باليد إلى التَّهلكة: النَّهي عن التَّسبُّب في إتلاف النَّفس أو القوم عن تحقُّق الهلاك بدون أن يجتنى منه المقصود" [3] ويقول القرطبيُّ رحمه الله: "وأجمع أهل التَّأويل على أنَّ المراد بهذه الآية: النَّهي أن يقتل بعض النَّاس بعضًا. ثمَّ لفظها يتناول أن يقتل الرَّجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدُّنيا وطلب المال؛ بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدِّي إلى التَّلف" [4] وهذا ما يفعله المرء حين يُقدِم على الهجرة غير الشَّرعيَّة التي يكون فيها الهلاك متحقِّق، أو أقرب إلى التَّحقُّق بسبب الأعراف الدَّوليَّة والقوانين التي لا تُجامل أو تُحابي لأنَّه من حقِّ أيِّ دولة أن تُنظِّم شئونها بما لها من استقلاليَّة وسيادة على أرضها.


(1) يُنظَر: التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور (5/25).

(2) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الطِّبِّ) باب: (شرب السم والدواء به وبما يُخاف منه والخبيث) برقم: (5778) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الإيمان) باب: (غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه) برقم: (109).

(3) يُنظَر: التَّحرير والتَّنوير، للطَّاهر بن عاشور (2/214).

(4) يُنظَر: الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبيِّ (5/156).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله