الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

الوقف التَّامُّ: هو ما تمَّ معناه في نفسه فاكتفى بمضمونه ولم يحتج إلى ما بعده لفظًا ولا معنًى، وسمِّي تامًّا لتمام معناه في نفسه وإفادة ما يُستغنى به عن لاحقه؛ يقول ابن الجزريِّ رحمه الله: "وهو الذي قد انفصل ممَّا بعده لفظًا ومعنًى" [1] كالوقف على أواخر السُّور لتمام مضمونها بتمام السُّورة، والوقف على نهايات الأخبار والأقوال والقصص والأوصاف والمقامات.

وقد يصل الوقف التَّامُّ إلى درجة اللُّزوم الذي لا يجوز معه الوصل إذا كان الوصل يُفسِد المعنى ويُحمَّل النَّصَّ ما لا يتحمَّل ولا يصحُّ، فيكون الوقف لعدم وقوع اللَّبس والتَّحريف، ويُعرف هذا النَّوع من الوقف بوقف البيان اللَّازم، أي الذي يلزم الوقف عليه عند جميع القرَّاء لفساد المعنى بالوصل؛ لعدم الارتباط بين الجملتين، ويُرمز له في المصاحف بالميم النَّائمة: (مــ) وهي إشارة إلى الميم من كلمة: (لازم)، ويُفرَّق بينها وبين الميم الواقفة: (م) فهي على النُّون السَّاكنة والتَّنوين إذا وقع بعدهما حرف الباء علامة للإقلاب مع الإخفاء مع الغنَّة.

ومواضع الوقف اللَّازم في القرآن الكريم محصورة، وتكاد تكون محلَّ اتِّفاق بين المصاحف؛ لوضوح فساد المعنى بالوصل، فوضع العلماء علامة الوقف اللَّازم على كلِّ ما يُفسد المعنى بالوصل، ووضعوا علامة النَّهي عن الوقف: (لا) على ما يُفسد المعنى بالوقف، وهي محاولة منهم لتوجيه القارئ بصريًّا، والالتزام بما تقرَّر من لزوم الوقف أو لزوم الوصل من أولويَّات القراءة، فلا يتهاون القارئ في شيء من ذلك، بل يحرص على حفظ مواضع اللُّزوم الوقفيِّ والوصليِّ في كامل القرآن الكريم للأخذ والاعتبار.

ويجب الوقف على التَّامِّ الذي لم يحتج إلى ما بعده؛ لأنَّ الوصل= خلط وتداخل بين جملتين تمَّ معنى كلٍّ منهما، ولا حاجة للوصل في تتميم المعنى أو تكميل المبنى، بل يترتَّب على الوصل ذهاب رونق القراءة وجمال الأداء وحلاوة التِّلاوة؛ لما يظهر به السِّياق تداخل ودمج وخلط بين الجمل، والوصل مسلك الوقف الاضطراريِّ القبيح؛ لأنَّ النَّفَس ربَّما يضيق عن الوصول إلى تمام الجملة الثَّانية فيقف القارئ على ما لا يحسن الوقف عليه. ومن مواضع الوقف التَّامِّ:

1 - نهايات السُّور فلا توصل بما بعدها إلَّا للتَّعليم أو الاختبار لمعرفة كيفيَّة الوصل، ولا يكون ديدن القارئ الوصل، وإنَّما يقع حيث اقتضاه داع من طلب أو رغبة في إيصال الفائدة؛ كنهاية الأنفال وبداية التَّوبة، فيصل القارئ لبيان كيفيَّة الوصل بلا بسملة.

2 - رءوس الآيات القرآنيَّة، فيبدأ منها القارئ وينتهي إليها، فلا يصل آخر الآية بأوَّل تاليتها إلَّا لعلَّة من تعلُّق المعنى إذا أوهم الوقف خلاف المراد، وله أن يقف وإن أوهم الوقف إذا كانت القراءة متَّصلة لم يقم عنها القارئ أو يختمها؛ فالوقف على الرُّؤوس أعظم الدُّروس، وهو من سنَّة القرَّاء، وفصل بين الآيات بما تظهر معه معالمها بدءًا وانتهاءً، وبه يتميَّز الرَّزين المتأنِّي من المتهوِّر المتعجِّل، فلا يصل جميع الآيات في مقام عرض وصلاة، وقد يُتجوَّز عن ذلك في المراجعات الذَّاتيَّة الخاصَّة وحلقات العرض الحفظيِّ في أوراد المراجعات لكثرة المقروء مع قلَّة الوقت، وعدم حصول لبس بالاستماع.

ولا يعني وقوع الوقف التَّامِّ في رءوس الآيات عدم وقوعه في أوسط الآيات وأجزائها، بل يقع وهو كثير في القرآن الكريم، والعبرة فيه تمام المعنى وعدم حاجته إلى ما بعده، فحيثما كان تمام المعنى كان الوقف التَّامُّ دون تقيُّد بموقعيَّة، وإنَّما كان التَّنبيه على وقوعه في رءوس الآيات لا للحصر ولكن لضرب المثل بما يقع فيه الوقف التَّامُّ مطَّردًا؛ فكلُّ آية من آيات القرآن الكريم يوقف عليها وقفًا تامًّا إلَّا استثناءات يسيرة لا تخرق العموم، بينما تقع أنواع الوقف في أجزاء الآيات، فليست الأجزاء محصورة في الوقف التَّامِّ، بل يقع فيها جميع أنواع الوقف، لهذا كان التَّنبيه على رءوس الآيات دون الجمل.

3 - نهايات الأخبار والقصص والأوصاف والمقامات، فجميعها من مواضع الوقف التَّامِّ لما يتحقَّق فيها من تمام اللَّفظ والمعنى؛ لأنَّ تمام الخبر يعني البدء في الجملة التَّالية بخبر جديد، والوصل يؤدِّي إلى التَّداخل والخلط بين المفصولات، فالفصل بين خبر قوم هود وقوم صالح في موضع التَّتابع أكمل من الوصل غير المفيد، وكذلك ختام القصَّة القرآنيَّة يُفصل بالوقف عن الجملة التَّالية لأنَّها مفصولة لفظًا ومعنًى عن القصَّة، سواء كان تعقيبًا من الله تعالى عليها، أو كان استئنافًا لقصَّة جديدة، فتمام قصَّة موسى مع قومه يقتضي الفصل بين آخر جملها وأوَّل قصَّة ابني آدم في سورة المائدة؛ فالوصل يُوحي بالرَّبط بينهما لفظًا ومعنًى وهذا غير صحيح، وكذلك الفصل بين الأوصاف والمقامات أنسب للسِّياق والمعنى، كالفصل بين مقام وأوصاف وجزاء أهل الجنَّة وأهل النَّار في سورة البقرة في آية الخطيئة، وسورة الحشر في آية الفوز، والفصل بين مقام الرَّحمة ومقام العذاب في آية الحجارة في البقرة، وآية البياض والسَّواد في آل عمران.

4 - نهايات الأقوال الواردة في الآيات أو أجزائها؛ فمقول القول منفصل عن الجملة التَّالية لأنَّه يتضمَّن كلامًا منسوبًا إلى جهة واحدة سواء كان القائل فردًا أو جماعة، فالفصل لعلَّة تمام المعنى بنسبة القول لقائله، فالقول برأسه يصلح أن يكون جملة وقفيَّة محدَّدة البدء والوقف، فيبدأ القارئ من بداية القول، ويقف عند نهايته، ولا يُدخل في القول ما ليس منه ممَّا لحقه من كلام يتبعه، وكلُّ قول كان الوقف على آخره تامٌّ، ويُغتفر في الفواصل الطَّويلة ما لا يُغتفر في الفواصل القصيرة، فلا تُقسِّم الآيات القصيرة المتضمِّنة للقول لعدم الحاجة إلى ذلك، بينما يُقبل في الآيات الطَّويلة تقسيم المقول إلى جمل؛ للمشقَّة الحاصلة في جمع الآية الطَّويلة المتضمِّنة للقول ومقوله.

ونلاحظ أنَّ أكثر مواضع الوقف التَّامِّ في نهايات الآيات المتضمِّنة ختام السُّور والقصَّة والوصف والمقام، وأمَّا مواضع الوقف التَّامِّ في أواسط الآيات فيكاد ينحصر في ختام الأقوال؛ لقوَّة الارتباط المعنويِّ بين أجزاء الآية الواحدة، والوقف التَّامُّ تنقطع فيه العلاقة اللَّفظيَّة والمعنويَّة بين الموقف عليه وما بعده، وهذا لا يكاد يتحقَّق في أجزاء الآية لكمال التَّناسب بينها، ولـمَّا كان القول بمثابة الآية لتمام معناه ومبناه في نفسه كان الوقف عليه تامًّا وعومل معامل تمام الفاصلة.

وكلُّ وقف تامٍّ بعده بدء تامٌّ، فما جاز الوقف عليه لتمام اللَّفظ والمعنى وعدم التَّعلُّق، جاز البدء بما بعده لذات العلَّة الموجبة للوقف على ما قبله، وهذا أكمل وقف القرآن الكريم وبدئه، فلا يتعنَّى الواقف على ما تمَّ معناه ومبناه في البدء متحيِّرًا كيف يبدأ باحثًا عن الكلمة الأنسب للبدء؛ لأنَّه يبدأ بما بعد كلمة الوقف استقلالًا، بخلاف الواقف على ما نقص لتعلُّقه بما بعده لفظًا أو معنًى فإنَّه لا يبدأ استقلالًا بما بعد موضع الوقف، بل يحتاج القارئ إلى الاختيار المناسب لموضع البدء.

يتفاوت الوقف التَّامُّ في درجة تمامه واستغنائه عمَّا بعده، فمنه الأتمُّ، ومنه التَّامُّ، ومنه ما يكون تامًّا على قراءة أو تأويل تفسيريٍّ أو إعرابيٍّ ولا يكون تامًّا على قراءة أخرى أو تأويل آخر؛ فاختلاف القراءة والتَّأويل معتبر في رعاية المعنى وبه يتأثَّر الحكم على الوقف، من هنا كان من شروط الباحث في هذا العلم الشَّريف أن يكون على دراية بما يُظهر المعنى فهمًا وإعرابًا ويُجلِّي غوامضه.

ميَّزت المصاحف الوقف التَّامَّ بعلامة الوقف الأولى: (ۗ) وتعني جواز الوصل مع أولويَّة الوقف لتمام المعنى، وقد تختلف المصاحف في اعتبار أولويَّة الوقف أو استواء الوجهين تبعًا لاجتهادهم في فهم المعنى وتصنيفه إلى تامٍّ أو كافٍ.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله