حكم أسانيد المعروفين بالتَّساهل
أمَّا أسانيد القرآن الكريم التي اشتهر أصحابها بالتَّساهل فالمحقِّقون من أهل العلم مختلفون فيها؛ فمنهم من يردُّها ويجعلها والعدم سواء، ومنهم من يراها صالحة كمتابعات وشواهد لكنَّها لا تقوى بنفسها على إثبات التَّحمُّل، ولا تُجيز بمفردها إسناد الغير، ومنهم من يرى أنَّ الحكم عليها يتوقَّف على تحديد وقت الإجازة؛ فإن كانت قبل التَّساهل، أو في وقت القوَّة والجلد والصَّبر فحسنة صالحة، وإن كانت في وقت التَّساهل أو الكِبَر أو النِّسيان فلا.
والحق: أنَّ الإجازة الحقيقيَّة هي حقيقة القراءة وجودة الأداء وسلامة العرض، فالنَّاجح في المحراب هو من قدَّمه النَّاس لإجادته لا لشهاداته؛ قال العلَّامة السَّفارينيُّ رحمه الله: "والإجازات لا تُفيد علمًا، فمن حصَّل العلوم، وأتقن منطوقها والمفهوم، فقد فاز، وأُجيز على الحقيقة لا المجاز، ومن لا فلا، ولو ملأ سبت أمِّه إجازات" [1]
قلت: وأمَّا من أُجيز بالعامَّة فلا يُجيز بها في القرآن الكريم والقراءات، وما افتقد في تحقُّق العلم به إلى التَّلقِّي والمشافهة؛ لأنَّ هذا ممَّا يفسد ساحات الإقراء، ويضيِّع معالم الأداء، ويدخل في هذا الميدان الدَّقيق من ليس من أهله، والعجب كلُّه ممَّن يفخر بالأوراق في مجال الرِّواية والمشافهة؛ فإنَّ علم القرآن لا يُضبط إلَّا بالتَّلقِّي من أفواه عارفيه البررة، ومثل هذا كمثل الذي يفخر بمجد غيره.
(1) إجازة شمس الدِّين أبي العون السَّفارينيِّ لعثمان الرُّحيبانيِّ، تحق: د. محمد بن ناصر العجميِّ، ص: (233).