الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

من أحكام الوقف والابتداء

ما حكم وصل كلمة يقينًا بآية الرَّفع في سورة النِّساء؟

سؤال:

ما حكم البدء بقوله تعالى: {يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157، 158]؟

وللجواب أقول:

اعلم - علَّمني الله وإيَّاك - أنَّ البدء مع الوصل في قوله تعالى: {يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157، 158] لا يخلو من التَّكلُّف، وتركه أولى منه؛ والمعنى المتَّسق مع السِّياق: وما قتلوا عيسى عليه السَّلام متيقِّنين من قتله، أو متيقِّنين من أنَّه هو المسيح عيسى ابن مريم عليه السَّلام؛ فيكون المراء إثبات ظنِّهم وشكِّهم في نفي اليقين عنهم من القتل أصلًا فلم يقتلوه جزمًا، أو نفي قتل عيسى عليه السَّلام على وجه اليقين بأنَّه هو، ويكون قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} إثبات من الله تعالى بعدم وقوع القتل فهذا هو اليقين، وما بعده من جملة الإضراب مُستأنف، وهذا هو المعنى الأصل الذي يقتضيه السِّياق القرآنيُّ من غير تأويل، وهو أولى من غيره من المعاني المأوَّلة.

والإعراب بوصله لا يكون جائزًا إلَّا بالتَّأويل على وجهين أحدهما جائز والآخر مُمتنع:

الوجه الأوَّل: أنَّه منصوب بجواب قسم محذوف تقديره: (يقينًا ليرفعنَّه الله) واستُغني عن القسم بالحذف لدلالة ما بعده عليه، ويكون: {يقينًا} منصوب بالفعل ليرفعنَّه، وهذا التَّأويل المجوِّز للوصل.

الوجه الثَّاني: وهو تأويل لا يجوَّز بأنَّه منصوب بما بعد بل الإضرابيَّة: (أي رفعه الله يقينًا) على تقديم المفعول وتأخير الفاعل، وهذا غير مقبول؛ لأنَّ بل الإضرابيَّة لا يعمل ما بعدها في تاليها، والعكس صحيح؛ بمعنى أنَّ السَّابق لا يُعرَب مُتقدِّمًا على المتأخِّر، ويجوز العكس نحو: "أكلت سمكًا بل لحمًا" فيكون العامل في نصب: (لحمًا) هو الفعل المتقدِّم على بل.

والقاعدة أنَّه إذا تعلَّق الحكم بالتَّأويل وجاز فيه وجهان أحدهما مقبول والآخر غير مقبول، كان الجنوح إلى ترك الحكم أولى وصلًا أو وقفًا؛ لاحتماليَّة الوجه الممنوع، ولئلَّا تُحمَّل النُّصوص فوق ما تتحمَّل، والبعد عن التَّلاعب بالمعاني القرآنيَّة أليق وأحسن، والوقف بلا تأويل أولى من الوقف بتأويل.

وعليه يكون الوقف أولى، والبدء بجملة الإضراب، وهو ما عليه القرَّاء - قديمهم وحديثهم - عملًا وتطبيقًا، ويجوز الوصل على تقدير جملة قسم محذوفه؛ قال أبو بكر بن الأنباريِّ رحمه الله: "إلَّا أنَّ بعض المفسرين قال: {إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} وقف تامٌّ، ثمَّ ابتدأ: {يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} فهذا على معنيين: إن نصبت {يقينا} بـ: «رفعه» كان خطأ لأنَّ (بل) أداة لا ينصب ما بعدها ما قبلها، وإن نصبت {يقينًا} بجواب لقسم محذوف كأنَّه قال: «يقينًا لنرفعنَّه» فحذف الجواب واكتفى منه بقوله: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} كان هذا وجهًا جائزًا" [1]


والله أعلم وأحكم، وهو أعزُّ وأكرم

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله