الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تعريف القرآن الكريم

أي بنيَّ، لقد أنزل الله تعالى به جبريل أمين وحيه على نبيِّنا محمد ﷺ ليكون هداية ونورًا للعالمين، وأنَّه حجَّة في الاستدلال والعمل، وأنَّه حوى بين جمله وآياته وسوره كلَّ شيء، وأنَّه صالح لكلِّ زمان ومكان، وقد تحدَّى الله تعالى به الإنس والجنَّ على أن يُعارضوه أو يأتوا بمثله كلِّه أو بعضه؛ فعجزوا واستسلموا ولم يقدروا، وأنَّ التَّحدِّي به لم ينقطع زمنه؛ فليس لأهل الجاهليَّة الأولى وحدهم، بل يُخاطب بلسان التَّحدِّي كلَّ أهل جاهليَّة في كلِّ زمان ومكان؛ فإنَّه يحمل في سوره وآياته وجمله وكلماته ما يهزم كلَّ حاقد يرفع راية الطَّعن ويقبل التَّحدِّي، ولو أنَّ كتابًا أو دينًا تلقَّى من سهام المغرضين ورماح ألسنتهم وسيوف طعونهم ما تلقَّاه القرآن الكريم والإسلام العظيم لما بقي من أتباعه أحد، ولتلاشى واندثر ودُرست معالمه وزالت أصوله من زمن عتيق ضارب في جذور أعماق التَّاريخ، ودليل بقائه أعظم أدلَّة صدقه وإعجازه.

لا تناقض في القرآن الكريم

ونؤمن بأنَّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فلا تعارض فيه على الحقيقة، ولو ظهر ما يوهم التَّناقض مع آية زال بنور العلم أو بسلطان الإيمان، ولا خطأ فيه من أيِّ وجه من الوجوه، فهو في العربيَّة متربِّع على عرش الفصاحة والبيان، عجز الأقحاح أساطين الفصاحة أن يُجاروه في بلاغته فعجزوا ولم يعترضوا عليه من ناحية عربيَّته وفصاحته، فلا يُقبل بعد تسليمهم طعنُ المحدَثين من المستشرقين والمستغربين وأذيالهم ممَّن لا يُحسن العربيَّة ولا يفقهها، وهو في الإعجاز العدديِّ والبيانيِّ والعلميِّ والتَّشريعيِّ والاجتماعيِّ والعلاجيِّ لا يُطعن فيه ولو من خصومه المنصفين، فقد ظهرت آثار صدقه بما يتحقَّق من موافقة المستجدَّات لآياته مع بعد ما بين الإنزال والتَّنزيل.

القرآن الكريم محفوظ

ونؤمن بأنَّه محفوظ من التَّبديل والتَّغيير والتَّحريف بحفظ الله تعالى له عن طريق الحفَّاظ من أهله وخاصَّته، وأنَّ حفظه لا يقف عند حدود الكلمات، بل يتخطَّاه إلى المعاني والمدلولات، وقد سخَّر الله تعالى لكتابه العظيم مَن يقوم على خدمته من كلَّ جانب من جوانب الحفظ والرِّعاية والصِّيانة، بداية من جمعه في مصحف واحد، وكتابته بطريقة معلومة، وتيسير طباعته ونشره، وتكثير القرَّاء والحفَّاظ ونقلهم القرآن الكريم بالسَّند المباشر المتَّصل إلى النَّبيِّ ﷺ، مع تسخير جلَّة من خِيرة أهل العلم لتعليمه وتفسيره وتوضيح فقهه، وإعرابه وتبيين المراد منه.

تضمَّن القرآن الكريم دليل صدقه

ونؤمن بأنَّ في آياته الشَّفاء والبركة والرَّحمة والعزُّ للمؤمنين، ونقيض ذلك للكافرين، وأنَّه يحمل في كلماته ونظمه دليل إعجازه وأمارة تصديقه، فهو فوق طاقة البشر نظمًا وإحكامًا، وتفصيلًا وتأصيلًا؛ فقد احتوى على الغيب السَّابق في الماضي من أحداث التَّاريخ، وعلى الغيب الحالي من أخبار الواقع الذي شاهد التَّنزيل، وعلى الغيب المستقبليِّ من أخبار الغد التي وقعت على نحو ما أخبر به القرآن الكريم بعد سنوات من تنزيله، وعلى إثر هذه المصداقيَّة آمن كثير من النَّاس.

مقاصد قصص القرآن الكريم

ونؤمن بأنَّ قصص القرآن الكريم ليست للتَّسلية بل للتَّربية، فقد اشتمل القرآن الكريم على قدر صالح من القصص التي عالجت مواقف السَّابقين ببيان أخبارهم ومشاهد تكذيبهم وما جرى بين وبين أنبيائهم ممَّا يحمل رسالة وموعظة لمن خوطبوا بالقرآن الكريم من أهل مكَّة ومَن وراءهم إلى قيام السَّاعة، فليست عبثيَّة الورود، بل هي لحكم إلهيَّة عظيمة؛ فالحكيم لا يخلو قوله من حكمة، ومن حكم القصص تثبيت قلب النَّبيِّ ﷺ ببيان ما حصل للأنبياء السَّابقين من أقوامهم، وإثبات صدق النَّبيِّ ﷺ بإخباره عن السَّابقين بما وقع منهم على وجه الحقِّ ولم يكن معهم، وتقوية إيمان المؤمن بتصديقه وإقراره بصحَّة دينه، والتَّنوُّع في أساليب القرآن الكريم بين آيات العقيدة والعبادة والأخلاق والقصص دفعًا للملل، وتحفيزًا للنَّفس على مواصلة التَّلقِّي.

حال البشريَّة قبل القرآن الكريم

لقد كانت البشريَّة قبل القرآن الكريم تائهة تتخبَّط في ظلمات الجهل والكفر والحفلة والضَّلالة فأنزل الله تعالى كتابًا بواسطة أشرف ملك، على أفضل رسله وصفوة خلقه، وضمَّنه ما تسعد به النَّفس البشريَّة، ففيه الأخبار والقصص والمواعظ والآداب والأخلاق والقيم، والعقائد عرضًا ونقدًا، والعبادات والتَّشريعات بيانًا وذكرًا، وما ترك الله شيئًا ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه إلَّا بيَّنه فيه وذكره، فتفاوت النَّاس في قبوله بين مؤمن وكافر؛ فرفع الله به قومًا وخفض به آخرين.

مثال يُظهر أهمِّيَّة القرآن الكريم

أرأيتم لو أنَّ محبًّا صادق المحبَّة، موفور العلم، واسع الاطِّلاع، محيطًا بالصَّالح والفاسد من الأمور، له حنكة وحكمة في معالجة المواقف، خبيرًا بما يُصلح على وجه الإصلاح، وبما يُفسد على وجه لا يقع معه فساد، ثمَّ أرسل رسالة لمن يُحبَّهم يُضمِّنها ما ينفعهم ويرفعهم ليعملوا به، وما يضرُّهم ويخفضهم ليكفُّوا عنه، والمخاطبون بالرِّسالة في أشدِّ الحاجة إليها كغريق أيقن بالغرق في وسط بحر محيط خضم في وسط ظلمات متعاقبة لا يستطيع معها رؤية الأشياء على وجهها، فهل ترون عقلاءهم يزهدون في الرِّسالة أو يُهملون الأخذ بها؟! وما رأيكم فيمن فعل ذلك منهم؟!.

تفسير المثال

هذا مثل يُبرز أهمِّيَّة القرآن الكريم في حياة الإنسان الذي يتخبَّط ويترنَّح بين الفتن والمستجدَّات، ولا سبيل له إلى النَّجاة من أمواجها التي تلاطمت وأحداثها التي تفاقمت إلَّا أن يستجيب لرسالة السَّلامة وخريطة النَّجاة، فمن فتحها، وقراها، وفهم مضامينها، وعمل بإرشاداتها التَّوجيهيَّة الآمرة، والتَّحذيريَّة النَّاهية؛ فقد فاز، ونجا على الحقيقة لا المجاز، ومن لا فلا ولو كان وجيه قومه، وفريد دهره، ووحيد عصره؛ فمن بطَّأ به عمله لم يُسرع به نسبه.

حاجتنا إلى القرآن الكريم

وإنَّني لا أجد مثالًا يُعبِّر عن حاجتنا للقرآن الكريم كالذي ذكرته من حال الغريق الذي أيقن بالهلاك والغرق وإذ به يجد حبلًا متينًا قد مُدَّ له من جهة العلوِّ وسمع صوتين من داخل نفسه أحدهما يُناديه أن أمسك الحبل لتنجو، والآخر يُحذِّره من الإمساك به، فبرأيكم كيف يتصرَّف العاقل الرَّزين في هذا الموقف؟ هل يترك الحبل مستجيبًا للصَّوت النَّاهي؟ أم يمسك بالحبل مسارعًا في الاستجابة للصَّوت الآمر؟ فجوابكم يا سلوة الفؤاد هو عين توجيهي لكم، فلا تتردَّدوا في التَّمسُّك بالقرآن الكريم ففيه شفاء، ووقاء، ونجاء، وارتقاء، ولا تزهدوا فيه لئلَّا يُزهد فيكم، فإنَّ قومًا هجروه فهُجروا، ونسوه فنُسوا.

اصطفاء أهل القرآن الكريم

ألا اعلموا يا أمل المستقبل أنَّ الإقبال على القرآن الكريم اصطفاء واجتباء يقع من الله تعالى لعبده الذي علم منه حبًّا وصدقًا وإقبالًا؛ فأصلحوا سرائركم، وهذِّبوا بواطنكم، واطلبوا من الله تعالى بصدق وإخلاص أن يجعلكم من أهله وخاصَّته بتتويجكم بتاج القرآن الكريم قراءة وحفظًا وفهمًا وتطبيقًا وعملًا؛ قال الله تعالى: {ثُمَّ ‌أَوۡرَثۡنَا ‌ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ} [فاطر: 32] وقال النَّبيُّ : «إنَّ لله أهلين من النَّاس: أهل القرآن، هم أهل الله وخاصَّته» [1]

شروط الانتفاع بالقرآن الكريم

لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم ليكون نبراسًا للسَّائرين، وحجَّة للعاملين، وهداية للعالَمين، ونورًا وهاديًا للطَّالبين، وأنسًا للعابدين، ولذَّة للعارفين، ودليلًا للعالِمين، فمن قصده بصدق وإخلاص انتفع بجانب من جوانب الانتفاع به، والمحروم حقًّا من توقَّف نفعه عند حدِّ الكلمات والحروف، فاغترفوا من منابعه الصَّافية، وموارده الكافية، ومشاربه الشَّافية، ولا يكن حظُّ العامَّة منه أكبر منكم، فقد نشأتم في بيت قرآن قبل مولدكم وإلى يوم النَّاس، فانتفعوا بنعمة النَّشأة القرآنيَّة لأبوين يقرآن القرآن الكريم ويعلمانه ويُعلِّمانه.


(1) حسن: رواه النَّسائيُّ في سننه، كتاب: (فضائل القرآن) باب: (أهل القرآن) برقم: (7977) وابن ماجه في سننه، باب: (من تعلَّم القرآن وعلَّمه) برقم: (215) والدَّارميُّ في مقدِّمة السُّنن، باب: (فضل من قرأ القرآن) برقم: (3369) وإسناده ضعيف؛ فيه الحسن بن أبي جعفر، ذكره ابن حجر فيمن ضعِّف حديثه مع عبادته وفضله، وضعَّفه الذَّهبيُّ، لكنَّه توبع من غيره. وأحمد في مسنده، مسند: (أنس بن مالك) برقم: (12292) والبيهقيُّ في مقدِّمة الشُّعب، باب: (تعظيم القرآن) فصل: (في تنوير موضع القرآن) برقم: (2434) وسنده حسن؛ فيه عبدالرَّحمن بن بديل العقيليُّ وثَّقه الذَّهبيُّ ، وقال ابن حجر : لا بأس به.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله