الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أسباب الهجرة بين الدُّول

والنَّاظر إلى أسباب الهجرة اليوم يرى تعدُّد الأسباب التي تحمل المرء على الهجرة من بلده إلى بلد، وهذه الأسباب تختلف باختلاف وجهة نظر الأفراد، ويمكن ذكر جملة من هذه الأسباب:

1 - سعة أسواق العمل وازدهار الاقتصاد في البلاد الغنيَّة، ممَّا يجعل الخيارات الأفضل للباحث عن عمل أكثر من البلاد التي تعاني من الفقر والبطالة؛ فإنَّ المرء يسعى للحصول على الأمان الوظيفيِّ، والأمان الماليِّ الاقتصاديِّ؛ فلن يستطيع أن يُحقِّق إنجازًا حياتيًّا ما لم يكن معه من المال ما يكفي لذلك؛ فقد طغت المادِّيَّات على حياة النَّاس اليوم أكثر من أيِّ وقت مضى، وبالنَّظر لأسواق العمل المحلِّيَّة نرى تكدُّسًا وازدحامًا في الأعمال والوظائف تبعًا للتَّكدُّس السُّكانيِّ، فلا يجد المتخرِّج أمامه منفذًا يمكنه أن يصل إليه ممَّا يُحقِّق طموحاته ويُرضي رغبته من العمل في مجال تخصُّصه، بينما يُقارن بين حاله وحال غيره من أبناء جيله وتخصُّصه قد هاجر وتحسَّنت أحواله من خلال الدَّخل المرتفع الذي يظهر عليه في كلِّ إجازة موسميَّة يراه فيها، فتهفو النَّفس إلى الهجرة تحت أيِّ مسمًّى، ومع صعوبة الإجراءات الرَّسميَّة يجنح الشَّباب إلى الخيار الأيسر ولو كان مخالفًا للأعراف والقوانين الدَّوليَّة، فيسعى للهجرة غير الشَّرعيَّة!.

2 - صعوبة الشُّروط وتعقيد الإجراءات التي تستلزمها طلبات الهجرة، والتي يصعب على البعض القيام بها، ممَّا يُضطرُّ معه البعض إلى اللُّجوء إلى الطُّرق الملتوية؛ لأنَّ الهجرة حلم يسعى البعض لتحقيقه بأيِّ وسيلة؛ والغايات تبرِّر الوسائل عندهم، والمتابع لشروط الهجرة والإقامة في الدُّول يراها تُضيِّق دائرة الهجرة إليها حتى لا يدخل إليها إلَّا السَّائح للاستفادة من وجوده في تنمية الاقتصاد عبر بوابة السِّياحة الدَّاخليَّة، أو العامل في مجال خدميٍّ يعود على الدَّولة بالانتفاع أيضًا؛ فالهجرة مصالح متبادلة، المهمُّ أن تكون الدَّولة مستفيدة من الأشخاص المقيمين على أرضها من النَّاحية الماليَّة أو النَّفعيَّة المعنويَّة؛ كالمعلِّمين الذين يصنعون عقول أبناء الوطن، فتسعى الدَّولة من خلال مؤسَّساتها إلى استقطاب الأكفاء من كافَّة الجنسيَّات لتصنع مجدها عن طريقهم، مع منحهم راتبًا لا يتناسب مع حجم ما يُقدِّمونه من واقع ميدانيٍّ، ومن خلال موازنات الدَّولة الماليَّة التي تُمنح للمواطنين، لكنَّ المهاجر لا يجد بعض هذا الرَّاتب في بلده فيرضى به وهو في غاية السَّعادة، فتضع الدُّول حزمة من القرارات والإجراءات يصعب الوفاء بها إلَّا على شريحة محدَّدة، فيسعى الشَّباب لتحقيق حلمهم في الهجرة عن طريق الهجرة غير الشَّرعيَّة!.

3 - الانفجار السُّكانيُّ وما ينتج عنه من نقص الخدمات، والازدحام، وعدم توفُّر المعالم الأولى للحياة الإنسانيَّة على أرض الوطن، مع ضعف الحكومات وقلَّة خبرتهم في تسيير أمور الدَّولة بما فيها من موارد وثروات كثيرة لا تُحسِن كثير من الحكومات في الدُّول استثمارها لتعود على الوطن والمواطنين بالانتفاع والتَّقدُّم والاستقرار المعيشيِّ، فإنَّ المشكلة الأضخم في عالم سياسات الدُّول = سوء الإدارة، وليست قلَّة الموارد؛ فالنَّاجحون يصنعون طقوسهم بأيديهم، ودور القائد لا ينحصر في القرارات والأوامر، بل يتعدَّاه إلى الإبداع في توجيه الطَّاقات، وإنشاء المشاريع الحيويَّة التي تخدم الشَّعب، وتعود على أفراده بالنَّفع والاستفادة، من خلال توجيه نمو السُّكان التَّوجيه الأمثل بإشراك المواطن في صناعة الحضارة، ودفع عجلة التَّنمية من خلال إعداد ثقافة الأمانة والمسئوليَّة والعطاء والتَّفاني في إنجاح منظومة العمل، مع شعوره بعود هذا على حياته في صورة خدمات لوجستيَّة واقعيَّة تُسهم بدور كبير في التَّرقِّي بمستوى المواطن، حينها لن يسعى إلى الهجرة التي يضطرُّ فيها لهجر الوطن، والأهل، والأصحاب، والعمل على إنجاح دولة لا يشعر فيها بالوطن، ولا بروح الانتماء، ويكون الغير هو المستفيد من تلك الجهود؛ فيتقدَّم ونتأخَّر!.

4 - الصِّراعات والحروب الأهليَّة التي تحصل بين الفئات والفصائل والعائلات والقبائل المتناحرة المقاتلة وما ينتج عنها من فرار الأفراد والعائلات من آثار هذه النِّزاعات التي يمكن أن تصل في بعض المواقف إلى وقوع القتلى من الجانبين والدُّخول في متاهات الثَّأر للنَّفس والعائلة عن طريق الانتقام من القتلة ممَّا يفتح بابًا من أبواب التَّشتُّت المجتمعيِّ يضطرُّ معه النَّاس إلى النُّزوح والهجرة إلى بلاد أخرى بطريقة غير شرعيَّة لتورُّطهم في قضايا قتل أو إثارة شغب؛ فيسلكون الطُّرق المتوية هربًا من الوقوع في قبضة رجال الأمن، ومثل هذا ما نتج من حروب دارت رحاها بين الجيوش الوطنيَّة وشعوبها ممَّا لم يترك خيارًا للمواطنين إلَّا الهجرة غير الشَّرعيَّة؛ لأنَّهم إذا سلكوا الطُّرق الشَّرعيَّة فليس معهم من المال ما يكفي للوفاء بالمتطلَّبات والإجراءات اللَّازمة، مع هلاكهم المتحقِّق إذا حاولوا ذلك؛ لأنَّ الدَّولة قلَت مواطنيها وتربَّصت بهم، فهم بين هلاك متحقِّق إذا سلكوا طريق الهجرة الشَّرعيَّة، وهلاك شبه متحقِّق أو متوهِّم إذا سلكوا طريق الهجرة غير الشَّرعيَّة، فيؤثِّرون الأخير وتتدفَّق موجات اللَّاجئين من الدًّول المشرَّدة إلى الدُّول المستقرَّة عن طريق نزوح كثير من الأفراد والجماعات لا تملك وثائق ولا أوراقًا ثبوتيَّة عبر البحر أو البرِّ.

5 - تدنِّي مستويات المعيشة وشيوع الفقر والحاجة، وهذا أكثر الأسباب التي لأجلها يسعى الشِّيبة قبل الشَّباب إلى الهجرة = قلَّة ذات اليد، وشيوع البطالة، وغلاء الأسعار، وكثرة التَّكاليف، واتِّساع المسئوليَّة، وضعف الحافز والدَّافع على الاستثمار والتَّكسُّب، بسبب صرامة القوانين، أو عدم مراعاتها للطَّبقة الكادحة، ممَّا جعل كثيرًا من النَّاس يسعى للهجرة، وشيوع نظام الطَّبقيَّة في المجتمعات أسفر عن مجتمع مُعوجٍّ لا يرحم ضعيفًا، ولا يرعى فقيرًا، ولا يُعين محتاجًا، ولا يكرِّم أيتامًا، ولا يعُول الأرامل؛ فحصل تمزُّق مجتمعيٌّ كثرت على إثره جرائم القتل، والسَّرقة، والاغتصاب، والمتاجرة في الممنوع شرعًا وعرفًا وقانونًا، والرِّشوة، وأكل الأموال بالظُّلم، ومن جملة ما حصل أن اختار البعض الهجرة بطريقة غير شرعيَّة للهروب من واقع الدَّولة الأليم، ولو إلى واقع مأساويٍّ مرير عن طريق ركوب البحر، أو المغامرة في السِّكك الملتوية؛ أملًا أن يحصل لهم الغنى أو الكفاف والاستقرار الماليِّ في بلاد الاغتراب.

وهنا نقول: إذا شعر المرء بضيق الأرض عليه في دينه أو دنياه فباب الهجرة والانتقال مفتوح أمامه؛ فالأرض لله تعالى، والانتقال والتِّرحال في البلاد يُكسب المرء من الخبرات والمعارف والمال ما يمكِّنه من إقامة حياة مستقرَّة نسبيًّا عن غيره ممَّن لم يخض ذات التَّجربة، لكن بشرط أن تكون الهجرة من خلال الوسائل المشروعة التي تُنظِّم هذا الموضوع.

حقوق الدول في بسط سيادتها على أراضيها

إنَّ لكلِّ دولة من دول العالم سلطانها وسيادتها على أرضها التي تكون معلومة الحدود، ولها قانونها الذي يسيِّر أمور رعاياها في الدَّاخل والخارج، ولا تسمح القوانين الدَّوليَّة لأحد أن يدخل إلى دولة عبر حدودها التي تحدُّها من جميع الجوانب إلَّا بطريقة معيَّنة يتمُّ بمقتضاها السَّماح بالدُّخول عبر المنافذ الحدوديَّة، سواء عن طريق البرِّ أو البحر أو الجوِّ، ولا سبيل لدخول الدَّولة إلَّا من خلال استيفاء بعض المتطلَّبات التي تحدُّدها كلُّ دولة؛ كتأشيرة الدُّخول، ووثيقة السَّفر التي تحمل بيانات المسافر معتمدة من دولته المعلومة المصدر، والتي لها سيادة دوليَّة معترف بها، وكذلك أن يكون الانتقال عبر وسيلة مشروعة قانونيَّة، وبعض الدُّول يشترط سنًّا معيَّنة، أو مهنة معيَّنة، أو شروطًا معيَّنة يلزم الوفاء بها قبل الإقدام على السَّفر إليها، فإذا اختلَّ أيُّ شرط من الشُّروط التي أقرَّتها الدَّولة كشروط لمنح تأشيرة دخولها، أو الإقامة فيها، أو الدُّخول إليها سواء للمرور أو الإقامة، فإنَّ الدَّولة تمنع من دخولها، بل وتتعامل بقسوة مع كلِّ من تُسوِّل له نفسه أن يتجرَّأ على سيادتها بدخول أراضيها بطريقة غير شرعيَّة في محاولة لكسر شوكة الدَّولة، والتعدِّي على أراضيها من خلال التَّزوير والتَّدليس في المستندات الرَّسميَّة، أو الدُّخول المشبوه؛ كأن يدخل عبر المنافذ الحدوديَّة البحريَّة من غير إذن الدُّخول، وقد يتعرَّض كثير من المسافرين بطرق غير شرعيَّة إلى الموت المحقَّق.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله