الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

مقتل رأس الكفر أميَّة بن خلف يوم بدر:

وفي هذه المعركة تحقَّق ما أخبر به النَّبيُّ ﷺ من قتل رأس الكفر أميَّة بن خلف؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال سعد بن معاذ لأميَّة بن خلف: "دعنا عنك فإنِّي سمعت محمَّدًا يزعم أنَّه قاتلك" قال: "إيَّاي" قال: "نعم" قال: "والله ما يكذب محمَّد إذا حدث" فرجع إلى امرأته فقال: "أما تعلمين ما قال لي ‌أخي ‌اليثربيُّ؟" قالت: "وما قال" قال: "زعم أنَّه سمع محمَّدًا يزعم أنَّه قاتلي" قالت: "فوالله ما يكذب محمَّد" فلمَّا خرجوا إلى بدر وجاء الصَّريخ قالت له امرأته: "أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربيُّ" فأراد أن لا يخرج فقال له أبو جهل: "إنَّك من أشراف الوادي فسر يومًا أو يومين" فسار معهم، فقتله الله" [1]

لقد حرص أميَّة بن خلف ألَّا يخرج خارج حدود مكَّة لئلَّا يتحقَّق ما بلغه من أنَّ النَّبيَّ ﷺ سيقتله، ولا يغني حذر شديد من قدر أكيد، وقد تهيَّأت الأقدار ليُساق سوقًا إلى حتفه ومصرعه؛ فمع محاولاته عدم الخروج وإعلانه التَّخلُّف والقعود عن شهود بدر لكنَّه لم يجد بُدًّا من الخروج بعد تحفيز أبي جهل له، وزاده إصرارًا ما وقع من تهكُّم عُقبة بن معيط وتشبيهه بالنِّساء؛ قال ابن إسحاق رحمه الله: "وحدَّثني عبد الله بن أبي نجيح أنَّ أميَّة بن خلف كان أجمع القعود، وكان شيخًا جليلًا جسيمًا ثقيلًا، فأتاه عُقبة بن أبي مُعيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه، ثمَّ قال: "يا أبا عليٍّ، استجمر، فإنَّما أنت من النِّساء" قال: "قبَّحك الله وقبَّح ما جئت به" ثمَّ تجهَّز فخرج مع النَّاس" [2]

وكان في خروجه تحقيق ما أخبر عنه النَّبيُّ ﷺ حيث قتله بلال بن رباح رضي الله عنه حين رآه؛ فعن عبدالرَّحمن بن عوف رضي الله عنه قال: «كاتبت أميَّة بن خلف كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي بمكَّة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلمَّا ذكرت الرَّحمن قال: "لا أعرف الرَّحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهليَّة" فكاتبته: عبد عمرو، فلمَّا كان في يوم بدر خرجت إلى جبل لأُحرِزه حين نام النَّاس، فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار فقال: "أميَّة ابن خلف، ‌لا ‌نجوت ‌إن ‌نجا أميَّة" فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلمَّا خشيت أن يلحقونا، خلَّفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه، ثمَّ أبوا حتى يتبعونا، وكان رجلًا ثقيلًا، فلمَّا أدركونا، قلتُ له: ابرك فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتخلَّلوه بالسُّيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه" [3]

مقتل رأس الكفر أبي جهل يوم بدر:

لقد كان أبو جهل ذا وجاهة في قومه؛ فهو من سادات مكَّة وأشرافها، وكانت له الكلمة التي اجتمع عليها العرب فخرجوا إلى بدر للقتال، ولمكانته بينهم اجتمعوا عليه يحمونه حين حمي وطيس المعركة؛ فكانوا يلتفون عليه كالشَّجرة التي لا يُوصل إليها من كثرة ما أُحيط بها من أغصان تحميها وتذود عنها؛ قال ابن إسحاق رحمه الله: "وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "قال: معاذ ابن عمرو بن الجموح - أخو بني سلمة - رضي الله عنه: "سمعت القوم وأبو جهل في مثل ‌الحَرَجة - الشَّجر الملتفُّ - وهم يقولون: "أبو الحكم لا يُخلَص إليه" فلمَّا سمعتها جعلته من شأني، فصمدتُّ نحوه، فلمَّا أمكنني حملتُ عليه، فضربته ضربة أطنَّت قدمه بنصف ساقه، فو الله ما شبهتها حين طاحت إلَّا بالنَّواة تطيح من تحت مِرضَخة النَّوى حين يُضرب بها"... ثمَّ مرَّ بأبي جهل وهو عقير معوِّذ ابن عفراء رضي الله عنه فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رمق، وقاتل معوِّذ حتى قُتل، فمرَّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بأبي جهل فوجدتُّه بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه، وقد كان ضبث - قبض - بي مرَّة بمكَّة، فآذاني ولكزني، فقلت له: "هل أخزاك الله يا عدوَّ الله؟" قال: "وبماذا أخزاني، أعمد من رجل قتلتموه - كلمة اعتزاز بنفسه واحتقار لهم - أخبرني لمن الدَّائرة اليوم؟" قلت: "لله ولرسوله" قال لي: "لقد ارتقيت مرتقًى صعبًا يا رويعيَّ الغنم" ثمَّ احتززت رأسه ثمَّ جئت به رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدوِّ الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله ﷺ: آلله الذي لا إله غيره - وكانت يمين رسول الله - قلت: نعم، والله الذي لا إله غيره، ثمَّ ألقيت رأسه بين يدي رسول الله ﷺ فحمد الله" [4]

ويظهر من خلال هذه الرِّواية تكبُّر أبي جهل وهو في ساعة النَّزع؛ والعادات غالبة على أصحابها، فقد عاش الرُّجل متكبِّرًا على الحقِّ متعاليًا على أهله طوال حياته، فخُتم له بما كان منه على مدار حياته، ووقع له في نهايتها الإذلال والكسر على يد المستضعفين المخرجين من ديارهم، بل وشاركت في قتله ثلاثة أياد طاهرة جميعها يُمعن في إذلاله؛ فمعاذ بن عمرو ومعوِّذ ابن عفراء رضي الله عنهما لم يتجاوزا السَّادسة عشرة من عمرهما المبارك [5]، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه هو من لا يخفى ضعفه الجسديُّ مع علوِّ كعبه في الإيمان، وقد ارتقى بقدمه فوق رأسه إمعانًا في إذلاله على يد من لكزه وعذَّبه وأذاه، فبين نهاية أبي جهل وأميَّة بن خلف صورة مشتركة؛ فليعتبر كلُّ متكبِّر فإنَّ فصلًا من فصول نهايته قد يقع على يد من ظلمهم وبغى عليهم.

النِّداء في القتلى بعد المعركة:

وبعد انتهاء المعركة أمر النَّبيُّ ﷺ بإلقاء جثث المشركين في قليب بدر ليُتخلَّص من جثثهم العفنة، ووقف عليهم وناداهم بما يُشعر بعزَّة المنتصر؛ فعن أبي طلحة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من ‌صناديد قريش فقُذفوا في طويٍّ من أطواء بدر خبيث مُخبِث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلمَّا كان ببدر اليوم الثَّالث أمر براحلته فشُدَّ عليها رحلها، ثمَّ مشى واتَّبعه أصحابه رضي الله عنهم وقالوا: ما نرى ينطلق إلَّا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الرَّكيِّ، فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرُّكم أنَّكم أطعتم الله ورسوله، فإنَّا قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقًّا، فهل وجدتُّم ما وعد ربُّكم حقًّا» قال: فقال عمر رضي الله عنه: "يا رسول الله، ما تكلِّم من أجساد لا أرواح لها؟" فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمَّد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقيمة وحسرة وندمًا" [6]


(1) صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المناقب) باب: (علامات النُّبوة في الإسلام) برقم: (3632).

(2) سيرة ابن هشام، (1/610).

(3) صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الوكالة) باب: (إذا وكَّل المسلم حربيًّا في دار الحرب) برقم: (2303).

(4) سيرة ابن هشام، (1/636).

(5) وفي الحديث عن عبدالرَّحمن بن عوف رضي الله عنه قال: "بينا أنا واقف في الصَّفِّ يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تـمنَّيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: "يا عمِّ هل تعرف أبا جهل؟" قلت: "نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟" قال: "أخبرت أنَّه يسبُّ رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يُفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منَّا" فتعجَّبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في النَّاس، قلت: "ألا إنَّ هذا صاحبكما الذي سألتُماني" فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثمَّ انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: «أيُّكما قتله؟» قال كلُّ واحد منهما: "أنا قتلته" فقال: «هل مسحتما سيفيكما» قالا: "لا" فنظر في السَّيفين، فقال ﷺ: «كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح» وكانا معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح" صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (فرض الخمس) باب: (من لم يُخمِّس الأسلاب) برقم: (3141).

(6) صحيح: أخرجه الإمام البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المغازي) باب: (قتل أبي جهل) برقم: (3976).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله