لا تتعصَّب ولا تتجمَّد
اعلم - علَّمني الله وإيَّاك - أنَّ الجمال ينادي على نفسه، والقبح لا يحتاج إلى جهد في معرفته، والحقَّ لا يحتاج إلى تبرير، والباطل لا تجمِّله المعاذير، والوصيَّة الصَّالحة والموعظة النَّاصحة يقول بها العقلاء من أيِّ مذهب، وليست حكرًا على طائفة وحدها، ولم يُحرم منها بقيَّة الطَّوائف، الإشكال أنَّ أكثر من تُسلَّط عليهم الأضواء في الطَّوائف بعيدون عن السُّلوك والوعظ، وغيرهم لهم حظٌّ كبير من السُّلوك والوعظ واعتماد الجدولة السُّلوكيَّة، لكنَّ الأضواء تركِّز على جانب العلم فيهم دون السُّلوك، وهذا الكلام الذي قاله صاحبك لا يسلم به إطلاقا، ولا يُرفض إطلاقا، منه صواب، ومنه صواب يراد به ما في بطن الشاعر.
وسأختصر عليك الطَّريق اختصارًا تعجب له، وأقول لك عن يقين وقناعة: "ليس كلُّ ما عندك حقٌّ محض، وليس كلُّ ما عند غيرك باطل محض، والعاقل من حرص على الخير الذي عند غيره ولم يتعالى عليه، والمسلك الأقوم هو مسلك النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من خلال تتبُّع سنته في إصلاح النفس وتقويم السلوك، لنجد فيها غُنية غَنية تكفي لإصلاح المسلم، من الجمع بين العلم والتَّربية، والتَّنظير والمعاينة، وتتجاوز مجرَّد النَّقل إلى ما وراءه من العمل، وقد أمسيت في مسيرتي غير مقوقع في فكر أو مذهب أو جماعة أو انتماء سوى الإسلام، وإنَّما أمحِّض النَّقل، وأمحِّص العلم، وأختار ما أميل به عن الباطل إلى الحقِّ فيما أعتقد وأحسب والله الهادي إلى سواء السَّبيل.
ثمَّ اعلم - وفَّقني الله وإيَّاك - أنَّ الحدَّة بين المتخالفين تصنعها عوامل كثيرة على رأسها:
1 - العصبيَّة المذهبيَّة أو المشربيَّة أو الشَّخصيَّة، فمن بُلي بشيء منها لم يستطع أن يلين في غالب وقته؛ لأنَّه منقاد لهوى نفسه تابع لها.
2 - تسليط الأضواء وتركيز العيون على هؤلاء تجبرهم على إظهار التمايز والاختلاف لئلَّا يُفتن الجماهير بالآخر فيُتبع، فيُظهران حدَّة في الخلاف بتناول الآخر بما ينتقص منه.
3 - الرأسيَّة في المذهب والطَّريقة تحمل المرء على العجب والغرور أو تحمُّل المسئوليَّة من منطلق نفسيٍّ أو إيمانيٍّ فيسعى لفضح المخالف بقوَّة وهمَّة فتظهر الحدَّة.
4 - النُّصوص والنُّقول القديمة التي توظَّف في الواقع المعاصر توظيفًا عامًّا، في حين أنَّها لم تكن إلَّا في حقِّ رؤوس البدع الذين يُرجى إصلاحهم أو انحسار أتباعهم بالهجر والصَّدِّ والرَّدِّ.
أمَّا في الزَّمان الحالي فالمبتدعة عالة على غيرهم في تقرير عمدة ما يذهبون إليه، فهم أجهل من أن يكونوا رأسًا في بدعة، لكنَّهم أتباع مقلِّدون أخفُّ من أن يُوزنوا؛ فالإشفاق عليهم، وحسن معاملتهم، أولى من التَّصادم معهم، ولا تحصر العلم في أفراد، ولا تحصر النفع في معيَّن، ولا تتوقَّف إذا توقَّفت الجهود، ولكن ابذل أنت المجهود في إصلاح نفسك ثمَّ من في رقبتك، ولا تعتمد أسلوب التَّقديس لأحد، بل انتفع بجميع من حمل العلم وجلس له وإن خالف رأيك، وإيَّاك من التَّقليد والمحاكاة والجمود في الطَّرح والعرض، ولم يسلم من الفرقة الدَّاخليَّة أحد، والسَّبب في التَّفرقة جهود العدوِّ النَّاجحة في التَّركيز على المختلف فيه دون المتَّفق عليه، وإيجاد الفوارق والمسافات بين أصحاب المذهب الواحد.