الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الأسباب الخارجيَّة للإفراط في الشَّهوات

لا تزال الشَّهوة الكامنة في النَّفس البشريَّة مستقرَّة هادئة لا تُحدِث للإنسان قلقًا ما لم يسع لاستثارتها وتأجيج نيرانها بما يفعله من بعض السُّلوكيَّات والإجراءات الَّتي تنشِّطها وتنعشها؛ والأسباب الَّتي تُسهم بدور كبير في زيادة ضرر الشَّهوة كثيرة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:

الأوَّل: الأسباب الدَّاخليَّة:

وهي المعينات على التَّعدِّي والتَّجاوز والإسراف والتَّوسُّع في الحرام واستثارة النَّّفس إلى تحطيم القيود الحاصلة من داخل الإنسان بإعانة النَّفس عليها، ودعوتها إليها؛ وقد سبق ذكرها في مقال سابق.

الثَّاني: أسباب خارجيَّة:

وهي الحاصلة نتيجة توافر عوامل خارجيَّة عن ذات الإنسان في بيئته تؤزُّه على فعل المعصية، وتزيِّن له الشَّهوة، وهذه الأسباب يمكن للمرء تجنُّبها إذا أراد أن يسلم من أذاها، ويتجنَّب ويلاتها، ومهما عظمت فصدق إرادة المرء في التَّخلُّص من آثار الفتنة، ونيران الإفراط في الشَّهوة يغلبها ويُعين عليها؛ ويُمكن ذكر تلك الأسباب الخارجيَّة في هذا المقال:

أوَّلًا: رُفقة السُّوء:

من خلال النَّظرة الميدانيَّة إلى واقع الشَّباب يظهر مدى تأثُّر بعضهم ببعض؛ فمن صلح تأثَّر في صلاحه، ومن فسد تأثَّر في فساده؛ لذا حثَّنا شرعنا الحنيف على مُصاحبة الأتقياء؛ قال تعالى: {ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] وهذا معنى قول النَّبيِّ ﷺ: «مثل الجليس الصَّالح والسُّوء، كحامل المسك ونافخ الكِير، فحامل المسك: إمَّا أن يُحذيك، وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجد منه ريحًا طيِّبة، ونافخ الكِير: إمَّا أن يحرِق ثيابك، وإمَّا أن تجد ريحًا خبيثة» [1] قال القاضي عياض [2]: "فيه تجنُّب خلطاء السُّوء ومجالسة الأشرار وأهل البدع والمغتابين للنَّاس؛ لأنَّ جميع هؤلاء ينفذ أثرهم إلى جليسهم، والحضُّ على مجالسة أهل الخير وتلقِّى العلم والأدب، وحسن الهدى والأخلاق الحميدة" [3] فالصَّاحب مؤثِّر على صاحبه إيجابًا وسلبًا؛ لذا كان من الضَّروريِّ أن يُحسن المرء اختيار صديقه؛ قال النَّبيُّ ﷺ: «لا تُصاحب إلَّا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلَّا تقيٌّ» [4] وكم من رجل فسدت حياته بسبب صديقه المقرَّب، وخليله المحبَّب، حيث أغراه بالحرام، ومسَّكه بزمام الآثام، وأشعل في قلبه نار الهيام، فهام على وجهه في الغرام، فتبدَّلت حياته من سعادة إلى تعاسة، ومن طاعة إلى معصية؛ حيث أدمن النَّظر المحرَّم، أو الفعل الشنيع المجرَّم، من أجل هذا كان المرء يُقاس برفيقه.

ثانيًا: الشَّيطان:

لقد أبرز الله تعالى عداوة الشَّيطان للإنسان في القرآن الكريم؛ لكي يحذر منه ومن أذاه؛ فقد أعلنها حربًا ضروسًا لا هوادة فيها؛ فقال تعالى: {إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ ‌أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا} [الكهف: 50] وقال تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ ‌حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ} [فاطر: 6] فقد أعلن الشَّيطان العداوة على آدم وذريته منذ اللَّحظة الأولى، وسلك في سبيل الإغواء والإضلال كلِّ سبيل؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الشَّيطان قعد لابن آدم بأطْرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تُسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك، فعصاه فأسلم، ثمَّ قعد له بطريق الهجرة، فقال: تُهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنَّما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطُّول، فعصاه فهاجر، ثمَّ قعد له بطريق الجهاد، فقال: تُجاهد فهو جُهد النَّفس والمال، فتُقاتل فتُقتل، فتُنكح المرأة، ويُقسَّم المال، فعصاه فجاهد» فقال رسول الله ﷺ: «فمن فعل ذلك كان حقًّا على الله عزَّ وجلَّ أن يُدخله الجنَّة، ومن قتل كان حقًّا على الله عزَّ وجلَّ أن يُدخله الجنَّة، وإن غرق كان حقًّا على الله أن يُدخله الجنَّة، أو وقصته دابَّته كان حقًّا على الله أن يُدخله الجنَّة» [5] "فما من طريق خيرٍ إلَّا والشَّيطان قاعد عليه يقطعه على السَّالك" [6] فالشَّيطان يسعى في غواية الإنسان في كلِّ وقت وحين، ويتَّبع في تحقيق هدفه كلَّ وسيلةٍ خبيثةٍ، من أجل هذا حثَّنا ديننا العظيم على عدم اتِّباع خطوات الشَّيطان، والَّتي منها تذكير الإنسان بالمعصية، وحثَّه على فعلها؛ قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ ‌خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ ‌خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ} [النور: 21] "والمعنى: ومن يتَّبع خطوات الشَّيطان يفعل الفحشاء والمنكر؛ لأنَّ الشَّيطان يأمر النَّاس بالفحشاء والمنكر" [7] فالشَّيطان حريص على غواية بني آدم، ولن تهدأ الحرب القائمة بينهما حتَّى تقوم السَّاعة؛ فقد سأل إبليس ربَّنا أن يُخلِّده ليقوم بإضلال البشر، فأعطاه الله ما طلب؛ قال: {قَالَ رَبِّ ‌فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ} [الحجر: 36: 38] من أجل هذا فإنَّ الشَّيطان يعمل على انحراف الإنسان عن جادَّة الطَّريق المستقيم، إمَّا بالإفراط في العبادات ليصل به إلى حدود البدعة، وإمَّا بالتَّفريط في الطَّاعة ليصل به إلى حدود المعصية؛ "وما أمر الله عزَّ وجلَّ بأمر إلَّا وللشَّيطان فيه نزغتان: إمَّا تقصير وتفريط، وإمَّا إفراط وغلو، فلا يُبالي بما ظفِر من العبد من الخطيئتين" [8]

ومن خطوات الشَّيطان أنَّه يتدرَّج مع الإنسان فيفتح له أبوابًا في الخير والهداية والاستقامة حتَّى يجذبه إليه ويوقعه في الفاحشة والمعصية؛ فالشَّيطان قد رضي ممَّا تحقرون من ذنوبكم، وهو يتدَّرج مع ابن آدم في سلم المعصية حتَّى يوقعه في العظائم، فهو يعمل ليلًا ونهارًا وبلا مقابل، سعيًا لإشعال نار الشَّهوة في قلب المسلم من خلال وساوسه وإغوائه ليصل به إلى حالة من الإفراط في الشَّهوات تذهب بصفاء الحياة، وتُكدِّر قلب المرء، وتُعكِّر صفو المجتمع؛ حيث تنتشر الرَّذيلة، وتندثر الفضيلة، ويعيش المجتمع في حالة من القلق والخوف، وتُغيِّم على سمائه سحابة المعصية فتمطر بالغضب، وتقطر بالعقاب؛ ومن مظاهر تأثير الشَّيطان على الإنسان بالإفراط في الشَّهوات ما يلي:

1 - الوساوس وقذف الحرام في قلوب النَّاس:

وهذه طريقة الشَّيطان في تكثير ضحاياه، فيأتيهم ليقذف في آذانهم، أو قلوبهم، أو خاطرهم ما يرغب فيه؛ قال تعالى: {مِن شَرِّ ‌ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ * ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} [النَّاس: 4، 5] فالشَّيطان يُرسل سمَّه وفساده إلى الإنسان عن طريق الوسوسة في العقل والقلب "والشَّيطان يلقب بـ: (‌الخنَّاس) لأنَّه يتَّصل بعقل الإنسان وعزمه من غير شعور منه فكأنَّه خنس فيه، وأهل المكر والكيد والتختُّل خنَّاسون لأنَّهم يتحينَّون غفلات النَّاس ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر النَّاس بهم" [9] وقد بيَّن الله تعالى أنَّ الشَّيطان يسعى للوسوسة في الصُّدور وهي محلُّ القلب إشارة إلى أنَّه يقصد أهمَّ جارحة في الإنسان ويعمل على توجيه الضَّلال إليها، ومن ثَمَّ يقوم القلب بعد الافتتان بتوجيه بقيَّة الأعضاء؛ فالبواطن هي محلُّ إلقاء الوساوس؛ حرصًا على التَّخفِّي لئلَّا يراه الإنسان؛ فتخفِّيه من أعظم أسلحته ومكامن قوَّته؛ فلو رآه النَّاس بأعينهم وهو يُوسوس لهم ما كان أحد منهم يقبل منه ما قبلوه منه مع خفائه؛ فلهذا كان مستترًا عن العيون؛ قال تعالى: {إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ ‌وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ} [الأعراف: 27]  وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ الشَّيطان ملازم للإنسان يجري منه مجرى الدَّم؛ فقال ﷺ: «إن الشَّيطان يجري من الإنسان ‌مجرى ‌الدَّم» [10] فموقعه هذا يجعله أقرب إلى الإنسان من نفسه، وأكثر تأثيرًا عليه، وألزم به من كثير ممَّن حوله؛ من هنا تأتي الغواية، ويقع الوسواس؛ لأنَّه يجري مع الدَّم، أو يُكثر من الوسوسة حتَّى كأنَّه يجري مع الدَّم؛ فالاختلاف حاصل في إجراء هذه الجملة على الظَّاهر والحقيقة أو المجاز؛ "قيل: هو على ظاهره، وأنَّ الله تعالى جعل له قوَّة وقدرة على الجري في باطن الإنسان مجاري دمه. وقيل: هو على الاستعارة لكثرة إغوائه ووسوسته فكأنَّه لايُفارق الإنسان كما لايُفارقه دمه. وقيل: يُلقي وسوسته في مسامٍّ لطيفة من البدن فتصل الوسوسة إلى القلب" [11]

ولقوَّة الشَّيطان في إغواء الإنسان وديمومة محاولاته الَّتي لا تنقطع، وصبره الَّذي لا حدَّ له، وعدم تمكُّن اليأس منه؛ فقد نال من كثير من النَّاس بما كان يطمح إليه منهم؛ ولذلك فإنَّه يحضر الإنسان في كلِّ مشهد من مشاهد الحياة؛ أملًا في الظفر منه بما يريد؛ قال تعالى: {يَعِدُهُمۡ وَيُمنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إلَّا غُرُورًا} [النِّساء: 120] وقال سبحانه: {قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إلَّا قَلِيلٗا} [الإسراء: 62] وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ ‌الشَّيطان ‌يحضر أحدكم عند كلِّ شيء من شأنه» [12] وما زال يُحاول مع العبد حتَّى يُسلِّمه لملك الموت؛ فلا يترك وسوسته وغوايته لبني آدم إلى أن يصل به إلى القبر؛ قال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ الشَّيطان قال: وعزَّتك يا ربَّ لا أبرح أُغوي عبادك ما دامت ‌أرواحُهم ‌في ‌أجسادهم، قال الرَّبُّ: وعزَّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» [13] ولعظيم فتنته ووسوسته في كلِّ وقت استعاذ منه النَّبيُّ ﷺ فقال: «وأعوذ بك أن ‌يتخبَّطني ‌الشَّيطان عند الموت» [14] وهذا الحديث يُبيِّن خطورة وسوسة الشَّيطان، وأنَّه لا يتوقَّف عنها أبدًا؛ قال الإمام الخطَّابيُّ رحمه الله [15]: "واستعاذة النَّبيِّ ﷺ من تخبُّط الشَّيطان عند الموت= هو أن يستولي عليه عند مفارقة الدُّنيا؛ فيُضله ويحُول بينه وبين التَّوبة، أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله، أو يؤيِّسه من رحمة الله، أو يتكرَّه الموت ويتأسَّف على حياة الدُّنيا فلا يرضى بما قضاه الله من الفناء والنَّقلة إلى الدَّار الآخرة؛ فيختم له بالسُّوء ويلقى الله وهو ساخط عليه، وقد رُوي أنَّ الشَّيطان لا يكون في حالٍ أشدَّ على ابن آدم منه في حال الموت يقول لأعوانه: دونكم هذا؛ فإنَّه إن فاتكم اليوم لم تلحقوه" [16] وبذلك تظهر خطورة الشَّيطان في الإضلال والغواية ودفع الإنسان إلى الإفراط في الشَّهوات ليظفر منه بما يسعى إليه، ويُجاهد من أجله، ويصل اللَّيل بالنَّهار من أجل تحقيقه؛ والمعصوم من عصمه الله تعالى، والمخذول من وِكل لنفسه.

2 - التَّزيين للمعصية وتجميلها في عُيون النَّاس:

حتَّى يتحقَّق لهم الضَّلال والانحراف بالوقوع في الحرام؛ لأنَّ المرء إذا رأى المعصية على حالها لم يطمع فيها إلَّا دنيء النَّفس، لكنَّه يُضِلُّ الصَّالحين والمؤمنين بتزيين المعصية وإظهارها على ما هي عليه؛ فالشَّيطان في عدواة وحرب؛ والحرب خُدعة، قال تعالى: {وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ‌وَزَيَّنَ ‌لَهُمُ ‌ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ} [النمل: 24]  وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَآ ‌أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} [الحجر: 39] فإنَّ الشَّيطان يُغرِي الإنسان بالمعصية ويُزيِّنها له، ويُخفِي عنه عواقبها ويُهوِّنها عليه حتَّى يُوقعه في شرَكها، فإذا باشرها العبد تخلَّى عنه الشَّيطان؛ قال تعالى: {وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} [إبراهيم: 22] وقال سبحانه: {كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ ‌فلمَّا ‌كَفَرَ قَالَ إنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱلله ربِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الحشر: 16] وتزيين الشَّيطان المعصية على نوعين:

أ - تحسين القبيح:

فمن حبائل الشَّيطان ومكائده أن يعمد إلى تزيين القبيح من الشَّهوات عن طريق تحسينه ودعوة المرء إلى فعله، فيُزيِّن له النَّظر إلى المرأة في الحرام ويُعميه عن إدراك عاقبته الوخيمة؛ ففي الحديث أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشَّيطان» [17] والمعنى أنَّ الشَّيطان يُزيِّن المرأة للرِّجال، ويدعوهم للتَّطُّلع والتَّشرُّف إليها= واستشرفتُ الشَّيء إذا تطلَّعتُ عليه، قال الطِّيبيُّ [18]: "يعني: ما دامت في خدرها لم يطمع الشَّيطان فيها وفي إغواء النَّاس بها، فإذا خرجت طمع وأطمع؛ لأنَّها حبائل الشَّيطان؛ فإذا خرجت جعلها مصيدة يُزيِّنها في قلوب الرِّجال ويُغريهم عليها فيُورطهم في الزِّنى، كالصَّائد الَّذي يضع الشَّبكة ليصطاد ويُغري الصَّيد إليها بما يُوقعه فيها" [19] وللشَّيطان أعوان من الإنسان يُعينونه على إتمام هذه الجريمة النَّكراء؛ كالإعلام، والعاملين في مجال الإعلانات، والسِّينما، والدِّراما؛ والتَّجميل؛ فهم يُروِّجون المرأة كسلعة حتَّى ينحرف الرِّجال ويفسدوا بتتبُّعها؛ "فيكون المراد بالشَّيطان= شيطان الإنس، وسَّماه به على التَّشبيه بمعنى: أنَّ أهل الفسق إذا رأوها بارزة طمحوا بأبصارهم نحوها، والاستشراف فعلهم، لكن أُسنِد إلى الشَّيطان لما أُشرب في قلوبهم من الفجور، ففعلوا ما فعلوا بإغوائه وتسويله وكونه الباعث عليه" [20] والله تعالى يقول: {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ ‌لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ} [الأنعام: 121] فهم أعوانهم ينصرونهم ويُمجِّدونهم، ويعملون لإغواء النَّاس معه.

ولا يتوقف الشَّيطان عند حدِّ الإغواء بالنَّظر المحرَّم؛ بل يتمادى مع المرء في التَّزيين والإغواء حتَّى يجعله يستحسن القبيح ولا يرى في فعله ما يستوجب الخجل، ثمَّ ينتقل به إلى مرحلة متقدِّمة حين يُزيِّن له مواقعة المرأة بإتيان الفاحشة؛ فإذا ظفِر منه بذلك لا يتوقَّف حتَّى يفيق ويُندِّمه على اقتراف الإثم؛ ليصل به إلى القنوط واليأس من رحمة الله تعالى؛ فإنَّ ظفِر بذلك فقد فاز، وخاب المرء وخسر لتمكُّن الشَّيطان منه.

ب - تقبيح الحسن:

وهذا ممَّا يعتمد عليه الشَّيطان في التَّزيين والإغواء بأن يُقبِّح الحسن للإنسان ليزهد في فعل الطَّاعة؛ فيدعوه إلى ترك الإنفاق والتَّصدُّق بحجَّة المحافظة وعدم إهدار المال من خلال إقناعه للإنسان بأنَّه في حاجة إليه، فالحقوق عليه كثيرة، ومُتطلَّبات الحياة لا تكاد تنتهي؛ لذا فإنَّ المحافظة على المال للاستعانة به على نوائب الدَّهر أولى من إنفاقها وتوزيعها على الغير؛ قال الله تعالى: {ٱلشَّيۡطَٰنُ ‌يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ ‌يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} [البقرة: 268] وبذلك الأسلوب يتمكَّن الشَّيطان من تقبيح الطَّاعة وبغض العبد لها، وهذا الجانب مع سابقه يُحقِّق الهدف الأعظم للشَّيطان، والمتمثَّل في الإفراط في المعصية والحرام، والتَّفريط في الطَّاعة والحلال؛ فيُصبح المرء عبدًا للشَّيطان؛ يمتثل أمره ونهيه؛ فحين يتملَّك الشَّيطان منه بالغواية يُصبح أسيرًا عنده كالعبودية التامَّة؛ قال تعالى: {أَلَمۡ ‌أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ * وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ * وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ} [يس: 60-62]

وممَّا يدلُّ على خُبث ومكر الشَّيطان تدرُّجه مع المرء في طريق الانحراف والإفراط؛ فطريقته في الإغواء ليست واحدة مع كلِّ ضحاياه؛ لأنَّ النَّاس متفاوتون في الإيمان قوَّة وضعفًا، وزيادة ونقصًا، من هنا اختلفت وسيلته في الإغواء مع كلِّ فرد على حسب كمال إيمانه ونقصانه، فليست طريقته في إضلال الطَّائع المتمسك بدينه كطريقته مع العاصي المتفلِّت من معاني الإيمان، لكنَّه يتميَّز بطول البال، وعدم الملل من ضحيته حتَّى يُحقِّق معها ما قصده من الغواية ولو على المدى البعيد، عن طريق المحاولات المتكرِّرة حتَّى يغنم ولو يسيرًا؛ وبهذا تظهر قوَّة تأثير الشَّيطان على الإنسان بالغواية والوسوسة والتَّزيين ليصل به إلى الإفراط في استخدام الشَّهوة، فهو من أعظم أسباب ثورانها وجموحها.

ثالثًا: ضعف الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر:

وما ابتليت الأمَّة على مرِّ عصورها بمثل ضعف شعيرة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ فما فُضِّلت أمَّة الإسلام على بقيَّة الأمم إلَّا بالتَّشرُّف بهذه الشَّعيرة العظيمة؛ قال تعالى: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أمَّة ‌أُخۡرِجَتۡ ‌لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [آل عمران: 110] والمحافظة على تلك الشَّعيرة من صفات المؤمنين، ومن أعظم أسباب تحصيل رحمة الله تعالى؛ قال سبحانه: {وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ ‌أَوۡلِيَآءُ ‌بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [التَّوبة: 71] وقد لُعنت أمم سابقة لأنَّهم كانوا يتجاهلون تلك الشَّعيرة العظيمة؛ قال تعالى: {لُعِنَ ‌ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ * كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ} [المائدة: 78، 79] وتضييع تلك الشَّعيرة من صفات المنافقين؛ قال تعالى: {ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [التَّوبة: 67]

إنَّ تقصير المجتمع في القيام بواجب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر سبب عظيم من أسباب جموح الشَّهوات والإفراط فيها؛ فإذا لم يجد من غلبت عليه شهوة الفرج فأفرط فيها بالزِّنا من يُنكر عليه صنيعه تمادى في غيِّه وأفسد في المجتمع، وأصبحت أعراض أفراده مهدَّدة بالهتك والتَّعدِّي، وإذا لم يجد من غلبت عليه شهوة المال فأفرط فيها بالاختلاس من المال العامِّ، والنَّهب، والسَّرقة، والتَّعامل بالرِّبا من يُنكر فعله، ويأمره بالخير والاقتصاد فإنَّه سيُلحق بالمجتمع أذًى عظيم التَّأثير؛ حيث لا يَأمن أحد على ماله، وإذا لم يجد من غلبت عليه شهوة القوَّة فأفرط فيها بالبطش، والظُّلم، والتَّعدِّي على حقوق الآخرين من يقف أمامه مُستنكرًا ما أتاه من طغيان وتجاوز فلن يسلم من بطشه أحد، وسيعيش أفراد المجتمع مُهدَّدين خائفين على أنفسهم من بطشه، ويكون المجتمع الإنسانيُّ قريب الشَّبه بالمجتمع الحيوانيِّ في عالم الغابات، وهكذا تحتاج كلُّ شهوة تصل بالمرء إلى مرحلة الإفراط؛ فالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر سبيل من سبل النَّجاة، وتركه خطأ يُسهم في القضاء على المحاسن والفضائل، وانتشار القبائح والرَّذائل؛ لذا كان الاعتناء بإحيائه من وسائل محاربة الإفراط والجريمة.

إنَّ ترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر مُؤذن بالهلاك وتعميم العقوبة؛ وفي الحديث أنَّ أبا بكر الصَّدِّيق رضي الله عنه قام فحمد الله، وأثنى عليه ثمَّ قال: "يا أيُّها النَّاس، إنَّكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير مواضعها: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌عَلَيۡكُمۡ ‌أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [المائدة: 105] وإنَّا سمعنا النَّبيَّ ﷺ يقول: «إنَّ النَّاس إذا رأوا الظَّالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب» وفي رواية: وإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، ثمَّ يقدرون على أن يُغيِّروا، ثمَّ لا يُغيروا، إلَّا يُوشك أن يعمَّهم الله منه بعقاب» [21] قال الإمام النَّوويُّ رحمه الله [22]: "المذهب الصَّحيح عند المحقِّقين في معنى الآية: إنَّكم إذا فعلتم ما كلِّفتم به، فلا يضرُّكم تقصير غيركم؛ مثل قوله تعالى: ﵟوَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إلَّا عَلَيۡهَاۚ ‌وَلَا ‌تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰﵞ [الأنعام: 164] وإذا كان كذلك، فممَّا كُلِّف به الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطَب، فلا عتب بعد ذلك على الفاعل، لكونه أدَّى ما عليه، فإنَّما عليه الأمر والنَّهي لا القبول، ثمَّ إنَّ الأمر والنَّهي فرض كفاية إذا قام به بعض النَّاس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثمَّ كلُّ من تمكَّن منه بلا عذر ولا خوف، وقال العلماء: ولا يُشترَط في الآمر والنَّاهي أن يكون كامل الحال ممتثلًا ما يأمر به، مجتنبًا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلًّا بما يأمر به، والنَّهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنَّما يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخلَّ بأحدهما كيف يُباح له الإخلال بالآخر؟!" [23]

فعلى المجتمعات العاقلة الرَّاغبة في الحدِّ من إفراط الشَّهوة على المستوى العامِّ أن تُحيي شعيرة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من خلال تشجيع نفر من أفرادها على طلب العلم الشَّرعيِّ الَّذي يُمكِّن من الدَّعوة والبيان والقيام بمهامِّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ قال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا ‌نَفَرَ ‌مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} [التَّوبة: 122] فالآية تدعو المؤمنين إلى التَّحرُّك من أجل التَّعلُّم وتحصيل المعارف والعلوم ثمَّ بذل الطَّاقة في البلاغ والدَّعوة والتَّوجيه إلى الطَّاعة، والعمل على إعانة النَّاس على ترك الحرام، والبعد عن الآثام، من خلال خطاب دعويٍّ يجمع بين الأمر والنَّهي، والتَّرغيب والتَّرهيب، والخوف والرَّجاء، والتَّأليف والتَّكليف؛ فإنَّ هذا ممَّا ينفع ركني الدَّعوة من الدَّاعية، والمدعوِّ، بل إنَّ المجتمع كلَّه ينتفع بهذا؛ حيث يستقيم الأفراد على طاعة الله تعالى فيجنون من ثمار الطَّاعة عزًّا وسرورًا، ويهجرون المعاصي فيحصُدون من الأزهار سلامًا وأمانًا.

رابعًا: أمن العقوبة لخفَّتها، أو انعدامها: 

كالقوانين الَّتي تقضي على القاتل بالحبس مدَّة من الزَّمان، أو بالإعفاء إذا وجد مبرِّر استطاع دفاع المتَّهم إقناع هيئة المحكمة به؛ فضعف العقوبة القانونيَّة المقرَّرة على ارتكاب الجرائم سبب رئيس من أسباب جموح الشَّهوة، وإفراط النَّاس في استخدامها؛ فإنَّ النَّفس إذا أمِنت العقوبة أساءت الأدب، وأفرطت في استخدام الشَّهوة، والأصل أن يتكاتف المجتمع كلُّه لمحاربة الفساد عن طريق وضع تقنين شديد لمرتكبي الفواحش في المجتمع للحدِّ من ظاهرة الانحراف الَّتي تؤثِّر سلبًا على الجميع؛ وهذا هو المقصد الأسمى الَّذي يتجلَّى من الحدود في الإسلام؛ فإنَّ الله تعالى لم يُشرِّع الحدود عبثًا، أو لينتقم من عباده؛ فلا ينبغي أن يُتهاون مع مرتكبي الفاحشة في العقوبة؛ ليكون رادعًا لغيره، زاجرًا لمن يسعى لتقليده، مع محاسبة كلِّ متورِّط في كلِّ جريمة بدءًا من البيت والأسرة حيث أهملوا في واجب التَّربية، ومرورًا بالمجتمع حين قصَّر في أمانة القيم، وانتهاءً بالذِّئب المفترس الَّذي لم يُراع حرمة ولا قيمة حين فعل ما فعل، فإنَّنا لو أمضينا أشد العقوبات على أمثال هؤلاء لاستقام الأمر في بلاد المسلمين.

فالضَّرب بيدٍ من حديدٍ على يد المفسد الَّذي يسعى لإفساد المجتمع بنشر الفاحشة والفجور يُضيِّق دائرة الإفراط في الشَّهوات؛ ومنه قول النَّبيِّ ﷺ: «انصر أخاك ظالـمًا أو مظلومًا» فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالـمًا كيف أنصره؟ قال: «تحجزه، أو تمنعه، من الظُّلم فإنَّ ذلك نصره» [24] فكفُّ الإنسان عن الحرام يُعدُّ من نصره على نفسه، وإنَّ الله تعالى يزع بالسُّلطان ما لا يزع بالقرآن، وهذا دور منوط بالجهات الشُّرطيَّة المكلَّفة بحفظ الأمن المجتمعيِّ، ويُعاونهم في ذلك الجهات المختصَّة بإصدار القوانين والتَّشريعات، فمنوط بهم سنُّ القوانين الرَّادعة المشتملة على العقوبات القاسية لكلِّ من تسوِّل له نفسه الإساءة إلى الأخلاق بفعل القبيح ونشره؛ فإنَّ ممَّا أهلك السَّابقين إقرارهم الفحش وسكوتهم على المنكر؛ قال تعالى: {كَانُواْ ‌لَا ‌يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ} [المائدة: 79] وقال العلَّامة الشَّوكانيُّ رحمه الله [25]: "فإذا كان ترك الحدود والمداهنة فيها وإسقاطها عن الأكابر من أسباب الهلاك كانت إقامتها على كلِّ أحد من غير فرق بين شريف ووضيع من أسباب الحياة" [26]

خامسًا: الإقرار المجتمعيُّ لمظاهر الإفراط في الشَّهوات:

إنَّ الثَّقافة المجتمعيَّة هي الَّتي تصنع الفارق بين المجتمعات الآمنة، والمجتمعات المضطربة؛ فالمجتمعات الآمنة هي الَّتي لا تُقرُّ الفحش والتَّجاوز والتَّعدِّي على الآخرين، وتُحارب ذلك بكلِّ بسالةٍ وإيمان؛ لأنَّهم يعلمون أنَّ التَّساهل مع مظاهر الانحلال والإفراط في الشَّهوات من أعظم أسباب خراب المجتمع؛ فعن النُّعمان بن بشير رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الَّذين في أسفلها إذا استَقوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خَرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا» [27]

إنَّ المتتبِّع لقصَّة قوم لوط عليه السَّلام في القرآن الكريم يظهر له مدى تأثير شُيوع الفاحشة في انهيار المجتمعات المستقرَّة، وتخريب المجتمعات العامرة، وتعاسة المجتمعات السَّعيدة؛ فإنَّ قوم لوط عليه السَّلام حين رفعوا راية الفاحشة، وأحدثوا فيها ما لم يفعله أحد ممَّن سبقهم؛ فأتوا الرِّجال دون النِّساء؛ وذلك حين انتكست فطرتهم، وتحوَّلت نفوسهم من نفوس بشريَّة هادئة الطِّباع، إلى نفوس حيوانيَّة شرسة الطِّباع؛ تعشق الفاحشة، وتُدمن الحرام، وتسعى إلى فعل المنكرات، لقد ترك قوم لوط عليه السَّلام العَنان لشهواتهم لتسبح في بحور من الرَّذيلة والفحشاء؛ فقد عملوا على توجيه الشَّهوة في غير المسار الَّذي كتبه الله تعالى لها؛ فكانوا يأتون الذُّكور دون النِّساء، وهي فعلة لم يسبقهم إليها أحد؛ لمخالفتها للفطر السَّليمة، والنُّفوس المستقيمة، وحين يصل النَّاس إلى تلك المرحلة في أيِّ زمان ومكان تتبدَّل ثقافاتهم، وتتغيَّر فطرهم، وتنتكس طباعهم؛ فيرون الحقَّ باطلًا والباطل حقًّا، وتُصبح الطَّهارة تُهمة تتوافر فيها أركان الجريمة؛ قال تعالى: {فَمَا كَانَ ‌جَوَابَ ‌قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] ففيها دلالة على أنَّ ذُيوع المعصية يطمس الفطر ويُبدِّل الحقائق، وحينها قام نبيُّهم بتحذيرهم أشدَّ تحذير، ونهيهم عن فعل ذلك بأبلغ تعبير، لكنَّهم تمادوا في غيَّهم، وأصرُّوا على عِنادهم، فأهلكهم الله تعالى بعذاب يُوازي جُرمهم؛ قال تعالى: {فلمَّا ‌جَآءَ ‌أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ} [هود: 82] وفي ختام قصَّة قوم لوط عليه السَّلام في سورة هود عليه السَّلام يقول تعالى: {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ} [هود: 83] وهي رسالة تهديد ووعيد لكلِّ من سار على منوالهم من عامَّة من يأتي بعدهم؛ فإنَّ الَّذي أهلكهم لن يعجز عن إلحاق أشباههم في العمل بهم في الجزاء؛ قال تعالى: {أَفَلَمۡ ‌يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا} [محمد: 10]

إنَّ المجتمعات المضطربة هي الَّتي تُقرُّ الفحش وتدعو إليه عن طريق التَّقنيين للفاحشة وتجارة الجنس من خلال السَّماح بفتح بيوت الفحش، أو منح السُّلطات القانونيِّة لبعض الأفراد ما يُعينهم على سفك الدَّم بدون قيد أو محاسبة، أو تفتح لهم مجال الاختلاس من المال العامِّ والخاصِّ مع أمن العقوبة أو السَّماح بالتَّحايُل على القوانين من خلال ثغرات يضعونها في التَّشريعات القانونيَّة بهدف حماية أعوانهم، كلُّ هذا يؤدِّي إلى خراب المجتمعات؛ لأنَّه يجعل الفساد يستشري في كلِّ مفاصلها، ممَّا يُؤدِّي إلى ذُيوع الحرام، وطُغيان الشَّهوات.

سادسًا: توفر مظاهر الإفراط في الشَّهوة وسهولة الوصول إليها:

إنَّ من أعظم الأسباب المؤدِّية إلى إثارة الشَّهوة واشتعال نارها يُسر الوصول إليها؛ فإنَّ النَّفس لا تنشغل بالمستحيلات وغير الممكنات؛ لإدراكها الجازم لاستحالة الحصول عليها، لكنَّها تنشغل كثيرًا بالممكنات الَّتي يُمكن الوصول إليها والحصول عليها؛ فإنَّ الَّذي روَّج للفواحش حتَّى غزت النُّفوس= وجود أماكن للفاحشة، ووفرة مادَّتها في وسائل الإعلام المرئي والمسموع، وتبرُّج النِّساء مما يُسهِّل على الرَّجل النَّظر المؤدِّي إلى مُواقعة الحرام، لهذا كان التَّقدُّم التُّكنولوجيُّ الهائل الَّذي نُشاهده في واقعنا المعاصر مضرًّا بالفرد والمجتمع من هذا الجانب؛ حيث سهَّل الوصول إلى مادَّة الفحش والفجور، واكتفى بوعي الجماهير، وقوَّة إيمانهم؛ فقد اشتملت وسائل الإعلام المختلفة على الغثِّ والسَّمين، واستعمالها مرهون بثقافة المرء وصلاحه؛ لكنَّ النُّفوس تضعُف أمام المغريات، وتتحكَّم فيها الشَّهوات الدَّفينة؛ لذا كان الحذر والحِيطة والبُعد عن مواطن الشُّبهة سلاحٌ يتسلَّح به من يخوض لُجج الإعلام ومصادره المتنوعة؛ طلبًا للسَّلامة والنَّجاة.

إنَّ المتأمِّل بنظره وإن تجرَّد من العبقريَّة والذَّكاء يرى بوضوح أنَّ مُثيرات الشَّهوة على اختلاف أنواعها متوفِّرة في المجتمعات، فمظاهر التبرُّج والسُّفور الَّتي نتجت عن الحداثة والتَّمدين وتقليد المجتمعات المسلمة للمجتمعات الغربيَّة أكبر دليل على أنَّ مادَّة الفاحشة قد غزت البيوت، وهدَّدت سلامة الفطرة، وأثارت حافظة الشَّباب للمغريات والحرام، حتَّى أثبتت الدِّراسات والإحصائيَّات أنَّ عدد من يزور المواقع الإباحيَّة يتخطَّى الألوف في اليوم الواحد، وأنَّ أكثرهم في سنِّ الشَّباب، وأنَّ غالبهم من الدُّول العربيَّة، كلُّ هذا يُحتِّم على المعنيِّين دراسة هذه الظَّاهرة بُغية التَّوصُّل إلى علاج حاسم لها، وسوف تسعى هذه الدِّراسة إلى بيان معالجة هذه الظَّاهرة كصورة من صور الإفراط في الشَّهوات من خلال الفصل الثَّاني إن شاء الله تعالى.

إنَّ المجتمعات الَّتي تتبنَّى النِّظام الطَّبقيَّ وتخضع النَّاس إلى التَّقسيمات على أساس الفقر والغنى، تُثير في النَّفس شهوة القوَّة؛ فتُعين الغنيَّ على ظلم الفقير، واستلاب حقوقه بسُلطان القوَّة، ولا يستطيع الفقير أن يُطالب بحقِّه في ظلِّ قوانين تلك المجتمعات الَّتي لا تُراعي حرمة للمظلوم، ولكنَّها تُرسِّخ لدولة الأغنياء، وترعى مصالحهم، ولو كان على حساب الآخرين، والتَّاريخ يُحدِّثنا عن كثير من المواقف الَّتي تشهد بطُغيان الأكابر من عِلية القوم على النَّاس في ظلِّ سيادة نُظم الطَّبقيَّة [28] والإقطاعيَّة [29] والرَّأسماليَّة [30] حتَّى أصبح الفقير يُعيَّر بفقره الَّذي صار ذريعة لتوقيع الظُّلم عليه، فلا تُنصفه القوانين، ولا تُسعفه اللَّوائح، ولا يحترم نظام المجتمع إنسانيَّته؛ وحينها قد يتحوَّل الفقير المظلوم بعد تذوُّقه لمرارة الصَّبر وعناء التَّحمُّل إلى مُجرم مُفترس يسفك الدِّماء، ويسرق الأموال، ويُخرِّب الممتلكات العامَّة والخاصَّة، ويحقد على الجميع، فهو ضحية لهذا المجتمع المريض الَّذي أقرَّ التَّمايُز بين أفراده، ورضي بأن يتعامل بتلك الازدواجيَّة المقيتة الَّتي تبثُّ الحقد والحسد في نفوس الفقراء، وتزرع الغلَّ والكراهية والكبر والتَّعالي في نفوس الأغنياء.

سابعًا: وجود اتِّباع يعينون على الفجور:

فما ظلم ظالم، ولا تعدَّى معتدٍ، ولا أفرط في استخدام شهوته أحد إلَّا بعد أن يجد أعوانًا له يُعينونه على الفُجور، ويُزيِّنون له تلك الأمور؛ ولنضرب مثالًا بفرعون وقومه؛ فإنَّ المتتبِّع لقصَّة فرعون في القرآن الكريم يرى بجلاء أن طُغيانه كان بسبب قومه؛ حيث أعانوه على فعل ما فعل وقول ما قال؛ فلم يعترضوا على قوله: [أنا ربكم الأعلى] ووافقوه حين قال: {يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ ‌تَجۡرِي ‌مِن ‌تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ} [الزخرف: 51] وزيَّنوا له أنَّه أفضل من موسى عليه السَّلام حين قال لهم: {أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52] ونصروه وأقسموا بعزَّته حين طلب من السَّحرة أن يُواجهوا موسى عليه السَّلام بسحرهم؛ قال تعالى: {فَأَلۡقَوۡاْ ‌حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ} [الشعراء: 44] من أجل هذا قال الله تعالى عنهم: {فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ} [الزخرف: 54] قال الإمام القرطبيُّ رحمه الله: "قال ابن الأعرابيِّ رحمه الله: المعنى فاستجهل قومه" فأطاعوه" لخفَّة أحلامهم وقلَّة عقولهم، يُقال: استخفَّه الفرح أي أزعجه، واستخفَّه أي حمله على الجهل" [31]

فلو وجد فرعون من يقف له ويُعارضه وينتزع منه شهوة الإفراط في الملك والرِّياسة، لما طغى وبغى وادَّعى الألوهيَّة، وحارب موسى عليه السَّلام، وسام بني إسرائيل سوء العذاب؛ لكنَّ ثوران شهوة الملك عنده نبعت من إعانة قومه له، وتفانيهم في نصرته وتأييده على أفعاله؛ وهذا من قلَّة عقولهم، ومثل فرعون في البطش والظُّلم كلُّ من تجبَّر بالملك وخرج به عن الحدود الَّتي جعلها الله تعالى للحاكم، وأمثلته في التَّاريخ لا تكاد تنحصر كثرة؛ والمتتبع لهذا يظهر له أن الحاكم لا يطغى إلَّا حين يجد ممَّن حوله أعوانا له على الطُّغيان؛ لذا كانت البطانة حول الملوك أعظم ما في الممالك؛ فهي الموجهة للملك؛ فإنَّ طابت طاب الملك، وإن خبثت فسد الملك.

وكذلك شهوة الفرج لا يجد صاحبها مجالًا للإفراط فيها إلَّا من خلال رفقاء السُّوء الَّذين يُزيِّنون له المعصية ويحثُّونه عليها، وربما بلغ تعاونهم معه وإعانتهم له إنَّهم يُهيِّئون له بيئة الفاحشة مع تحمُّلهم كامل النفقات المترتِّبة عليها؛ فلا يُكلِّفونه سوى الحضور وممارسة الرَّذيلة مع من يُحضرونها من البغايا والمومسات، فلولا أنَّ صاحبهم وجد على الشَّرِّ أعونًا ما وصل إلى حالته المأساوية من الإفراط في شهوة الفرج، حيث صرفها في غير قناتها.

وكذلك الإفراط في شهوة المال يتعاظم حين يجد المرء عليه أعوانًا؛ فإنَّ المتعامل بالرِّبا لو لم يجد من يُعينه عليه من المحتاجين، أو الطَّامعين في الثَّراء ولو بالحرام ما تعامل بالرِّبا؛ لأنَّ المعاملة مفاعلة بين طرفين؛ فإذا انعدمت المفاعلة انعدمت، وحين لا يجد المرتشي من يُقدِّم له الرِّشوة فلن يتجاسر على طلبها، لكنَّه علم أن نفس من أمامه مهيأة للاستجابة لداعي الحرام، فما كان منه إلَّا أن دعا فاستجاب له من دعاه.

ثامنًا: البيئة المجتمعيَّة:

إنَّ للبيئة الَّتي يعيش فيها الإنسان أثرًا كبيرًا على استقامته وانحرافه، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده في هذا العالم، ولابد له من مجتمع يحتضنه ويتعاون معه، وما دام الإنسان قد وُلِد وفي فطرته مجموعة من الغرائز الجامحة، والَّتي لو أطلق لها العنان لفسد وأفسد فلابد من توفير بيئة صالحة مناسبة لنمو الإيمان والأخلاق، أمَّا حين ينشأ المرء في مجتمع صالح يُراقب الله تعالى يخرج متأثرًا بأجوائه المباركة، والعكس كذلك؛ لأنَّه عضو من أعضاء هذا المجتمع الَّذي يُحدِّد ثقافته، ويمنحه القيم والمثُل، فكل جزء في المجتمع يُؤثِّر في أفراده تأثيرًا مباشرًا، وأنجح المجتمعات الإنسانيَّة مَن تُعاون أفرادها على الخير والصلاح مما يُنتِج مجتمعًا صالحًا مُتعاونًا على الإيمان؛ ففي هذا المجتمع يسعد الفرد في نفسه ويأمن على دينه؛ لأنَّه يجد على الحق أعوانًا يردُّونه إذا انحرف، ويدفعونه إذا تأخَّر، ويُنبِّهونه إذا غفل، وهذا من الولاء الَّذي ذكره الله تعالى في قوله: {وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ ‌أَوۡلِيَآءُ ‌بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [التَّوبة: 71] فتحقُّق الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في مجتمع من أدلِّ المؤشِّرات الدَّالة على حياة المجتمع وخلوِّه من الجرائم والمحرَّمات؛ لأنَّ كلَّ فرد فيه يعلم إنَّه المجتمع لن يقبل بانتهاكاته ومخلفاته فيرتدع عن طريق الانحراف السُّلوكيِّ والفكري؛ فيسلم الفرد، وينجو المجتمع.

وأمَّا المجتمعات الَّتي يضعُف فيها الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وتظهر فيها الأثرة والفردية والانعزالية، وتندثر فيها قيم التعاون والاحترام المجتمعيِّ بين الأفراد، فإنها يسودها الانحراف والإفراط في أعلى صوره؛ فلا يُعرف فيها المعروف ولا يُنكَر المنكر، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، وحينها يتردَّى المجتمع في هوَّةٍ سحيقة من الجرائم والمحرَّمات حتَّى يُنافس المجتمع المسلم مجتمع الجاهلية الأولى؛ من سفك الدِّماء، والنهب، والسَّطو على الضَّعيف، وكأنَّ الإسلام لم يدخل أرض هذا المجتمع يومًا من الأيام، وينشأ الفرد في جماعته الصَّغيرة وقد تأثَّر بالأجواء العامَّة للمجتمع، فيتعامل مع مظاهر الانحراف والإفراط في مواقعة الحرام غير مبالٍ بجُرم أو حرمة؛ لأنَّه نشأ كما أراده مجتمعه الخالي من الفضائل.

والمتتبِّع لآيات القرآن الكريم يرى هذا المعنى بجلاء في نحو قصَّة أصحاب القرية الَّذين مسخهم الله قردةً وخنازير بسبب اجتماع أهلها على مخالفة أمر الله تعالى، وعدم استجابتهم لدعوة المصلحين، قال تعالى: {فلمَّا ‌نَسُواْ ‌مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ} [الأنعام: 44] قد أهلك الله تعالى طائفة منهم لما اقترفوه، ولم ينجو من سكت منهم؛ بل عمهم العقاب بسبب سكوتهم، فلا نجاة إلَّا لمن أنكر وتحرك في طريق تغيير المنكر؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قَالَتۡ ‌أمَّةٞ ‌مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164] وفي السنة ما يدلُّ على أن البيئة لها أثر كبير في إفراط المرء في الشَّهوات؛ فالإنسان كالشَّجرة إذا نبتت في أرض سوء أخرجت ثمرًا خبيثًا، وإن نبتت في أرض طيبة آتت أكلها طيبًا بإذن الله، وفي الحديث أن النَّبيَّ ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنَّه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمَّل به مائة، ثمَّ سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنَّه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التَّوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنَّ بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتَّى إذا نصف الطَّريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنَّه لم يعمل خيرًا قطُّ، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيَّتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض الَّتي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة» [32]

فالشَّاهد من الحديث أن العالم الصَّالح أمر القاتل الَّذي أَلِف القتل أن يترك القرية الَّتي نشأ فيها؛ لأنَّ أهلها أهل سوء! وسوؤهم نابع من ضعفهم واستكانتهم عن أمره بالمعروف والنَّهي عن المنكر حتَّى تشرب قلبه القتل فأعمل سيفه في رقاب من حوله، فالقرية الَّتي تترك قاتلًا يتمادى في إزهاق هذا العدد الكبير من الأنفس دون رادع أو صادع لا يُرتاب في إنَّهم أهل سوء وانحلال؛ "وفي هذا استحباب مفارقة التَّائب المواضع الَّتي أصاب بها الذُّنوب، والأخدان المسَّاعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصَّلاح والعلماء والمتعبِّدين الورعين ومن يَقتدي بهم، وينتفع بصحبتهم، وتتأكَّد بذلك توبته" [33] من أجل هذا أمره العالم أن يُغيِّر بيئته لينتقل إلى قرية أخرى، في إشارة واضحة إلى دور البيئة المجتمعيَّة في حياة الإنسان؛ فكم شبابًا ضاع طموحه، وتكاسلت نفسه عن تحصيل المعالي بعد أن كان سائرًا في طريقها بسببها، وكم إنسانًا تحوَّلت حياته من الضَّلال إلى الهداية بجهودٍ من بيئته؛ والله تعالى يقول: {وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ ‌يَخۡرُجُ ‌نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ} [الأعراف: 58]

ومن خلال ما سبق يتأكَّد أن للإفراط في الشَّهوة أسبابًا ومُثيرات تُسهم بأثر كبير في نموِّها وثورتها؛ وأن السَّبيل الأكمل إلى السَّلامة من الإفراط في الشَّهوات يكمن في اجتناب أسبابها من خلال البعد عن إثارة الشَّهوة بفعل شيء مما سبق ذكره، مع العمل على التَّهيئة النفسيَّة والمجتمعيَّة لمعالجة النَّفس من مظاهر الإفراط في الشَّهوات على اختلاف صورها وأشكالها، والنَّاظر في حال المجتمعات السَّابقة والقائمة يُدرك أن وقوع الإفراط في الشَّهوات يعود إلى عدم الاعتناء بالوقوف على أسباب الإفراط، مما يفتح المجال أمام النَّفس لتوجيه المرء إلى القبائح، وقد ضرب الله تعالى الأمثال للناس في القرآن الكريم ليعتبروا ويتَّعظوا من مصير من سبقهم من الأمم المهلَكة بسبب الإفراط في الشَّهوات.

من أجل هذا عمدت الدِّراسة إلى تناول بعض أسباب الإفراط في الشَّهوات للتَّأكيد على خطورة تعريض الإنسان نفسه لأسباب الإفراط؛ لأنَّه بمثابة وضع النَّار بجوار الموادِّ الَّتي تُشعلها وتُثيرها، وبعد هذا البيان السَّابق تنتقل الدِّراسة - في القادم منها - إلى تناول أنواع الشَّهوات الَّتي تدخل في نطاقها؛ تمهيدًا للوقوف على آثار الإفراط فيها على الفرد والمجتمع ثمَّ معالجة الإفراط في الشَّهوات في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة، ونسأل الله تعالى التَّوفيق والإعانة.


(1) متَّفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الذبائح والصيد) باب: (المسك) برقم: (5534) ومسلم في صحيحه، كتاب: (البر والصلة والآداب) باب: (استحباب مجالسة الصَّالحين ومجانبة قرناء السوء) برقم: (2628).

(2) القاضي عياض: عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض السبتي اليحصبي، ولد عام: 476هـ، ومن شيوخه: أبو طاهر السِّلفي، والحسين الغساني، وغيرهم، ومن طلابه: ابنه محمد، وابن غازي وابن زرقون وابن مضاء، وغيرهم، ومن مؤلفاته: إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم، والشفا بالتَّعريف بحقوق المصطفى، وغيرها، وتوفي سنة: 544هـ. يُنظَر: إنباه الرواة للقفطي، (2/363، ت: 519)، وفيات الأعيان لابن خلكان، (3/483، ت:511).

(3) إكمال المعلِم بفوائد مسلم، لأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبيِّ السبتيِّ، تح: د. يحيى إسماعيل، ط.1، القاهرة، دار الوفاء للطباعة والنشر، سنة: 1419هـ، (8/108).

(4) حسن: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (الآداب) باب: (من يؤمر أن يجالس) برقم: (4832) والترمذي في جامعه، أبواب: (الزهد) باب: (ما جاء في صحبة المؤمن) برقم: (2375).

(5) صحيح: أخرجه النسائي في سننه، كتاب: (الجهاد) باب: (ما لمن أسلم وهاجر وجاهد) برقم (3134) وأحمد في مسنده، مسند: (المكيين) حديث: (سبرة بن أبي فاكه) برقم (15958) والبيهقي في شعبه، شعبة: (الجهاد) برقم (3941) وصححه الألباني في التعليق الرغيب، (2/173).

(6) إغاثة اللهفان من مكائد الشَّيطان، لأبي عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيِّم الجوزيَّة، تح: محمد عزير شمس، ط.3، السعودية، دار عطاءات العلم، سنة: 1440هـ، (1/102).

(7) التَّحرير والتَّنوير، للطاهر بن عاشور، (18/187).

(8) الوابل الصيب روائع الكلم الطيب لابن القيِّم، (1/ 29).

(9) التَّحرير والتَّنوير، للطاهر بن عاشور، (30/634).

(10) متَّفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب: (الاعتكاف) باب: (زيارة المرأة زوجها في اعتكافه) برقم: (2038) وباب: (هل يدرأ المعتكف عن نفسه؟) برقم: (2039) وكتاب: (بدء الخلق) باب: (صفة إبليس وجنوده) برقم: (3281) وكتاب: (الأحكام) باب: (الشهادة تكون عند الحاكم) برقم: (1717) ومسلم في صحيحه، كتاب: (السَّلام) باب: (بيان أنه يُستحبُّ لمن رُئي خاليًا بامرأة وكانت زوجته أو محرمًا له أن يقول هذه فلانة ليدفع ظن السوء به) برقم: (2174) وبعده.

(11) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، (14/157).

(12) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الأشربة) باب: (استحباب لعق الأصابع والقصعة، وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما يصيبها من أذى، وكراهة مسح اليد قبل لعقها) برقم: (2033).

(13) حسن: أخرجه أحمد في مسنده، مسند: (المكثرين من الصحابة) مسند: (أبي سعيد الخدري رضي الله عنه برقم: (11237) وصححه الهيثمي فقال: "رواه أحمد، وأبو يعلى بنحوه، وقال: «لا أبرح أغوي عبادك» والطبراني في الأوسط، ‌وأحد ‌إسنادي ‌أحمد ‌رجاله ‌رجال ‌الصَّحيح، ‌وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى" يُنظَر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لأبي الحسن الهيثمي، (10/207) وحسنه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1617).

(14) صحيح: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (الصلاة) باب: (في الاستعاذة) برقم: (1552) والنسائي في سننه، كتاب: (الاستعاذة) باب: (الاستعاذة من التردِّ والهدم، برقم: (5531) وما بعده، وصحَّحه الحاكم في صحيحه، كتاب: (الدعاء والتكبير والتهليل) برقم: (1948) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرِّجاه" وصحَّحه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: (1388) وقال: "إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه الحاكم" وضعَّفه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيق لمسند أحمد وقال: "إسناده ضعيف لاضطرابه" يُنظر المسند حديث رقم: (15523).

(15) الخطَّابي: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطَّاب البستيُّ الخطَّابيُّ الشافعيُّ، ولد عام: 319هـ، ومن شيوخه:  أبو العبَّاس الأصم، وإسماعيل الصفار، وابن داسة، والشاشي، وغيرهم، ومن طلابه: الحاكم النيسابوري، وأبو حامد الإسفراييني، وأبو نصر البلخي، وغيرهم، ومن مؤلفاته: معالم السنن، وأعلام السنن، والعزلة، وغيرها الكثير، وتوفي سنة: 388هـ. يُنظَر: الأنساب، لأبي سعد عبدالكريم بن محمد السمعاني المروزيِّ، تح: عبدالرَّحمن المعلمي اليماني، وآخرون، د.ط، الهند، مجلس دائرة المعارف العثمانيَّة، سنة: 1382هـ/1962م، (5/159)، ومعجم الأدباء، لياقوت الحموي (2/486، ت:175).

([16]) يُنظَر: معالم السنن، لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطَّاب البستيِّ، الخطَّابي، ط.1، سوريا، المطبعة العلمية، سنة: 1351هـ/1932م، (1/296).

(17) صحيح: أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب: (الرضاع) باب: (باب) برقم (1173) وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وابن خزيمة في صحيحه، كتاب: (الإمامة في الصلاة وما فيها من السنن) باب: (اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد) برقم: (1685) وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون" مجمع الزوائد، لأبي الحسن الهيثمي، (2/35) وصححه الألباني في التعليق الرغيب (1/136) وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للألباني، ع: زهير الشاويش، ط.2، بيروت، المكتب الإسلامي، سنة: 1405هـ/1985م، (1/303)، وصحيح الجامع (6690).

(18) الطيبي: الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي، وغيرهم، ومن مؤلفاته: الخلاصة في معرفة الحديث والكاشف عن حقائق السُّنن، وغيرها الكثير، وتوفي سنة: 743هـ. يُنظَر: الدرر الكامنة لابن حجر العسقلانيِّ، (2/186، ت:1614) والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمنِّي (ت:1250هـ، د.ط، بيروت، دار المعرفة، (1/229، ت:152).

(19) الكاشف عن حقائق السنن، لشرف الدين الحسين بن عبدالله الطيبي، تح: د. عبدالحميد هنداوي، ط.1، السعودية، مكتبة نزار مصطفى الباز، سنة: 1417هـ، (7/2273).

(20) فيض القدير، للمناوي، (6/266).

(21) صحيح: أخرجه أبو داود في سننه كتاب: (الملاحم) باب: (الأمر والنهي) برقم (4338) والترمذي في جامعه، أبواب: (الفتن) باب: (ما جاء من نزول العذاب إذا لم يغير المنكر) برقم (2168) وابن ماجه في سننه أبواب: (الفتن) باب: (الأمر بالمعروف...) برقم (4005).

(22) النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف بن مُرِّي بن حسن ابن جمعة بن حِزَام، النووي، ولد عام: 631هـ، ومن شيوخه:  أبو البقاء النابلسي، وابن قدأمة المقدسي، وغيرهم، ومن طلابه: ابن العطار، وابن النقيب، والمزي، وابن جماعة، وغيرهم، ومن مؤلفاته: شرح صحيح مسلم، والمجموع شرح المهذب، وغيرهما الكثير، وتوفي سنة: 676هـ. يُنظَر: تاريخ الإسلام لأبي عبدالله الذهبي، (15/324، ت:340)، وطبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين عبدالوهاب السُّبكيِّ، تح: د. محمود محمد الطناحي، ود. عبدالفتاح محمد الحلو، ط.1، القاهرة، دار هجر للطباعة والنشر، سنة: 1413هـ، (8/395، تـ1288).

(23) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، (2/22).

(24) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (المظالم والغصب) باب: (أعن أخاك ظالما أو مظلومًا) برقم: (2443) وما بعده، وكتاب (الإكراه) برقم: (6952) والترمذي في جامعه، أبواب: (الفتن) باب: (باب) برقم: (2255).

(25) الشَّوكانيُّ: محمد بن علي بن محمد الشَّوكانيُّ اليمنيُّ، ولد عام: 1173هـ، ومن شيوخه:  الحسن المغربي، وعبدالقادر الكوكباني، وعبدالله النهمي، والقاسم الخولاني، وغيرهم، ومن طلابه: أحمد الضمدي، والكبسي، والوزان، وغيرهم، ومن مؤلَّفاته: فتح القدير، ونيل الأوطار، والبدر الطالع، وغيرها الكثير، وتوفي سنة: 1250هـ. يُنظَر: البدر الطالع للشوكاني، (2/214)، والأعلام للزركلي، (5/17).

(26) نيل الأوطار، لمحمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشَّوكاني اليمنِّي، تح: عصام الدين الصبابطيِّ، ط.1، القاهرة، دار الحديث، سنة: 1413هـ/1993م، (7/128).

(27) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الشركة) باب: (هل يقرع في القسمة والاستهام) برقم: (2493) والبيهقي في سننه الكبرى، كتاب: (العتق) باب: (إثبات استعمال القرعة) برقم: (21410).

([28]) الطَّبقيَّة: النِّظام الطبقيِّ: نوع من أنواع الأنظمة الاجتماعيَّة الَّتي انتشرت في كثير من المجتمعات الغربيَّة ثم ما لبثت أن تأثَّرت بها المجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة من جرَّاء الغزو الفكريِّ والثَّقافي الذي تشهده المنطقة، ومعنى الطَّبقيَّة: مجموعة من المفاهيم الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة تقوم على أساس تقسيم المجتمع الواحد إلى مجموعات اجتماعيَّة هرميَّة، تتقارب كل مجموعة في الصِّفات والطِّباع، والمستوى الثَّقافيِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ، مما ينقسم معه المجتمع إلى الطَّبقة الدُّنيا من الفقراء، والطَّبقة العليا من الأغنياء، وبينهما طبقة قد تتواجد في مجتمع دون الآخر وهي الطَّبقة المتوسِّطة البينيَّة، وليس هذا التَّقسيم شكليًّا، بل يتعدَّى الشَّكليَّة إلى الواقعيَّة؛ فيُصبح للأغنياء أسلوب حياتهم، ومواقع سكنهم، وأنواع طعامهم وشرابهم، وكذلك علاقاتهم الاجتماعيَّة والسُّلوكيَّة والأخلاقيَّة، وينتج عن ذلك شعورهم بالعلوِّ على الآخرين، وتجبُّرهم في الأرض بغيًا وعدوانًا، وما وقعت الطَّبقيَّة في مجتمع بتدعيم من حكومته إلا تفشَّى الظُّلم والقهر والتَّعدِّي، وقد حارب الإسلام العظيم نظام الطَّبقيَّة بهذا المعنى فقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ ‌شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ} [الحجرات: 13] وقال النَّبيّ ﷺ: «‌شر ‌الطَّعام طعام الوليمة؛ يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله» متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (النكاح) باب: (من ترك الدَّعوة فقد عصى الله ورسوله) برقم: (5177) ومسلم في صحيحه، كتاب: (النكاح) باب: (الأمر بإجابة الدَّاعي إلى الدَّعوة) برقم: (1432) فالإسلام يمنع هذا، ويترتَّب عليه تسويد طبقة من المجتمع يكون فيها الحكم والرياسة والمناصب والقيادة وبيدها خزائن الدول، وبقيَّة الشُّعوب وغالبيتها من الفقراء الذين لا يملكون من أمر نفسهم شيئًا، ولا يحقُّ لهم ممارسة حقوقهم كما الأغنياء، وهذا عين الظُّلم، وغاية الإجحاف،؛ ولذلك تقع المفاسد العظمى في المجتمعات الَّتي تعتمد الطَّبقيَّة في سياساتها ونظمها الاجتماعيَّة. وللمزيد يُنظَر: مقال: الإسلام والصِّراع الطبقي، د. محمود باللي، منشور في مجلة الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة النبوية، العدد رقم: (3) الصَّادر ذو القعدة لعام: 1388هج.

(29) الإقطاعية: النِّظام الإقطاعي: نوع من أنواع الأنظمة الاقتصاديَّة والسياسيَّة الَّتي ظهرت في كلٍّ من أوروبا الوسطى والغربيَّة خلال فترة العصور الوسطى، وهو نظام يعتمد على ملكيَّة الأفراد من الطَّبقة الإقطاعيَّة للأراضي الَّتي تُشكِّل الوسائل الإنتاجيَّة، ومن ثَمَّ حرصهم على استغلال الفلاحين للعمل فيها؛ حيث كانت الأراضي في تلك الحِقبة الزمنِّية هي الوسيلة الأساسيَّة للإنتاج، وشملت الأملاك الإقطاعيَّة كُلَّا من أراضي القُرى والمدن، واستغلَّ الإقطاعيُّون الأرض والفلاحين الذين يُعانون من الفقر، كما حدّدَ هذا النِّظام نوعيَّة طبقات الأفراد في المجتمع؛ مما أدَّى إلى ظهور مصطلح المجتمع الإقطاعيِّ؛ وسمِّي بذلك نسبة إلى الإقطاعات وهي المساحات الشاسعة من الأراضي،؛ فهو نظام يعمل على تنظيم العلاقة بين السيد المالك والعامل المملوك من خلاله يعمل المملوك تحت يد الإقطاعي مقابل نسبة بسيطة من إنتاج الأرض، وهذا النِّظام يقوم على احتكار طائفة ثريَّة للأملاك، ومن ثَمَّ يقومون باستعباد الفقراء والمحتاجين للعمل فيها مقابل فتات يسير، مع طغيان المال وفساد الصِّلات المجتمعيَّة. وللمزيد من التفاصيل. يُنظَر: العادات والتقاليد في العهود الإقطاعيَّة، لعلي الزين، د.ط، بيروت، دار الفكر الحديث للطباعة والنشر، سنة: 2007م.

(30) الرأسماليَّة: النِّظام الرأسمالي: من الأنظمة الاقتصاديَّة العالميَّة، والَّتي تعتمد على فكرة الملكيَّة الخاصَّة لكافَّة العناصر الإنتاجيَّة، مما يساهم في تحقيق الأرباح الماليَّة، فهي نظام اقتصاديٌّ وسياسيٌّ يتحكَّم في كافَّة مكوِّنات اقتصاد دولة ما، فالبيئة الاقتصاديَّة الَّتي تعتمد على استثمار الملكيَّة الخاصَّة لوسائل الإنتاج، وتبادل الثَّروات، وتوزيعها على المالكين من الأفراد، والمؤسسات، والدول تعرف بالرأسماليَّة، وفيها تجويز للتَّعاملات الماليَّة بكل صورها؛ فتجوِّز الربا، والرِّشوة، والاحتكار، ونحوها، وليس فيه نظام التَّكافل الاجتماعي الذي حثَّ الدِّين كالزكوات والصدقات، وهذا نظام لا يتوافق مع منهج الإسلام العظيم الذي حرَّم التَّجاوز في شهوة المال بالوقوع في المخالفات وصور الإفراط. وللمزيد من التفاصيل يُنظر: معركة الإسلام والرأسماليَّة، لسيِّد قطب، ط.13، القاهرة، دار الشروق، سنة: 1414هـ/1993م.

(31) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبدالله القرطبي، (16/101).

(32) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (أحاديث الأنبياء) باب: (حدثنا أبو اليمان) برقم: (3470) ومسلم في صحيحه، كتاب: (التوبة) باب: (قبول توبة القاتل وإن كثر قتله) برقم: (46 - 2766) واللفظ له.

(33) يُنظَر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، (17/235).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله