الصِّدِّيق ودوره في الأمَّة
أبو بكر الصِّدِّيق هو [1]: عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرَّة بن كعب بن لؤيِّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان التَّيميُّ القرشيُّ رضي الله عنه، ويلتقي مع النَّبيِّ ﷺ محمد في الجدِّ السَّادس= (مُرَّة بن كعب)، وُلِد أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه في مكَّة سنة: (573م) بعد عام الفيل بسنتين وستَّة أشهر، وهو أصغر من النَّبيِّ بهذه المدَّة.
كان أبو بكر رضي الله عنه من أشراف مكَّة ووجهائها المعروفين، وكان مألوفًا ومقدَّرًا، وهو أحد العشرة الذين انتهى إليهم الشَّرف في قريش في الجاهليَّة ويُمثِّل بني تيم، وكان عالـمًا بالأنساب ولا يُفرِّق بين النَّاس عليها، بل يُعامل الجميع بلا تفرقة عُنصريَّة قبليَّة، وكان يعمل بالتِّجارة ويرحل في إقامتها ورواجها، عُرِف في مجتمعه بالكرم والسَّخاء، وكان من أعفِّ النَّاس في الجاهليَّة والإسلام؛ فلم يسجد لصنم قطُّ، ولم يشرب الخمر في الجاهليَّة ويقول: (أصون عِرضي وأحفظ مروءتي) رضي الله عنه.
أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه بين أهل السُّنَّة والشِّيعة [2]:
يضع أهل السُّنَّة والجماعة وغيرهم من الفرق الإسلاميَّة المعتدلة أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في مكانته التي يستحقُّها بناءً على ما ورد في القرآن الكريم وصحيح السُّنَّة، ويعتبرونه خليفة المسلمين عن استحقاق وجدارة، وأنَّه أولى النَّاس بها، وأنَّ الله قد اختاره للصُّحبة، وشرَّفه بالملازمة، وأعانه على البذل والتَّضحية من أجل الإسلام؛ فمقامه الصِّدِّيقيَّة وهو بعد رتبة الأنبياء والرُّسل، وبذلك يكون الصِّدِّيق رضي الله عنه أفضل رِجالات الأُمَّة الإسلاميَّة، وإنَّما اقتبس هذه المكانة الجليلة من حجم التَّضحيات التي قدَّمها؛ فالغُنم بالغُرم [3]، وقد أدرك هذا كلُّ مَن طالع سيرته العطرة رضي الله عنه بالمشاهدة والرُّؤية من الصَّحابة رضي الله عنهم الذين اجتمعوا به في عصر واحد، أو بالقراءة مِن الذين لم يحضروا زمنه، ولم يشهدوا أحواله بعيونهم، فقد أعجز أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه مَن جاء بعده في كلِّ مجال من مجالات الخير؛ في العلم، والإيمان، والعطاء، والدَّعوة، والقيادة، والحرب والسِّلم، والتَّواضع وهضم النَّفس، واللِّين في محلَّه، والشِّدَّة في موقعها، والحكمة في القول والفعل والانفعال، وتسخير الملكات والقدرات والأدوات لرفع راية الإسلام على كافَّة الأصعدة.
بينما يراه الشِّيعة الرَّوافض الإماميَّة الاثنا عشريَّة مُغتصِبًا للخلافة سلبها من مُستحقِّها عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فالخلافة عندهم= الإمامة الكبرى وهي أعلى منصب دينيٍّ لا تجوز إلَّا لأهل البيت وتكون تولية الخليفة أو الإمام بالنَّصِّ والتَّعيين، ويرون أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد عهِد بالخلافة إلى عليِّ رضي الله عنه، وما كان لأبي بكر رضي الله عنه أن يُنازعه رضي الله عنه في ذلك، وعليه فهم يُكفِّرونه مع جمهور الصَّحابة رضي الله عنهم، ويلعنونهم في صلواتهم وحسينيَّاتهم عامَّة، ويخصُّون العُمرين رضي الله عنهما بالإكثار من اللَّعنة، ويصفونهما بالجبت والطَّاغوت وبأوصاف أشنع وأبشع، ولايزال الشِّيعة في أيَّامنا هذه على عقيدة آبائهم في الصَّحابة رضي الله عنهم وفي الصِّدِّيق أبي بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما على وجه الخصوص، يُناصبونهم العداء الدَّفين، ولا يترضَّون عنهم، ولا يكفُّون عن لعنهم .
والله يشهد أنَّني بريء من هذا، ولا أرى في أصحاب نبيِّنا ﷺ إلَّا ما ورد في النُّصوص من تعديلهم، والتَّرضِّي عنهم، وإجلالهم وتقديرهم، وحسن الظَّنِّ بهم، والتَّوقُّف عن الخوض في الفتنة التي وقعت بينهم، وأرى مصيبهم مأجورًا بأجرين، ومخطئهم مأجورًا بأجر واحد، ولا أقول بعصمتهم من الخطأ أو المعصية؛ فلا عصمة إلَّا لنبيٍّ، ولا نبوَّة في الصَّحابة رضي الله عنهم بعد النَّبيِّ ﷺ، ووجه الجمع بين مُطلق ثنائي عليهم وعدم القول بعصمتهم أنَّهم ناصروا النَّبيَّ ﷺ ودعوته بكلِّ سبيل مع ثناء الوحي عليهم قرآنًا وسنَّة ببيان صدقهم وإيمانهم واستحقاقهم لرضوان الله تعالى عليهم، مع نفي العصمة عنهم لتمييزهم عن مقام النُّبوَّة، ولبيان اجتهادهم في وقع بينهم من اختلاف في أمور وقعت بعد موت النَّبيِّ ﷺ، فكلُّهم يُريد الحقَّ والخير سواء أصابه أو أخطأ في اختياره في أمر يُمكن فيه الاختلاف وتبايُن وجهات النَّظر التي بسببها كان الاختلاف، فلا ينبغي التَّشهير بهم، أو التَّنقُّص منهم، أو تكفيرهم وتفسيقهم لأمر اجتهدوا فيه فاختلفوا ممَّا يسع فيه الاختلاف؛ ولذلك أرى أنَّ حبَّهم وتقديرهم رضي الله عنهم دين يُدان به لله تعالى، وبغضهم والتَّنقُّص منهم أمارة النِّفاق الأظهر، والخطر الأكبر، ولو كنت معهم لبذلتُ نفسي في خدمتهم؛ ولـمَّا لم أُدرك زمنهم المبارك نذرتُ نفسي وما أملك من مال وولد ومعرفة للذَّبِّ عنهم، ودرء الانتقاص الموجَّه إليهم رضي الله عنهم، ودفع الشُّبهات التي حِيكت ضدَّهم رضي الله عنهم، ولا أترك مجالًا يُمكنني فيه نُصرتهم إلَّا بادرت إليه حبًّا وإجلالًا، ووفاءً وإكمالًا؛ فالمنَّة لهم على الأمَّة الإسلاميَّة في نُصرة النَّبيِّ ﷺ ورفع راية الدِّين، والمنَّة الأكمل لله تعالى.
صفات أبي بكر رضي الله عنه في زمن النُّبوَّة:
1 - الإيمان والتَّصديق: فهو أوَّل من آمن من الرِّجال، وصدَّق في زمن التَّكذيب، وموقف الإسراء شاهد على ذلك؛ فقد ضرب أبو بكر رضي الله عنه أروع الأمثلة في التَّصديق حتَّى لُقِّب بالصِّدِّيق، وكان يُسارع في تصديق النَّبيِّ ﷺ في كلِّ شيء يُخبر به من خبر السَّماء والأرض، ولم يُنازعه في مرتبته هذه أحدٌ؛ فقد أعجز مَن بعده؛ ووجه تميُّزه عن غيره أنَّه أوَّل من آمن وصدَّق وناصر في وقت قلَّ فيه النَّصير والمصدِّق، وكثر فيه العدوُّ المكذِّب، ولأنَّه تابع التَّصديق بالتَّحقيق من خلال الدَّعوة والنُّصرة والبذل الذي سجَّله التَّاريخ عنه.
2 - الصُّحبة والملازمة: ويتمثَّل هذا في الصُّحبة المكِّيَّة والمدنيَّة وما بينهما في الهجرة التي اختصَّ بها، ولم يكن مع النَّبيِّ ﷺ في هذه الرِّحلة سواه، فقد امتاز عن عموم الصَّحابة رضي الله عنهم بأنَّه رافق النَّبيَّ ﷺ في الغار وطريق الهجرة من البدء إلى الختام؛ وقد عبَّر القرآن الكريم عن الصُّحبة في ثمانية مواضع فكان في أعلاها صحبة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه للنَّبيِّ ﷺ قال الله تعالى: {إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ} [التوبة: 40] ويليها صحبة الوالدين؛ وذلك في قوله الله تعالى: {وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ} [لقمان: 15] ومَن ثبتت صُحبته بالقرآن الكريم للنَّبيِّ ﷺ لا يُمكن أن تُنقض الصُّحبة بأقوال الشَّانئين المارقين، وقد استدلَّ بعض العلماء على أحقِّيَّة أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة بعد النَّبيِّ ﷺ بإشارات من النَّبيِّ ﷺ نفسه؛ ومن ذلك: اختصاص أبي بكر رضي الله عنه بالصُّحبة في الغار والهجرة، والتَّقديم في الصَّلاة زمن مرض النَّبيِّ ﷺ، مع كثرة الثَّناء عليه من النَّبيِّ ﷺ، وبيان أنَّ الصِّدِّيق أمنُّ أصحابه رضي الله عنهم، وأنَّه قد كافأ كلَّ من له على الدَّعوة يدٌ إلَّا أنَّه ترك مكافأة أبي بكر رضي الله عنه لله تعالى، وأنَّ كلَّ باب إلى المسجد النَّبويِّ يُسدُّ إلَّا باب أبي بكر رضي الله عنه فقال ﷺ: «لا يَبقَيَنَّ في المَسجد خَوْخةٌ إلَّا خَوْخةُ أبي بكرٍ» [4] فرأى بعض العلماء في ذلك وأمثاله [5] تلميح بأحقِّيَّته بالخلافة وإمامة المسلمين بعد موت النَّبيِّ ﷺ لكلِّ ما ورد بحقِّه من نصوص.
3 - النُّصرة والدِّفاع والبذل للدِّين: ويتجسَّد ذلك في مُساندة النَّبيِّ ﷺ في كلِّ مواقف الأمَّة، فلم يترك الصِّدِّيق رضي الله عنه بابًا يُنصر فيه النَّبيُّ ﷺ والإسلام إلَّا أتاه، فقد دافع عن النَّبيِّ ﷺ بكلِّ بسالة وتضحية وتفانٍ، وطوَّع في سبيل تحقيق ذلك نفسه وأهله وماله ووجاهته، ويظهر ذلك من بذله للهجرة بتجهيز الدَّابَّتين والطَّعام والشَّراب، والسَّير في كلِّ جانب بجوار النَّبيِّ ﷺ خشية الغدر به من كفار قريش، ودخول الغار لتفقُده وتنظيفه قبل دخول النَّبيِّ ﷺ، وتعاون أهل بيته في تقديم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما الطَّعام في نطاقها، ونقل عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما أخبار قريش للنَّبيِّ ﷺ وهو في الغار، ويتجسَّد بذل أبي بكر الصِّدِّيق في خروجه من ماله كلِّه وإنفاقه في سبيل الله تعالى، وهو أمر ثقيل إلَّا على مؤمن صادق، مع كثرة الإنفاق في عتق الرِّقاب وشراء العبيد وإطلاق سراحهم، ويتجلَّى ذلك في تخليص بلال بن رباح رضي الله عنه [6] وغيره، وقد كان يتوجَّه إلى الضَّعفاء أكثر فقال له أبوه: "يَا بُنيَّ، إنِّي أراك تُعتق رقَابًا ضِعافًا، فلو أنَّك إذ فعلت ما فعلت أعتقتَ رجالًا جُلْدًا= (أقوياء) يمنعونك ويقومون دونك؟! فقال له الصِّدِّيق أبو بكر رضي الله عنه: "يا أبت، إِنِّي أريد ما أرِيد" [7].
4 - الدَّعوة إلى الإسلام: فقد تحمَّل الصِّدِّيق أبو بكر رضي الله عنه همَّ الدَّعوة إلى الدِّين وتوجيه كلِّ ملكاته ومهاراته ووجاهته في خدمة الدَّعوة لمشاركة النَّبيَّ الهمَّ والمسئوليَّة، ويظهر ذلك في إسلام ستَّة من العشرة المبشَّرين بالجنَّة على يديه رضي الله عنهم، وهم: (عُثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزُّبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرَّحمن بن عوف، وبلال بن رباح) وغيرهم الكثير رضي الله عنهم.
صفات أبي بكر رضي الله عنه في زمن الخلافة الرَّاشدة:
1 - الثَّبات في النَّوازل: ويتجلَّى ذلك في موقفه الثَّابت يوم وفاة النَّبيِّ ﷺ؛ فقد ثبَّت الله به المؤمنين في هذه المحنة العظيمة التي لم يستطع الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أن يصمد أمامها حتى قال قولته المشهورة: "إنَّ رجالًا من المنافقين يزعمون أنَّ رسول الله ﷺ قد توفِّي، وإنَّ رسول الله ما مات، ولكنَّه ذهب إلى ربِّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثمَّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعنَّ رسول الله ﷺ كما رجع موسى، فليقطعنَّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنَّ رسول الله ﷺ مات" وحينها وقعت حِيرة كبيرة بين الصَّحابة رضي الله عنهم بين مُصدِّق بالأمر ومكذِّب له، وأقبل أبو بكر رضي الله عنه فدخل على النَّبيِّ ﷺ وقبَّله بين عينيه وقال: "طبت حيًّا وميِّتًا يا رسول الله ﷺ، والله لا يُذيقنَّك الله الموت مرَّة أخرى" ثمَّ خرج على النَّاس فاستسكت عمر وقال: "أيُّها النَّاس، من كان يعبد محمَّدًا فإنَّ محمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت، ثمَّ قرأ قول الله فنزلت الآية على الصَّحابة رضي الله عنهم كأنَّهم يسمعونها لأوَّل مرَّة، واستسلم الجميع لما ذكره الصِّدِّيق أبو بكر رضي الله عنه [8].
ومن المواقف الأخرى التي ثبَّت الله تعالى فيها الأمَّة بأبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مكان دفن النَّبيِّ ﷺ فمِن قائل يُدفن ﷺ في البقيع مع أصحابه رضي الله عنهم، ومن قائل يُدفن في مسجده ، فكان الرَّدُّ الفَصل عند أبي بكر رضي الله عنه حين قال: "في المكان الذي قبض الله فيه روحه ﷺ، فإنَّ الله لم يقبض روحه إلَّا في مكان طيِّب" [9] فقام الصَّحابة رضي الله عنه بالحفر تحت فراش النَّبيِّ ﷺ ودُفن في حجرته الشَّريفة، وهذا يدلُّ على تقدُّم أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في إدارة الأزمات بالحكمة والعلم وثبات القلب، وليست هذه المنزلة لكلِّ أحد، بل هي لمن اصطفاه الله تعالى لها.
ولم يُصلِّ الصَّحابة رضي الله عنهم على النَّبيِّ ﷺ جماعة، بل صلَّوا عليه فُرادى؛ لأنَّهم كرهوا أن يتقدَّم أحد للإمامة والصَّلاة بين يديه لمقامه وإجلاله وهيبته، ولئلَّا يُفهَم منه تقدُّمه على النَّاس جميعًا ليشغَل مكان رسول الله ﷺ، لاسيَّما والمسلمون لم يتَّفقوا على خليفة رسول الله ﷺ بعدُ، فتركوا صلاة الجنازة في جماعة لذلك، وحرصًا على تحصيل البركة بالصَّلاة عليه ﷺ استقلالًا.
2 - تأسيس الخلافة الرَّاشدة: ويتجلَّى موقفه القويُّ في سقيفة بني ساعدة حيث قبِلها وتحمَّلها، وقد اجتمع الأنصار وقدَّموا سعد بن عبادة رضي الله عنه ليكونوا أميرًا وقائدًا خلفًا لرسول الله ﷺ؛ لأنَّهم يرون أنَّهم أولى النَّاس بخلافة رسول الله ﷺ لأنَّهم ناصروا الإسلام واحتضنوا النَّبيَّ ﷺ ودعوته حتى أعزَّ الله تعالى الدِّين ونصر الشَّريعة، وقد جاءهم المهاجرون رضي الله عنهم من مكَّة فاستقبلوهم وأحسنوا إليهم، ووقع التَّآخي بينهما، فكانوا يرون أنَّ مواقفهم الكثيرة التي قدَّموها للإسلام كافية في أهليَّتهم لهذه المهمَّة؛ وإنَّما تعجَّلوا ذلك لئلَّا يفرغ مقام القيادة من قائد فيلتفَّ المنافقون والأعداء من الرُّوم وغيرهم على الأمَّة الإسلاميَّة؛ فالعدوُّ من كلِّ ناحية يتربَّص بهم، وحين علم عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بأمر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة أخبر أبا بكر رضي الله عنه وانطلقا لحضور هذا الاجتماع المصيريِّ وكان قبل دفن النَّبيِّ ﷺ، ولقيا في الطَّريق أبا عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه فكان معهما، فأقبل ثلاثتهم على السَّقيفة، وقام أبو بكر رضي الله عنه وتكلَّم ورشَّح أحد صاحبيه، ثمَّ قام عمر رضي الله عنه وقال قولته التي حسمت نصف النِّقاش: "أتطيب أنفسكم أن تُقدِّموا أحدًا على من قدَّمه رسول الله ﷺ للصَّلاة بالنَّاس؟!" فقال الأنصار رضي الله عنهم: "نعوذ بالله أن نتقدَّم على أبي بكر" وقال أبو بكر رضي الله عنه: "ولقد علمت يا سعد أنَّ رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: "قريش وُلاة هذا الأمر؛ فبرُّ النَّاس تبع لبرِّهم وفاجرهم تبع لفاجرهم" فقال له سعد رضي الله عنه: "صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء" ثمَّ قام عمر رضي الله عنه فبايع أبا بكر رضي الله عنه وتوالى النَّاس يُبايعونه، وسلَّم الله تعالى المجتمع المسلم من فتنة عظيمة كادت تعصف بالأمَّة لولا أنَّ الله سلَّم [10].
3 - الفتوحات الإسلاميَّة: ويتجلَّى في تجهيزه الجيوش التي خرجت من المدينة المنوَّرة لمواجهة جيوش الرُّوم وتأمين الشَّام وتطهيرها لمكانتها وبركتها ففيها المسجد الأقصى، ولأنَّ تجارة العرب تمرُّ بها؛ فكان لابدَّ من إزالة خطر الرُّوم والفرس في هذه المنطقة؛ للزَّحف والتَّوسُّع وتأمين رقعة الدَّولة الإسلاميَّة، وإثبات قوَّتها في مواجهة جحافل الفرس والرُّوم، وكانت الفتوحات الإسلاميَّة التي تمَّت في عهد أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه مقدِّمة للفتوحات التي كثرت بعد ذلك في عهد الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وعلى الرَّغم من قلَّة زمن خلافة الصِّدِّيق رضي الله عنه - حيث لم تتجاوز سنتين وثلاثة أشهر - تحقَّق على يد الجيوش في عهده فتح الأمصار والبلاد التي كانت تحت فارس والرُّوم.
وممَّا حرص عليه الصَّحابيُّ الجليل رضي الله عنه إنفاذ جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ فقد جهَّزهم النَّبيُّ ﷺ وأمرهم بالانطلاق إلى تخوم البلقاء لمقاتلة الرُّوم البيزنطيِّين الذين قتلوا قادة معركة مؤتة رضي الله عنهم: (زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحة) الذين استشهدوا في غزوة مؤتة [11]، والتي كانت سنة: (8ه) وهي أوَّل غزوة خارج حدود شبه الجزيرة العربيَّة، قاتل فيها ثلاثة آلاف مقاتل مسلم مئتي ألف من الرُّوم والقبائل العربيَّة الحليفة لهم [12]، وتشجَّع الصَّحابة رضي الله عنهم على القتال [13]، واستمرَّت المعركة ستَّة أيَّام في صراع مُستميت وقتال عنيف حتى قُتل قادة المعركة الثَّلاثة [14]، وخلفهم خالد بن الوليد رضي الله عنه والذي استطاع أن ينسحب انسحابًا رشيقًا سلمت معه البقيَّة الباقية من جند المسلمين، فأراد النَّبيُّ ﷺ أن يُرسَل جيشًا بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما للثَّأر من الرُّوم، وتأمين حدود الدَّولة الإسلاميَّة، والتَّوسُّع في نشر الإسلام، والزَّحف تجاه بيت المقدس لتخليصه من يد الرُّومان، وبالفعل خرج الجيش بقيادة الحِبِّ ابن الحبِّ أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما، ولكنَّ مرض النَّبيِّ ﷺ ثمَّ موته حال بينهم وبين الاستمرار فرجعوا من طريقهم لهذا الخَطب الجلل، ولما وقع بعد موت النَّبيِّ ﷺ من ردَّة جماعيَّة لأكثر العرب، وظهور مدَّعي النُّبوَّة، فرجع الجيش لمواجهة المستجدَّات على السَّاحة المحيطة.
بعد دفن النَّبيِّ ﷺ واستقرار المدينة بمبايعة الخليفة الرَّاشد أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه قام بإنفاذ جيش أُسامة على الرَّغم من كثرة ما يُحيط به من القلاقل والعدوات والمكائد بالرِّدَّة وادِّعاء النُّبوَّة، ممَّا حمل بعض الصَّحابة رضي الله عنه على مطالبة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه بتأخير خروج جيش أسامة رضي الله عنهما لحين استتباب أمر الدَّولة ودرء الهجمات الوليدة والمستجدَّات الحديثة، فامتنع وأصرَّ على إنفاذ جيش أُسامة رضي الله عنهما [15]؛ حرصًا على تنفيذ أمر النَّبيِّ ﷺ، ويقينًا في أنَّ النَّصر لا يكون مع عصيان أمره ﷺ، وتوفيقًا من الله تعالى وتثبيتًا، وبالفعل خرج جيش أُسامة رضي الله عنهما ليُصبح مرعبًا لكلِّ جبهة يمرُّ عليها من المجتمع المحيط بالمدينة [16]؛ فشاع فيهم الرُّعب والهلع والخوف من كثرة العدد الموجَّه لقتال الرُّوم، وأدركوا أنَّ مَن بالمدينة أكثر ممَّن خرج للقتال، فانتظروا دون هجوم على المدينة خوفًا وأملًا في أن تقضي جحافل الرُّوم على جيش المسلمين، ولكنَّهم صُدموا حين رأوا عودة الجيوش منتصرة غالبة غانمة بعد نحو سبعين يومًا، وجهَّزهم أبو بكر رضي الله عنه مع من بالمدينة ومن جهَّزهم لقتال المرتدِّين؛ فجمع الله بذلك للصِّدِّيق رضي الله عنه بين طاعة نبيَّه بإنفاذ جيش أُسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما، والعودة للمدينة قبل نشوب المعارك في حروب الرِّدَّة، وهي بركة من بركات السَّمع والطَّاعة لله تعالى ورسوله ﷺ.
وهذا درس من أعظم دروس النَّصر والتَّمكين؛ فإنَّ الأمَّة لا تنتصر بغير الطَّاعة؛ فالعدوُّ في جلِّ المعارك التي تخوضها الأمَّة أكثر عُدَّة وعتادًا وقوَّة حسِّيَّة، ولا يُمكن للمسلمين أن يفوقوهم في هذا، ولكنَّهم يملكون ما لا يملك، فالقوَّة المعنويَّة المتمثَّلة في الإيمان والتَّصديق والطَّاعة والأخذ بالمقدور عليه من وسائل الإعداد هو سرُّ النَّصر الحقيقيِّ، فبه ينتصر المسلمون على عدوِّهم في كلِّ زمان ومكان، وبدونه يتفوَّق العدوُّ عسكريًّا وينتصر؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104] وهذا هو سرُّ انتصار جيش المسلمين تحت راية المسارع في طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه.
كانت العراق تحت سلطان الفرس - وكانت بمثابة المركز السِّياسيِّ والاقتصاديِّ للإمبراطوريَّة الفارسيَّة السَّاسانيَّة - فأرسل أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه جيشًا بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بلاد العراق فسقط معظمها - من ناحية غرب نهر الفرات - في أيديهم بعد معارك ضارية في المذار والولجة وكاظمة، انتصرت فيها الجيوش وتحقَّقت لهم المكاسب والغنائم، ودانت لهم البلاد بالحكم والجزية كـ: (الحِيرة، والأنبار، ودومة الجندل، وبانقيا، وباروسما، أمغيشيا) واستكمل خالد بن الوليد رضي الله عنه كامل العراق، وبعد أن انتُدب إلى الجبهة الشَّاميَّة هجم الفرس على العراق فاستردُّوا بعضها، فجاء من بعده سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه فاستردَّ ما فُقد منها في معركة القادسيَّة سنة: (15ه) في خلافة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وقُضي على الإمبراطوريَّة الفارسيَّة السَّاسانيَّة: (23ه).
أرسل أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه جيشًا بقيادة أبي عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه إلى الشَّام وكانت تحت سلطان الرُّوم، فدارت المعارك والحروب كاليرموك، وأجنادين، ومرج الصُّفَّر، وفتح الله تعالى على أيديهم: (البلقاء، وتدمُر، وبُصرى، والقريتين) ووصلت الجيوش إلى حدود دمشق وفلسطين، والتي كانت حاضرة وبقوَّة في خطَّة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه التَّوسُّعيَّة بالفتح؛ فقد أرسل جيشًا من سبعة آلاف مقاتل بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى فلسطين - وكانت مستقرَّا لهرقل الرُّوم مع أنطاكيه، وبها تمركز كبير من الجند يصل إلى نحو سبعين ألف مقاتل - وأمره أن يسلك طريق ساحل البحر الأحمر حتى يصل إلى بيت المقدس بهدف تحريرها من الرُّومان البيزنطيِّين، وبالفعل خرج الجيش الرَّابع من المدينة في: (3 محرَّم سنة: 13ه) واصطدم أثناء تقدُّمه بقوَّات بيزنطيَّة فهزمها، وفتح جانبًا من فلسطين الشَّرقيَّة والجنوبيَّة، ثمَّ توجَّه إلى بيت المقدس، وانضم تحت لواء خالد بن الوليد رضي الله عنه في معركة أجنادين التي وقعت بين المسلمين والبيزنطيِّين، وهي أوَّل لقاء كبير بين جُيوش الخلافة الرَّاشدة والرُّوم البيزنطيِّين في الصِّراع على الشَّام.
4 - حروب الرِّدة وما تبعها: فقد حارب العرب المانعين للزَّكاة، وقاتل مدَّعي النُّبوَّة وقضى على الفتنة التي كادت تعصف بالدِّين عصفًا؛ فقد ارتدَّ جلُّ العرب من حول الدَّولة الإسلاميَّة بعد موت النَبيِّ ﷺ ورفضوا دفع الزَّكاة والخضوع لسلطان الدِّين في الأحكام الشَّرعيَّة وتحريم المحرَّمات، وادَّعى أفراد منهم النُّبوَّة عصبيَّة وحميَّة وقبليَّة وطمعًا في شُهرة وزعامة مكذوبة، وحينها أيقن الصِّدِّيق رضي الله عنه أنَّه أمام خطر وجوديٍّ يقصد منه المرجفون استئصال الإسلام؛ مستغلِّين موت النَّبيِّ ﷺ كحدث اهتزَّت له الدَّولة في إحداث العصيان والتَّمرُّد لزعزعة الاستقرار الذي تحرص عليه الخلافة الرَّاشدة بقيادة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، وهنا ظهرت حكمته في اتِّخاذ قرار الحرب والتَّصدِّي لهذه الموجة العنيفة من الرِّدَّة؛ فقرَّر قتال من فرَّق بين الصَّلاة والزَّكاة، وحارب مدَّعي النُّبوَّة، وأظهره الله تعالى عليهم بجند صالحين صادقين صامدين معه على الإيمان.
5 - جمع القرآن الكريم في مصحف واحد: بعد موقعة اليمامة وموت عدد من القرَّاء أشار الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه على الصِّدِّيق أبي بكر رضي الله عنه بجمع القرآن الكريم في مصحف واحد؛ خشية موت القرَّاء واندساس الأعداء في صفوف الأمَّة لتوجيه يد التَّحريف أو التَّنازع بين المسلمين في شيء منه، فكانت الفكرة وقائيَّة واحترازيَّة، فقد مات النَّبيُّ ﷺ والقرآن الكريم محفوظ بين يدي الأمَّة على العسب والأوراق والجلد والعظم واللِّحاف والأضلاع والأقتاب، لكنَّه لم يكن مجموعًا في مصحف واحد، فكان الهدف من الجمع الأوَّل (النَّبويِّ)= حفظه بمجموعه ولو تعدَّدت الأوعية الحافظة له؛ بهدف البلاغ وإكمال الرِّسالة وتمام الأداء، وفي الجمع الثَّاني (البكريِّ)= حفظه في وعاء واحد له بداية ونهاية؛ بهدف صيانته من التَّحريف والضَّياع، وفي الجمع الثَّالث (العُثمانيِّ)= حفظه بتمييز القراءات المتواترة؛ لئلَّا يختلف المسلمون على قراءته، مع إثبات ما اتُّفق على قرآنيَّته وضبط طرق الأداء، وقد شرح الله تعالى صدر أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه لمطلب الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فأمر زيد بن ثابت بجمع القرآن الكريم؛ وبذلك حُفظ على الأمَّة كتابُها السَّماويُّ مصدر عزَّتها وفخرها ومجدها.
6 - استخلاف الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: حيث أوصى بأن تكون الخلافة من بعده في عمر رضي الله عنه لاستحقاقه وتمام أهليَّته، مع حسن صُحبته للنَّبيِّ ﷺ، فكان هو الأجدر والأليق بالخلافة من بعده، وهذا الدَّور من أعظم الأدوار التي قدَّمها الخليفة الرَّاشد أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه للأمَّة الإسلاميَّة، وكانت سِمة في سياسته الرَّاشدة = حسن اختيار الولاة والقادة الذين يولِّيهم المسئوليَّة، وهذه رُمانة ميزان النَّصر.
منهج أبي بكر في الحكم والقيادة: يتجلَّى منهجه في خطبه التي نُقلت عنه، ومن ذلك ما ورد في أعقاب تولِّيه: "أمَّا بعدُ: أيُّها النَّاس، فإنِّي قد ولِّيت عليكم ولست بخيركم [أيُّها النَّاس إنَّما أنا متَّبع ولستُ بمبتدع] فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوِّموني، [فإنِّي ولِّيتُ هذا الأمر وأنا له كاره، ووالله لوددتُّ أنَّ بعضكم كفانيه، ألا وإنَّكم إن كلَّفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله ﷺ لم أقم به، كان رسول الله عبدًا أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنَّما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم] الصِّدق أمانة، والكذب خيانة، والضَّعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أُرجع عليه حقَّه إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيف حتَّى آخذ الحقَّ منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلَّا ضربهم الله بالذُّل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلَّا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله ﷺ، فإذا عصيتُ الله ورسوله ﷺ فلا طاعة لي عليكم" [17].
منهج أبي بكر في إدارة الحروب: "يا أيُّها النَّاس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنِّي: لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا أو شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلَّا لمأكلة، وسوف تمرُّون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم في الصَّوامع فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له، وسوف تقدُمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطَّعام فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقوامًا قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسَّيف خفقًا، اندفعوا باسم الله".
معالم دور الصِّدِّيق في صناعة الأمَّة كالآتي:
1 - الثَّبات في النَّوازل وحسن الرَّأي، والأخذ بمبدأ الشُّورى، وعدم الانفراد بالقيادة والقرارات المصيريَّة، بل إشراك العقلاء والفقهاء.
2 - الحفاظ على وحدة المجتمع المسلم وعدم تفرُّقه بجمعهم على خليفة واحد، وتوحيد رايته؛ فالقوَّة في الاتِّحاد والاعتصام، والضَّعف في الفُرقة.
3 - الحفاظ على تمسُّك المجتمع المسلم بالإسلام من خلال حروب الرِّدَّة وإعادة المارقين إلى حدود الإسلام، وعدم التَّهاون في إقامة الدِّين.
4 - محاربة الفتن والضَّلال والأراجيف من خلال قتال مدَّعي النُّبوَّة؛ لسلامة العقيدة، والحِفاظ على الدِّين كما تركه النَّبيُّ ، فالانحراف به عن منهج النَّبيِّ انجراف وضياع.
5 - التَّوسُّع في نشر الإسلام بالفتوحات الإسلاميَّة التي امتدَّت في عهده فقويت الأمَّة الإسلاميَّة وامتدَّت خارج شبه الجزيرة العربيَّة، وجاء مَن بعده فأكمل مسيرته التَّوسُّعيَّة لنشر الخير والإسلام.
6 - جمع الأمَّة الإسلاميَّة على مصدر قوَّتها من خلال جمع القرآن الكريم لئلَّا يطاله شيء من التَّحريف والأذى؛ فالحفاظ على مصدريَّة الإسلام تمنع من الضَّياع والتَّشتُّت كما حصل لليهود والنَّصارى بالتَّحريف والتَّزييف.
7 - حسن اختيار القادة في المعارك والولاة في الممالك لقيادة الأمَّة بتقديم الأكفاء القادرين؛ فإنَّ نسبة الأمر إلى أهله تحفظ الدِّين والدُّنيا.
8 - حسن متابعة أمور الخلافة والرَّعيَّة والقيام فيهم بالعدل والإنصاف فاستقام الدَّاخل واتَّحدت الكلمة، وأحسَّ النَّاس بالرَّحمة والعدالة فبذلوا أرواحهم من أجل المحافظة على دولتهم.
9 - رسم طريق الحكم العادل والذي سار عليه من بعده حتى تحقَّق النَّصر والتَّمكين، فعلى منهجه سار الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وهكذا من جاء بعده حتى انتشر الإسلام واتَّسعت رُقعة دولته.
10 - تربية الجيل على أصل الإسلام وتحميله المسئوليَّة الكاملة تجاه دينه من خلال البذل والتَّضحية من أجل نصره ورفع رايته.
11 - التَّرسيخ لمعاني الرَّحمة والإسلام في الحروب والغزوات والمعارك فلانت لهم البلاد والعباد، فما لم يُفتح بالسَّيف فُتِح بالصُّلح وأخلاق المجاهدين التي تأسر كلَّ من يراها فلا يملك إلَّا الاستسلام.
12 - التَّخلِّي عن النَّفس والحول وصدق اللُّجوء إلى الله تعالى وطلب العون منه، فالاطِّراح بين يديه والتَّضرُّع إليه من أعظم الأسلحة التي يغفل عنها الفرد المجموع، وأعقل النَّاس من قصد الله تعالى في جميع أمورد دقيقها وجليلها.
(1) الصِّدِّيق أبو بكر رضي الله عنه من أكثر مَن تُرجم له من الصَّحابة لمكانته في الإسلام، وقربه من النَّبيِّ مودَّة ورحمًا ومصاهرة ونصرة، فاعتنى أهل السِّير والتَّراجم بتناول شخصيَّته المباركة من جوانب متنوِّعة؛ لكثرة مناقبه وفضائله وأخباره وأحواله ، وقد استحقَّ أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه وبجدارة أن يكون خليفة للمسلمين بعد موت النَّبيِّ ﷺ، رجل أعجز مَن بعده في إيمانه وتصديقه وحبِّه للإسلام؛ فلنعرف له قدره .
ويُمكن قراءة ترجمته وافية في:
1 - سير أعلام النُبلاء لشمس الدِّين محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهبيِّ، (ت:748هـ)، تح: مجموعة من المحقِّقين بإشراف الشَّيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسَّسة الرِّسالة، ط: (3/1405هـ).
2 - الإصابة في تمييز الصَّحابة رضي الله عنهم، لشهاب الدِّين أبي الفضل أحمد بن عليِّ بن حجر العسقلانيِّ الشَّافعيِّ، (ت:852هـ)، تح: عادل أحمد عبد الموجود، وعليِّ محمد معوَّض، دار الكتب العلميَّة - بيروت، ط: (1/1415ه)، (4/144).
وهناك كتب أُفردت له نحو:
1 - سيرة أبي بكر الصِّدِّيق شخصيَّته وعصره رضي الله عنه، للدكتور علي محمد الصَّلَّابيِّ، مؤسَّسة اقرأ للنَّشر والتَّوزيع - القاهرة، ط: (1/1427=2006م).
2 - خلاصة التَّحقيق في سيرة ومناقب أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، خالد محمد الهادي التِّريكيِّ، دار الكتب العلميَّة - بيروت، ط: (1/2009م).
3 - سيرة العتيق؛ دراسة مُحقَّقة لسيرة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، لموسى بن راشد العازميِّ، دار الصُّميعيِّ للنَّشر والتَّوزيع، ط: (1/2016م).
(2) إنَّ الشِّيعة الإماميَّة الاثنا عشريَّة من أعتى الفرق الإسلاميَّة على الالتحام والانسجام مع عموم المسلمين لما عندهم من طوامٍّ جسام، وأقوال يُرفع لها الحُسام؛ ومن أعظم شططهم وجنوحهم عن الحقِّ= قولهم في الصَّحابة رضي الله عنهم عامَّة وفي الصِّدِّيق والفاروق رضي الله عنهما خاصَّة قولًا نكرًا، ويزيدهم ثقلًا قولُهم في القرآن الكريم بالتَّحريف، وفي نساء النَّبيِّ ﷺ بالتُّهمة التي يُنزهون نساءهم منها، وتكفيرهم عموم النَّاس إلَّا من كان من شيعتهم، وتعظيمهم للأيمَّة من آل البيت ، وتوقيف الجمُعات، ومعاداة أهل السُّنَّة وتعريفهم بالنَّواصب، واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وقولهم بالمتعة وبقاء حكمها، فهم قوم أسرفوا على أنفسهم في تحمُّل ما يهلكون ببعضه؛ فكيف وقد اجتمع في دينهم شرٌّ كثير؟!
وممَّا لاحظته من خلال الدِّراسة أنَّ مُعاداة الشِّيعة لأبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه وجمهور الصَّحابة رضي الله عنهم امتدَّ مع الشِّيعة إلى قادة المسلمين وخاصَّة قادة الفتح؛ فالمتتبِّع لما سيأتي بيانه من علاقة الشِّيعة بالفاروق عمر رضي الله عنه ومن معه، وكذلك علاقتهم بقادة الفتح من نظام الملك الطُّوسيِّ، والزِّنكيِّين، والأيُّوبيِّين، فلم يسلم أحد من مكائدهم وغدرهم، وفرقة الحشَّاشين الإسماعيليَّة الشِّيعيَّة هي مَن باشرت قتل كثير منهم، ومازال الشِّيعة في كلِّ زمان يتعاونون مع العدوِّ لإسقاط البلاد في يد العدوِّ.
(3) قاعدة فقهيَّة: (الغُرم بالغُنم) تُذكر في باب الضَّمان في المعاملات الماليَّة، وتبيِّن أنَّ المرء يتحمَّل مسئوليَّة الضَّمان للشَّيء على قدر ما يكون له فيه من مَغنم يحصل من خلاله عليه؛ فكلَّما ارتفعت مكانة المرء وانتفع من الشَّيء عظُمت مسئوليَّته تجاه المحافظة عليه والارتقاء به؛ فيضمن إذا تلف أو فسد بذات النِّسبة التي له لو تحقَّقت المكاسب؛ فالخسارة تُقدَّر بقيمة المسئوليَّة تجاه الشَّيء، وتُعرَف هذه القاعدة بـ: (الخراج بالضَّمان) وهي مُضمَّنة في حديث عائشة رضي الله عنها: "أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الخراج بالضَّمان" حسن: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (البيوع) باب: (فيمن اشترى عبدًا فاستعمله، ثمَّ وجد به عيبًا) برقم: (3508) وما بعده، والتِّرمذيُّ في جامعه، أبواب: (البيوع) باب: (ما جاء فيمن يشتري عبدًا، ثمَّ يجد به عيبًا) برقم: (1285) وقال: "هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي هذا الحديث من غير هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم"، والنَّسائيُّ في سننه، كتاب: (البيوع) باب: (الخراج بالضَّمان) برقم: (6037)، وابن ماجه في سننه، أبواب: (التَّجارات) باب: (الخراج بالضَّمان) برقم: (2243).
وهذه القاعدة العظيمة تحفظ الأغراض والأشياء والحقوق، وتُعيِّن درجات المسئوليَّة الذَّاتيَّة والجماعيَّة؛ لذلك لا تُقاس مسئوليَّة الأمير أو السُّلطان أو الحاكم بمسئوليَّة عامَّة شعوبهم؛ فالأمير راعٍ، ورعايته لمن ولَّاه الله تعالى عليهم واجب في عُنقه؛ سيسأله الله تعالى عن كلٍّ منهم؛ والقاعدة الفقهيَّة: (الزَّعيم غارم) فموقعه موقع غُرم ومُساءلة، وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «ألا كلُّكم راع، وكلُّكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على النَّاس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرَّجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيِّده وهو مسئول عنه، ألَا فكلُّكم راع، وكلُّكم مسئول عن رعيَّته» متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الجمعة) باب: (الجمعة في القرى والمدن) برقم: (893)، وكتاب: (الاستقراض) باب: (العبد راع في مال سيِّده ولا يعمل إلَّا بإذنه) برقم: (2409)، وكتاب: (العتق) باب: (التَّطاول على الرَّقيق) برقم: (2554)، وبرقم: (2558)، وكتاب: (الوصايا) باب: (تأويل قول الله تعالى: من بعد وصيَّة يُوصي بها أو دين) برقم: (2751)، وكتاب: (النِّكاح) باب: (قوا أنفسكم وأهليكم نارا) برقم: (5188)، وباب: (المرأة راعية في مال زوجها) برقم: (5200)، وكتاب: (الأحكام) باب: (قول الله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرَّسول وأولي الأمر منكم) برقم: (7138)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الإمارة) باب: (فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر) برقم: (1829).
ولـمَّا كان الغُرم بالمسئوليَّة والموقعيَّة والمكانة والصِّلة كان الغُنم بها أيضًا؛ فتكون للغارم بالموقعيَّة الغنيمة بها؛ فالرَّجل له القوامة على امرأته بما جعله الله تعالى له من مكانة تحمُّل المسئوليَّة، والإنفاق عليها، وإصلاح شأنها، وتدبير حاجاتها، ورعاية دينها، وتقويم أخلاقها، والقيام على أمرها، ومن أجل هذا وجبت طاعته، وعظمت مكانته؛ قال تعالى: {ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ} [النساء: 34] قلتُ في القواعد الذَّهبيَّة: "والمقصود من قوامة الرَّجل على زوجته: قيامه عليها بالأدب الحسن والتَّدبير، والحفظ والصِّيانة، وتولَّي أمرها، وإصلاح حالها، والأمر والنَّهي فيما ينفعها، كما يقوم الولاة بالأمر والنَّهي على الرَّعايا، فقيِّم المرأة ومن له القوامة عليها هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدِّبها إن ظهر ما يُوجب ذلك، وإنَّما كانت له القوامة لما فضَّله الله تعالى به في أصل الخِلقة، فالرَّجل أُعطِي من الحول والطَّول والقوَّة ما لم تُعط المرأة؛ فلأجل ذلك كان التَّفاوت في التَّكاليف والأحكام والحقوق والواجبات مرتَّبًا على ذلك التَّفاوت والاختلاف في الطَّبائع والفطر، فالتَّكليف على قدر القُدرة، وأيضًا لما كُلِّف به تجاهها من الإنفاق والرِّعاية الماليَّة؛ فالرَّجل مُتحمِّل للنَّفقة، باذلٌ للمهر، مسئول عن أمور كثيرة؛ فاختصاص الرِّجال بهذه الأحكام جاء نتيجة استعدادهم الجبليِّ الذي خصَّهم الله به؛ فالرَّجل الذي تحمَّل القوامة بناءً على أساس الخِلقة وما خُصَّ به وجُبل عليه من الكسب والنَّفقة على الزَّوجة والعيال، وليست القوامة من باب السَّيطرة، أو التَّسلُّط بالأمر والنَّهي، والذي لا غاية تُرجى منه، ولا فائدة تُجنى من ورائه، بل الحقيقة أنَّ هذه القوامة عائدة لمصالحها، مُنتهية ثمارها إلى المرأة ذاتها" يُنظر: القواعد الذَّهبيَّة في إدارة الحياة الزَّوجيَّة، الدُّكتور محمد حسين عبداللَّطيف، دار اللُّؤلوة للنَّشر والتَّوزيع - القاهرة، ط: (1/2023م)، ص: (53).
ومن أجل هذا المعنى استحقَّ الصَّحابة المكانة العالية في الإسلام على قدر ما بذلوه من جهد عظيم في المحافظة على الإسلام من الاضمحلال والتَّلاشي في أعظم معارك التَّاريخ الوجوديَّة التي كادت رياح الكفر تعصف بالعرب بردَّة عظيمة عن الإسلام لولا أنَّ الله تعالى ثبَّت الصِّدِّيق أبا بكر رضي الله عنه ومن معه من جمهور الصَّحابة رضي الله عنهم، فقامت معركة اليمامة التي راح ضحيَّتها 70 من القرَّاء ونحو: (1130) من الصَّحابة رضي الله عنهم ليكون الإجمالي: (1200) صحابيًّا، ثمَّ توالت المعارك والحروب والصِّراعات بين الحقِّ والباطل في ميادين الوغى وساحات القتال والمواجهة؛ فثبت الصَّحابة رضي الله عنهم في مواجهة جحافل جيوش العدوِّ الغاشم، فردُّوا العدوان السَّافر عن دولة الإسلام بما أنفقوا من أموالهم ودمائهم وأبنائهم حتى استقام أمر الإسلام، وانتقل بسلامة وواقعيَّة وصدق وتمام وكمال إلى الأجيال العاقبة لم يُخرم منه حرف أو قول أو كلمة أو فعل أو موقف يُحتاج إليه في إقامة الدِّين؛ فاستحقُّوا بذلك المكانة الرَّفيعة في الدُّنيا بحسن الدُّعاء، وطيِب الثَّناء، وجميل الوفاء، وحسن الذِّكر، وهم في الآخرة على قدر عظيم يُجسِّده قول الله تعالى: {وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [التوبة: 100] وقوله تعالى: {لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا} [الفتح: 18] وقوله سبحانه: {وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} [الحديد: 10].
(4) ففي الحديث عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال ﷺ: «إنَّه ليس من النَّاس أحد أمنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قُحافة، ولو كنتُ مُتخذًا من النَّاس خليلًا، لاتَّخذت أبا بكر خليلًا، ولكن خُلَّة الإسلام أفضل، سدُّوا عنِّي كلَّ خَوخةٍ في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر» متفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الصَّلاة) باب: (الخوخة والممرِّ في المسجد) برقم: (467)، وكتاب: (مناقب الأنصار) باب: (هجرة النَّبيِّ ﷺ وأصحابه إلى المدينة) برقم: (3904)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (فضائل الصَّحابة رضي الله عنهم) باب: (من فضائل أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم) برقم: (2382).
(5) ففي الحديث الشَّريف عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: «ادعي لي أبا بكر= أباك، وأخاك؛ حتَّى أكتب كتابًا، فإنِّي أخاف أن يتمنَّى مُتمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر» صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (فضائل الصَّحابة ) باب: (من فضائل أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه) برقم: (2387)، وفي رواية عند النَّسائيِّ: «وارأساه ادعي لي أباك وأخاك حتَّى أكتب لأبي بكر» صحيح: أخرجه النَّسائيُّ في سننه، كتاب: (وفاة النَّبيِّ ﷺ) باب: (بدء علَّة النَّبيِّ ﷺ) برقم: (7044).
وفي الحديث عنها رضي الله عنها: قالت: لما مرض رسول الله ﷺ مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصَّلاة، فأُذِّن، فقال ﷺ: «مروا أبا بكر فليُصلِّ بالنَّاس» فقيل له: "إنَّ أبا بكر رجل أسيف، إذا قام في مقامك لم يستطع أن يُصلِّي بالنَّاس" وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثَّالثة فقال ﷺ: «إنَّكنَّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليُصلِّ بالنَّاس» فخرج أبو بكر فصلَّى، فوجد النَّبيُّ ﷺ مِن نفسه خفَّة، فخرج يُهادَى بين رجلين، كأنَّي أنظر رجليه تخطَّان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخَّر، فأومأ إليه النَّبيُّ ﷺ أن مكانك، ثمَّ أتي به حتَّى جلس إلى جنبه» متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الأذان) باب: (حدِّ المريض أن يشهد الجماعة) برقم: (664)، وباب: (أهل العلم والفضل أحقُّ بالإمامة) برقم: (678) وما بعديه، وباب: (مَن النَّاس تكبير الإمام) برقم: (712)، وباب: (الرَّجل يأتمُّ بالإمام، ويأتمُّ النَّاس بالمأموم) برقم: (713)، وباب: (إذا بكى الإمام في الصَّلاة) برقم: (716)، وكتاب: (أحاديث الأنبياء) باب: (قوله تعالى: لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسَّائلين) برقم: (3384) وما بعده، وكتاب: (الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة) باب: (ما يُكره من التَّعمُّق والتَّنازع في العلم) برقم: (7303)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الصَّلاة) باب: (استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما مَن يُصلِّي بالنَّاس) برقم: (418) وما بعديه.
لقد كان أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أعلم الصَّحابة رضي الله عنهم بمراد النَّبيِّ ﷺ، وقد صاحبه في الغار، ونصره بماله ونفسه وما يملك في كلِّ وقت، وكان من السَّابقين إلى الإسلام، وصدَّقه في وقت كذَّبه فيه أقرب النَّاس إليه، وقد وردت جملة من الأحاديث تُبيِّن مكانة الصِّدِّيق أبي بكر رضي الله عنه من النَّبيِّ ﷺ ومنها ما جاء عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال ﷺ: «عبدٌ خيَّره الله بين أن يُؤتيه زهرة الدُّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر رضي الله عنه وبكى، فقال: "فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا" قال فكان رسول الله ﷺ هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به، وقال رسول الله ﷺ: «إنَّ أمنَّ النَّاس عليَّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت مُتَّخذًا خليلًا لاتَّخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوَّة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر» متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الصَّلاة) باب: (الخوخة والممرُّ في المسجد) برقم: (467) وكتاب: (مناقب الأنصار) باب: (هجرة النَّبيِّ ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم إلى المدينة) برقم: (3904) ومسلم في صحيحه، كتاب: (فضائل الصَّحابة رضي الله عنهم) باب: (من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه) برقم: (2382) فقد تضمَّن هذا النَّصُّ من الإشارات ما يُبيِّن قيمة الصِّدِّيق رضي الله عنه من النَّبيِّ ﷺ؛ حتى لـمَّا سُئل النَّبيُّ ﷺ مَن أحبُّ الرِّجال إليك لم يكن سواه؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثه على جيش ذات السَّلاسل، فأتيته فقلت: أيُّ النَّاس أحبُّ إليك؟ قال: «عائشة» فقلت: من الرِّجال؟ فقال: «أبوها» قلت: ثمَّ من؟ قال: «ثمَّ عمر بن الخطَّاب» فعدَّ رجالًا" متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (فضائل الصَّحابة رضي الله عنهم) باب: (حدَّثنا الحميديُّ ومحمد بن عبدالله) برقم: (3662) وكتاب: (المغازي) باب: (غزوة ذات السَّلاسل) برقم: (4358)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (فضائل الصَّحابة رضي الله عنهم) باب: (من فضائل أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه) برقم: (2384). فهذه المكانة التي حلَّ فيها أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه جعلته أولى وأحقُّ بالخلافة بعد النَّبيِّ ﷺ، وهذا الفضل عرفه له الصَّحابة جميعًا رضي الله عنهم، فلم يعترض أحد عليه ، لما يعلمونه من مكانته وأحقِّيتَّه بالأمر .
فهذه النُّصوص ونحوها جعل بعض أهل العلم يرى أنَّ خلافة الصَّحابيِّ الجليل أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه كانت بالتَّوجيه النَّبويِّ تصريحًا وتلميحًا؛ فالنُّصوص الآمرة بتقديم أبي بكر رضي الله عنه على بقيَّة الصَّحابة رضي الله عنهم في الصَّلاة وهي الإمامة الصُّغرى تدلُّ على أولويَّته لقيادة الأمَّة بعد النَّبيِّ ﷺ بتولِّي الخلافة الكبرى، وهو ما تحقَّق بالفعل؛ لكونه أهلًا لتحمُّل المسئوليَّة بعد موت النَّبيِّ ﷺ، فلا عِبرة بمن طعن في خلافة الخليفة الرَّاشد أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه.
مسألة النَّصِّ بالخلافة: لقد وقع خلاف بين معاشر أهل السُّنَّة وغيرهم من الفرق والطَّوائف؛ ذلك لأن مبحث الخلافة والولاية من المباحث المهمَّة في حياة الأمَّة، من أجل هذا وقع خلاف كبير بين المدارس والمذاهب، ومن أبرز الفرق على السَّاحة الخلافيَّة في هذا الموضوع الرَّافضة الذين يرون أنَّ النَّبيَّ ﷺ عهد بالخلافة لعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه ويتمسَّكون بحجج واهية، ولم يثبت في ذلك حديث صحيح صريح، وإجماع الصَّحابة رضي الله عنهم ينقضه، والنُّصوص تناقضه؛ يقول النَّوويُّ رحمه الله: "وخالف في ذلك بكر بن أخت عبدالواحد فزعم أنَّه نصَّ على أبي بكر رضي الله عنه، وقال بن راوندي: نصَّ على العبَّاس رضي الله عنه. وقالت الشِّيعة والرَّافضة على عليٍّ رضي الله عنه، وهذه دعاوى باطلة، وجسارة على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحسِّ؛ وذلك لأنَّ الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على اختيار أبي بكر رضي الله عنه، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر رضي الله عنه، وعلى تنفيذ عهد عمر رضي الله عنه بالشُّورى، ولم يُخالف في شيء من هذا أحد، ولم يدَّع عليٌّ ولا العبَّاس ولا أبو بكر رضي الله عنهم وصيَّة في وقت من الأوقات، وقد اتَّفق عليٌّ والعبَّاس رضي الله عنهما على جميع هذا من غير ضرورة مانعة من ذكر وصيَّة لو كانت، فمن زعم أنَّه كان لأحد منهم وصيَّة فقد نسب الأمَّة إلى اجتماعها على الخطأ واستمرارها عليه، وكيف يحِلُّ لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصَّحابة رضي الله عنهم إلى المواطأة على الباطل في كلِّ هذه الأحوال، ولو كان شيء لنقل فإنَّه من الأمور المهمَّة" يُنظَر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجَّاج، لأبي زكريَّا محيي الدِّين يحيى بن شرف النَّوويِّ (ت:676ه)، دار إحياء التُّراث العربيِّ، بيروت، ط: (2/1392ه)، (12/206).
(6) قال ابن إسحاق في السِّيرة رحمه الله: "وكان أميَّة بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمح يُخرجه إذا حمِيت الظَّهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكَّة، ثمَّ يأمر بالصَّخرة العظيمة فتوضَع على صدره، ثمَّ يقول له: (لا والله) لاتزال هكذا حتَّى تموت، أو تكفر بمحمَّد، وتعبُد اللَّات والعُزَّى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أُحد أُحد... حتَّى مرَّ به أبو بكر الصِّدِّيق (ابن أبي قُحافة) يومًا، وهم يصنعون ذلك به، وكانت دار أبي بكر رضي الله عنه في بني جُمح، فقال لأميَّة بن خلف: ألا تتَّقي الله في هذا المسكين؟ حتَّى متى؟ قال: أنت الذي أفسدتَّه فأنقِذه ممَّا ترى، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به، قال: قد قبلت فقال: هو لك. فأعطاه أبو بكر الصَّدِّيق رضي الله عنه غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه" يُنظر: السِّيرة النَّبويَّة، لأبي محمد جمال الدِّين عبدالملك بن هشام بن أيُّوب الحميريِّ المعافريِّ، (ت: 213ه) تح: مصطفى السَّقا، وإبراهيم الأبياريِّ، وعبدالحفيظ الشَّلبيِّ، مطبعة مصطفى البابيِّ الحلبيِّ - القاهرة، ط: (2/1955م)، (1/318).
(7) يُنظر: السِّيرة النَّبويَّة، لابن هشام الأنصاريِّ، (1/319).
(8) وعن عائشة رضي الله عنها زوج النَّبيِّ ﷺ: "أنَّ رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسَّنح - يعني بالعالية - فقام عمر رضي الله عنه يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ، ووالله ما كان يقع في نفسي إلَّا ذاك، وليبعثنَّه الله، فليقطعنَّ أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر رضي الله عنه فكشف عن رسول الله ﷺ فقبَّله، قال: بأبي أنت وأمِّي، طبتَ حيًّا وميِّتًا، والذي نفسي بيده لا يُذيقك الله الموتتين أبدًا، ثمَّ خرج فقال: أيُّها الحالف على رِسلك، فلمَّا تكلَّم أبو بكر جلس عمر، فحمد اللهَ أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا مَن كان يعبد محمَّدًا فإنَّ محمَّدًا قد مات، ومَن كان يعبُد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت. وقال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] وقال سبحانه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ} [آل عمران: 144] قال: فنشج النَّاس يبكون" صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (فضائل الصَّحابة) باب: (حدَّنا الحُميديُّ ومحمد بن عبدالله) برقم: (3667).
(9) صحيح: أخرجه النَّسائيُّ في سننه، كتاب: (القِسامة) باب: (كيف صُلِّي على رسول الله ﷺ) برقم: (7181)، وباب: (أين حُفر له ) برقم: (7084)، وبلفظ قريب منه أخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب: (الجنائز) باب: (ذكر وفاته ودفنه ) برقم: (1628) وقال محقِّقوه: "وإسناده صحيح، لكنَّه موقوف" جميعًا من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
(10) والحديث بطوله عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عُبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منَّا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطَّاب وأبو عبيدة بن الجرَّاح، فذهب عمر يتكلَّم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردتُّ بذلك إلَّا أنِّي قد هيَّأت كلامًا قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثمَّ تكلَّم أبو بكر فتكلَّم أبلغ النَّاس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حُباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منَّا أمير، ومنكم أمير، فقال أبو بكر : لا، ولكنَّا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، فبايِعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيِّدنا، وخيرنا، وأحبُّنا إلى رسول الله ﷺ، فأخذ عُمر بيده فبايعه، وبايعه النَّاس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عُبادة، فقال عمر: قتله الله" صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المظالم) باب: (ما جاء في السَّقائف)، وكتاب: (فضائل الصَّحابة ) باب: (حدَّثنا الحميديُّ ومحمد بن عبدالله) برقم: (3667)، وكتاب: (الحدود وما يُحذر من الحدود) باب: (رجم الحُبلى من الزِّنا إذا أُحصنت) برقم: (6830)، وبلفظ قريب يذكر جانبًا آخر ممَّا جرى في هذه الأحداث بعد واقعة بني ساعدة، وهو حديث أنس بن مالك أنَّه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم تُوفِّي النَّبيُّ ﷺ، فتشهَّد وأبو بكر صامت لا يتكلَّم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يُدبِّرنا، - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يكُ محمد قد مات فإنَّ الله تعالى قد جعل بين أظهُركم نورًا تهتدون به هَدى الله محمَّدًا ، وإنَّ أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين، فإنَّه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامَّة على المنبر".
(11) يقول ابن كثير رحمه الله: "وهي سريَّة زيد بن حارثة، في نحوٍ من ثلاثة آلاف، إلى البلقاء من أرض الشَّام" يُنظر: البداية والنِّهاية، لابن كثير، (6/412).
(12) قال ابن إسحاق رحمه الله: "ثمَّ مضوا حتَّى نزلوا مَعان من أرض الشَّام، فبلغ النَّاس أنَّ هِرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء، في مئة ألف من الرُّوم، وانضمَّ إليهم مل لَخْم وجُذَام والقَينِ وبهراء وبليٍّ مئة ألف منهم" يُنظر: السِّيرة النَّبويَّة، لابن هشام الأنصاريِّ، (2/375).
(13) قال ابن إسحاق أيضًا رحمه الله: "فشجَّع النَّاسَ عبدُالله بن رواحة رضي الله عنه، وقال: يا قوم، والله إنَّ التي تكرهون للَّتي خرجتم تطلبون= الشَّهادة، وما نُقاتل النَّاس بعدد ولا قوَّة ولا كثرة، ما نُقاتلهم إلَّا بهذا الدِّين الَّذي أكرمنا الله به، فانطلِقوا فإنَّما هي إحدى الحُسنيين: إمَّا ظهورٌ، وإمَّا شَهادة. فقال النَّاس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى النَّاس" يُنظر: السِّيرة النَّبويَّة، لابن هشام الأنصاريِّ، (2/375).
(14) وفي الحديث عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: "أمر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة رضي الله عنه، فقال رسول الله ﷺ: «إن قُتِل زيدٌ فجعفر، وإن قُتل جعفر، فعبدالله بن رواحة» وكنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين، من طعنة ورمية» صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المغازي) باب: (غزوة مؤتة من أرض الشَّام) برقم: (4261).
(15) قال ابن كثير رحمه الله: "ولـمَّا جهز رسول الله ﷺ جيش أسامة، توفِّي عليه الصَّلاة والسَّلام، وأسامة مخيِّم بالجرف فنفذه صديقه وخليفته أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه ثمَّ لـمَّا لمَّ شعث جزيرة العرب، وما كان وهى من أمر أهلها، وعاد الحقُّ إلى نصابه، جهَّز الجيوش يمنةً ويسرةً، إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس، وإلى الشَّام أصحاب قيصر ملك الرُّوم؛ ففتح الله لهم، ومكَّن لهم وبهم، وملَّكهم نواصي أعدائهم" يُنظر: البداية والنِّهاية، لابن كثير، (2/229).
(16) قال ابن كثير رحمه الله: "والمقصود أنَّه لـمَّا وقعت هذه الأمور أشار كثير من النَّاس على الصِّدِّيق رضي الله عنه أن لا يُنفذ جيش أسامة رضي الله عنهما لاحتياجه إليه فيما هو أهمُّ الآن ممَّا جُهِّز بسببه في حال السَّلامة، وكان من جُملة مَن أشار بذلك عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، فامتنع الصِّدِّيق رضي الله عنه من ذلك، وأبى أشدَّ الإباء إلَّا أن يُنفِذ جيش أسامة رضي الله عنهما، وقال: والله لا أحلُّ عقدةً عقدها رسول الله ﷺ، ولو أنَّ الطَّير تخطَّفنا، والسِّباع من حول المدينة، ولو أنَّ الكلاب جرت بأرجل أمَّهات المؤمنين، لأُجهِّزنَّ جيش أسامة. فجهَّزه وأمر الحرس يكونون حول المدينة، فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك، فساروا لا يمرُّون بحيٍّ من أحياء العرب إلَّا أُرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلَّا وبهم مَنعة شديدة. فغابوا أربعين يومًا، ويُقال: سبعين يومًا، ثمَّ آبوا سالمين غانمين، ثمَّ رجعوا فجهَّزهم حينئذ مع الأحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة، ومانعي الزَّكاة" يُنظر: البداية والنِّهاية، لابن كثير، (9/421).
(17) يُنظر: السِّيرة النَّبويَّة، لابن هشام الأنصاريِّ، (2/661).