الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

بنو إسرائيل في عهد نبيِّ الله سليمان وإلى الشَّتات

من بعد الملك النَّبيِّ داود ورثه ابنه النَّبيُّ الملك سليمان عليهما السَّلام؛ قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ} [النَّمل: 16] وازدادت المملكة في عهده نموًّا وقوَّة، ودانت له الممالك، وكثر جنده من المخلوقات، وآتاه الله الحمة والسِّياسة وحسن القيادة؛ قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] وآتاه الله تعالى ملكًا عظيمًا لم يكن لأحد ممَّن جاء بعده [1] لدعوة دعاها : {قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ} [ص: 35] واتَّخذ من أورشليم (القدس) عاصمة للحكم والدِّين، ووقع الغنى العظيم لبني إسرائيل في عهده المبارك، وجدَّد بناء المسجد المبارك الذي بُني بعد المسجد الحرام بأربعين سنة وسمَّاه بيت الرَّبِّ، وكان يُتعبَّد فيه لله تعالى، وسمَّاه اليهود بعد ذلك الهيكل السُّليمانيَّ نِسبة إلى سُليمان ، وهم يجعلون هذا من أهمِّ ما يُبت أحقِّيَّتهم في القدس، ويجعلون من أهداف حربهم الخبيثة على فلسطين والقدس هدم المسجد الأقصى الذي بُنيَ على الهيكل، ويسعون لإعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.

ممالك اليهود بين قيام وسقوط:

وبعد عهد الملك النَّبيِّ سليمان انفرط عقد دولة اليهود وانقسمت مملكتهم الكبرى إلى مملكتين مفتَّتين وعليها انقسم الأسباط من بني إسرائيل، وهما:

1 - مملكة إسرائيل في الشَّمال:

وفيها عشرة أسباط من أسباط بني إسرائيل، وانشقَّت عن المملكة الأصليَّة التي كان يحكمها الملك رحبعام بن سليمان، وتنقَّلت حتى استقرَّت واتَّخذت من السَّامرة عاصمة لها، وكان ملكها الأوَّل: يارُبعام بن نابط، وبقيت المملكة في صراع دائم وقتال مستمرٍّ، وحكمها تسعة عشر ملِكًا كان أكثرهم يُقتل غدرًا، وكانت هذه المملكة مُرتدَّة [2] من وجهة نظر الكتاب المقدَّس؛ حيث خرجوا عن المملكة وانشقُّوا عنها، وكفروا بتعاليم الأنبياء وهداياتهم، واتَّخذوا الأصنام وعبدوها من دون الله تعالى [3] وقد عبدوا الإله الأكبر عند الكنعانيِّين: (البعل) عن طريق الملك آحاب بن عمري حيث أقام له سدنة وكهنة يقومون على معبده، وترك النَّاس عبادة الله تعالى، وإليهم أُرسل نبيُّ الله إلياس ، ونهاهم عن عبادة هذا الوثن؛ قال تعالى: {وَإِنَّ إِلۡيَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ * إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ * ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ} [الصافات: 123-127] واستمرَّت مملكة إسرائيل الشَّماليَّة نحو مئتي سنة حتَّى اجتاحها الملك الآشوريُّ سرجون الثَّاني، وأزالها عينًا وأثرًا سنة: (721، 722ق.م)، وسبى منهم عددًا كبيرًا - بعد تقتيل وتشريد - إلى نِينوَى بالعراق، فتفرَّقوا وضاعت آثارهم، وعُرفوا بعد ذلك بالأسباط الضَّائعة.

2 - مملكة يهوذا في الجنوب:

وفيها سبطا يهوذا وبنيامين فقط من أسباط بني إسرائيل، وحكمها عشرون ملكًا من ملوك بني إسرائيل، واتَّخذت أورشليم (القدس) عاصمة لها، وعمَّرت ثلاثة قرون ونصف سنة حتى اجتاحها الملك البابليُّ بختُنصَّر الكلدانيُّ (بوخذ نصر) سنة: (586ق.م) [4] وكان ملكها حينئذ الملك صدقيَّا، فقتلهم شرَّ قِتلة، وشرع في إبادتهم بمحو القرى وتدمير الهيكل، وشتَّتهم في الأرض، وأخذ منهم الأسرى إلى بابل، وهو السَّبيُ البابليُّ الذي بقي نحو: (48) سنة، حتى سقطت بابل سنة: (539ق.م) على يد ملك الفرس (قورش) الذي أذن لهم بالعودة إلى أورشليم فأسَّسوا دولة يهوديَّة توالي الفرس، وبنوا هيكلهم سنة: (515ق.م) وأقام لها الفرس سورًا على القدس، وأُطلق عليهم اسم اليهود نِسبة إلى يهوذا فهم من سبطه، وهلكت بقيَّة الأسباط، وهذا عهد استضعاف لم يكن لليهود فيه مَلِك مستقلٌّ يحكمهم، بل يُحكَمون مِن الأمم الغازية المسيطرة على الحياة في أزمانهم [5]، وفي هذه المرحلة قام الكاهن أو النَّبيُّ وفي الإسلام الرَّجل الصَّالح عِزرا [6] بكتابة الأسفار التَّوراتيَّة من ذاكرته وأدخل فيها شيئًا كثيرًا ليس منها، وأخرج منها شيئًا كثيرًا كان فيها، وقد جعله اليهود ابنًا لله تعالى إعجابًا منهم بصنيعه وكتابة التَّوراة من ذاكراته، وما تبع ذلك من مواقف؛ وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله سبحانه: {وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ ‌عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} [التوبة: 30] وقد طالت يدُ التَّحريف التَّوراة، وقد أثبت القرآن الكريم تحريف الكتب السَّماويَّة المنزَّلة على أهل الكتاب، ومعناه أنَّ التَّحريف وقع قبل نزول القرآن الكريم، وقد نُهينا عن مُطالعة الكُفر والشُّبهات في الكتابات المنحرِفة [7].

العودة من الأسر البابليِّ

وبعد العود من السَّبي البابليِّ ودخول اليهود في حكم الفرس، زحف الرُّومان على فلسطين فهادنوهم ووالوهم وخانوا العهد مع الفرس، ولكنَّ الرُّوم عذَّبوهم وقتَّلوهم بسبب ثوراتهم المتعاقبة بسبب الطَّمع، وآخرها سنة: (70ق.م) حين ثاروا على الحاكم الرُّومانيِّ فاجتاح القائد: (طيطس ابن الامبراطور فسبازيان) جيشًا عرمرمًا اقتحم أورشليم، وقضى على ثورتهم على اللُّومان، وهدم هيكلهم الذي بُني في عهد الفرس،  وتتبَّع من هرب منهم إلى أورشليم فحاصرهم، ثمَّ أعمل السُّيوف فيهم وهدم حصونها، وحرَّق المعابد بمن فيها؛ قال القائد يوسيفوس المؤرِّخ اليهوديُّ: "إنَّني لا يُمكن أن أُفكِّر في سبب لهذا إلَّا أنَّ الله قد حكم بخراب هذه المدينة النَّجسة؛ إذ سمح بهلاك المدافعين عنها" [8]

تشتُّت اليهود في الأرض

ومع هذا لم يستسلم اليهود لما أحدثه فيهم طيطس؛ حيث أحدثوا ثورة أخرى بقيادة باركبوخا وبمباركة الحاخام عكيفا واستردُّوا أورشليم وظلُّلوا فيها نحو ثلاث سنوات، لكنَّ الإمبراطور هارديان باغتهم بالهجوم وقضى على ثورتهم، وطردهم منها، وأقام فيها مكان الهيكل تمثالًا لوثنهم المعبود جوبيتر، ولم تقم لهم قائمة في هذه الأرض من بعدها، وتشتَّتوا في عموم الأرض، وقد كان أنبياؤهم يُحذِّرونهم من غضب الرَّبِّ عزَّ وجلَّ، وأنَّه جالب للَّعنات والطَّرد من الأرض المقدَّسة [9]؛ وفي سِفر يوشع: "ولكن إن ارتددتُّم وتعلَّقتم ببقيَّة الأمم التي بقيت معكم وصاهرتموها ودخلتم بينها ودخلت بينكم، فاعلموا أنَّ الرَّبَّ إلهكم لا يعود يطرُد تلك الأُمم من وجهكم، بل تصير لكم شبكة وفخًّا وسوطًا على جُنوبكم وشوكًا في عيونكم، حتى تزولوا عن هذه الأرض الطَّيِّبة التي أعطاكم الرَّبُّ إلهكم إيَّاها" [10] وفي سِفر حزقيال: "أنا الرَّبُّ تكلَّمتُ وسأفعل: وأُبدِّدك بين الأمم وأذرِّيك في الأراضي" [11]

وبذلك نكون قد أشرنا إلى مرحلة اليهود من لدن عهد الأنبياء إلى زمان ضياع مُلكهم، وتشتُّت جمعهم، واقترابهم من زمن الفتح العمريِّ، وقد تركت فترة عيسى وما كان منهم حتَّى لا يطول المقام أكثر من ذلك، ولأنَّ موقفهم [12] من عيسى لا يختلف عن غيره من الأنبياء السَّابقين عليهم السَّلام؛ فقد كذَّبوه، وحاولوا قتله كما قتلوا زكريَّا ويحيى عليهما السَّلام، ولكنَّ الله تعالى رفعه إليه.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله