علاج مشكلات التَّعليم - المناهج
المشكلة الأولى:
اشتراك الأزهر مع التَّربية والتَّعليم في مناهج المرحلة الابتدائيَّة مع اختلافها في بقيَّة مراحل التَّعليم، فلماذا لا يهتمُّ القائمون على شأن العمليَّة التَّعليميَّة الأزهريَّة بصبغ المرحلة الابتدائيَّة بصِبغة الأزهر؟!
والحلُّ يكمن في:
استقلال الأزهر الشريف في قطاع التعليم الأساسي بالمناهج الدراسية التي يستقل بوضعها أساتذة الأزهر، وشيوخه؛ فإن تبعية المؤسسة الأزهرية في قطاع التعليم الأساسي لوزارة التربية والتعليم أمر لا يحسن أن يكون من مؤسسة من أعرق، وأعتق المؤسسات العلمية، والدعوية في التاريخ، كما أنَّ للأزهر صبغة، وطريقة يُربِّي بها أبناءه، لا تستطيع مؤسَّسة غيره أن تضع المناهج التي تُحقِّق هدفه، وتصنع طلَّابه كما أراد، فماذا لو عملت لجنة تطوير المناهج بمشيخة الأزهر على تطوير المقرَّرات الدِّراسيَّة للمرحلة الابتدائيَّة بما يُسهِّل على الطُّلَّاب كما فعلوا مع المرحلة الإعداديَّة؟ وممَّا لا يخفى أنَّ الطُّلَّاب تصعب عليهم المناهج والمقررات في مقتبل المرحلة الإعداديَّة؛ لأنَّهم لم يتعوَّدوا على موضوعاتها في المرحلة السَّابقة، فيا حبَّذا لو تمَّ تغيير المناهج لتضمَّ مختصرات تشير إلى مضمون المقرَّرات الشَّرعيَّة بطريقة تناسب المرحلة العمريَّة لطلَّاب المرحلة الابتدائيَّة؛ فإن هذا سيجعل الطلاب في غاية الشوق لدراسة تلك المواد التي درسوا قشورها، وسمعوا عن مضمونها.
المشكلة الثَّانية:
تحديد سن بداية المرحلة الابتدائية بست سنوات؛ فإنه طبقًا للمادة (19) من الدستور المصري امتدت مرحلة التعليم الإلزامي من (9) سنوات إلى (12) سنة اعتبارًا من سن (6) سنوات إلى (18) سنة.
والحلُّ يكمن في:
تقديم سن التقديم سنة كاملة؛ فإن الناظر إلى حال أبنائنا الصغار يرى أنهم يبرعون في القراءة والكتابة في سن مبكرة بسبب إقبال أولياء الأمور على مرحلة رياض الأطفال من سن ثلاث سنوات، فما تمر السنتان حتى يظهر الولد في مستويات متقدمة في القراءة والكتابة والإملاء، فلماذا نؤخر تقدمهم إلى المرحلة الابتدائية إلى سن السادسة من عمرهم مع أننا نقدر على الاستفادة منهم في سن مبكرة؟! وقد كانت مؤسسة الأزهر قديما تمتاز عن مؤسسة التربية والتعليم بأنها تسمح للطالب بالتقدم للدراسة في معاهدها في المرحلة الابتدائية من سن خمس سنوات ونصف، وقد أثبت الطلاب المتقدمون تفوقا ملحوظا، وربما كان إقبال الناس عليه لهذه الخصيصة.
المشكلة الثَّالثة:
ضعف دور المساجد في المدارس والمعاهد؛ فإن المتأمل في الأبنية التعليمية في بلادنا المباركة يعجب عجبا أعجب من العجب حين يرى أن كثيرا منها قد تم بناؤه دون أن يُخصَّص فيها مكان لمسجد يُصلي فيه أفراد العملية التعليمية!! وأما ما تم تخصيصه فإن دوره غير مفعَّلٍ.
والحلُّ يكمن في:
اهتمام الهيئات الهندسية التابعة للمؤسسات التعليمية بتخصيص مكان للمسجد في كل بنية تعليمية يتم بناؤها؛ فلقد علمنا النبي ﷺ أن أول ما يُعتنى به في بناء الدول والمؤسسات بناء مسجد يربط الأرض بالسماء، والمطالع للسيرة النبوية يرى بجلاء أن قد اعتنى في أول الأمر ببناء المسجد حين هاجر إلى المدينة؛ ليُعلِّم الأمة ضرورة العناية بإقامة بيوت الله في الأرض؛ وأن إقامتها سبب من أسباب أمانها.
ومن باب الأمانة أقول: ليست كل الأبنية التعليمية تعاني من انعدام المساجد، لكن كثيرا منها قد عُطِّل فيها دور المسجد ووظيفته، فقد تحوَّلت غالبها إلى مخازن توضع فيها الكتب، وأخرى توضع فيها الأخشاب! وذلك لأنه لا يُصلَّى فيه، ولا يرفع النداء؛ وعلة ذلك استمرار العملية التعليمية وقت الصلاة!!.
إن القوانيين التعليمية في الحقيقة في غياب تام عن المسئولية الدينية والتربوية الملقاة على عاتق تلك المؤسسات التعليمية: وذلك حين تغافلوا عن فرض القوانين الإدارية التي تُلزم الهيئات التعليمية التابعة لها بتوقف العملية التعليمية وقت الصلاة؛ تعظيما لتلك الشعيرة، وتربية لأبنائنا من الطلاب على تقدير قيمة الصلاة في حياة المسلم، من باب المشاركة الجادة في تربية الأجيال الصاعدة على إقامة الفرائض، والتمسك بالطاعة، واستجابة لأمر الله تعالى حين قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوقُوتًا﴾ [النساء: 103] وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج:32]
ولك أن تعجب عجبا يعجب منه العجب حين تُطالِع وسائل الإعلام وهي تُعلِّق على حدث عده البعض من التخلف والرجعية، وكبت الطلاب، والإساءة إليهم، وصورة من صور التطرف والإرهاب الديني، وذلك حين اجتمع بعض مدراء المدارس بأفراد العملية التعليمية من الطلاب والسادة المدرسين في فناء المدرسة في وقت الصلاة؛ لإقامة الفريضة، وإحياء الشعيرة، وتربية الطلاب على المحافظة عليها!!.
لذا فإني أقترح: أن يُخصِّص القانون الإداري وقتا لإقامة الصلاة التي تُدرك أبنائنا وهم في المؤسسات التعليمية؛ فإن من آكد واجبات المنظومة التعليمية التربوية أن تقذف في قلوب أبنائها الاستقامة على الفرائض، والقيام بالواجبات، ولما قصَّرت في زرع هذه القيمة الدينية في نفوس أبنائنا خرج لنا من رحمها أجيال لا تعرف طريق المساجد، ولا تُدرك قيمة الطاعة؛ لأنهم حُرِموا من الصفات التي تغرسه الصلاة في قلب صاحبها.
إن اهتمام العاملين في الحقل التعليمي بتربية أجيالنا الصاعدة على معرفة قدر الصلاة من خلال الواقع العملي، والقدوة الحية أبلغ بكثير من ألوف المحاضرات، ومئات العلماء؛ لأن التنظير في الجانب التربوي ليس ذا قيمة حقيقية؛ فالتربية بالقدوة من أنجح الوسائل التربوية التي تؤثر في المربَّى.
وقد يعترض على هذا المقترح متفلسف حين يُقرر: أنه لا ينبغي أن نعطل العملية التعليمية من أجل إقامة صلاة وقتها موسع، وممتد إلى ما بعدها.
ولمثله أقول: لئن كان وقت الصلاة موسعا وممتدا فإنه رخصة لها ضابطها؛ فإن الفقهاء لا يُجوِّزون الاتكال على الرُّخص مع القدرة على الأخذ بالعزيمة، بل يعتبرون تأخير الصلاة عن وقتها الأول تقصير لا يجوز إلا بعذر شرعي مقبول؛ فلماذا نُسوِّغ لأنفسنا أن نُقدِّم الأعذار في تأخير الصلاة، ولا نُقدِّمها في إيقاف العملية التعليمية وقتا يسيرا يسمح بالوضوء والصلاة؟ وما المانع أن يتم ذلك في الوقت المخصص للراحة؟.
ولئن كانت قاعدة الواجب الموسَّع تُجوِّز تأخير الصلاة عن وقتها ما لم يدرك المسلم وقت الصلاة الأخرى فإن الدور التعليمي والتربوي للمنظومة التعليمية التربوية يقضي بضرورة الاهتمام بتربية النشء على حب الصلاة، والالتزام بها في وقتها، وإن لم تفعل المؤسسات التعليمية ذلك فقل لي بالله عليك: أي دور تربوي قامت به المنظومة التعليمية مع أبنائنا؟!! بل إن كثيرا ممن يترك الصلاة يُعلل ذلك بأنه لم ير في المنظومة التعليمية وقت تعلُّمه من يقتدي به في هذا الأمر، بل وحتى في الدروس الخاصة، ومجموعات التقوية ترى المعلم يُحدِّد وقت الدرس مع وقت الصلاة، فتطالع المساجد فإذا هي خاوية على عروشها من الشباب، ولا تقع عينك فيها إلا على عجوز مسن هرم، وإذا أردت أن تعرف أين الشباب فاذهب إلى معاقل التعليم حيث مجموعات التقوية، والدروس الخاصة!!! إنهم بهذا يربُّون الأولاد على عدم تقديس وقت الصلاة، فإن كانوا يشعرون فتلك مصيبة، وإلا فالمصيبة أعظم.
من هذا المنطلق أنادي كل من ولَّاه الله تعالى مسئولية التعليم: أن يعتني بإقامة دين أبنائه من الطلاب قبل جمع المال، وتحقيق أعلى نسب الإيراد من مجموعات التقوية ونحوها، فإنه راع في بيئته، وسيُسأل أمام الله تعالى عن ذلك سؤالا لا تُقبل في المعاذير، ولا تنهض فيه الحجج والبراهين، فلا أقلَّ من أن تكون أوقات الدراسة في غير وقت الصلاة، واعلم أن الرزق مقسوم، ولن يفوتك من رزقك شيء، وأن ما عند الله تعالى من الخير لا يُنال إلا بطاعة الله تعالى.
المشكلة الرَّابعة:
التكدس الطلابي في كثير من الصفوف، والفصول، والمدارس؛ مما يتسبب في إحداث عدم التوازن، وقلة استفادة الطلاب.
والحلُّ يكمن في:
أن تضع الإدارات التعليمية نصابا لأفراد العملية التعليمية في المدارس، والفصول، والصوف؛ بحيث تقوم لجنة متخصصة بحصر المدارس، وتقديم إحصائية عددية عن القدرة الاستيعابية للمدرسة، والقدرة الاستيعابية للصف، وللفصل، وبناء عليه يتم تحديد العدد الإجمالي الذي يُسمح للمدرسة بقبوله في الصفوف الأولية كل عام؛ حتى لا يحدث تكدُّس فيما بعد، ومن ثَمَّ تقوم كل مدرسة بقبول العدد المتاح لها من جملة المتقدمين، ثم يتم تحويل بقية العدد إلى أقرب مدرسة لم يكتمل نصابها المقرر لها؛ حرصا على انتظام وسهولة العملية التعليمية، وتجنبا للتكدس الذي يحدث في كثير من البيئات التعليمية فيتسبب في إجهاد المعلم، وبلادة الطلاب، وقلة الاهتمام بهم.
المشكلة الخامسة:
ضعف المناهج التعليمية المقررة في التعليم عامة.
والحلُّ يكمن في:
أن تعتني لجان علمية تخصصية بتطوير المناهج والمقررات التعليمية في محاولة جادة من المؤسسات التعليمية للرقي بمستوى الطلاب، والنهوض بالحالة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية للبلاد عامة؛ فإن كل تقدم تحققه الأمم يفتقر إلى العلم؛ لذا كان الاهتمام به من أولويات الأمم الراقية.
المشكلة السَّادسة:
ضعف رواتب المعلم حتى اضطر إلى إراقة ماء وجهه، والتفريط في مكانته حين قرر العمل في أي مهنة ممتهنة ليجلب منها ما يعينه على مواجهة أمواج الغلاء القاسية، والقيام بواجب المسئولية نحو من يعولهم.
والحلُّ يكمن في:
أن تحرص الأنظمة التعليمية الخاصة والعامة على تكريم المعلم بأن تفرض له من الأجر ما يتناسب مع سمو رسالته، وعلو مكانته، وقيمة وظيفته؛ فإن المعلم هو مربي الأجيال، ومكون ملكاتهم العلمية والعقلية والسلوكية، فهو المؤتمن من البيت والمجتمع على عقل تلامذته، وبحرصه ومثابرته وقوته يقوى الطلاب، ويتخرج من تحت يديه كل النماذج المجتمعية؛ فلو هضمه المجتمع حقه فإن الخسارة لا توصف، والمصيبة التي تنتج عن هذا لا تُحكى؛ والناظر في أنظمة الدول الراقية المتقدمة يرى أنهم يولون المعلم مكانة الوزراء والقادة، ويجلون تلك الوظيفة؛ لأنهم يؤمنون بأن الدول لا تُبنى إلا بصلاح المؤسسات التعليمية، وحجر الزاوية فيها هو المعلم؛ لذا كانت قضية الاهتمام بالرقي به في تلك الدول مسألة أمن قومي؛ فقد سُئل إمبراطور اليابان عن أسباب تقدم دولته في هذا الوقت القصير؛ فقال: "بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير"
يا له من رد موجز مختصر الكثير، لقد أدركت اليابان بعد ويلات الحروب، أن السبيل الوحيد للنهوض هو التعليم، وأن المعلم هو حجر الزاوية للمنظومة التعليمية؛ فأولوه اهتماما كبيرا؛ فإن الجميع في اليابان يتفق على أن موقع المعلم يأتي بعد الإمبراطور مباشرة، وهذا سر تفوق اليابان العلمي، فهم يعرفون أن العلم الذي يكفل لبلدهم التقدم والتميز لا يأتي إلا عبر المعلم، وأن هذا المعلم لا يرجى منه نفع إن لم يكرم، فكرموه بوضعه في الدرجة الثانية بعد الإمبراطور، بحيث يسبق بذلك الوزراء، والنواب، والعسكريين، والسياسيين، والدبلوماسيين وغيرهم؛ لأنه من يصنعهم، وأما في كثير من البلاد المتأخرة ترى المعلم ممتهنا، محتقَرا، لا يعرف أحد قيمته، ولا يبالي به كثير من الناس؛ فتأخر التعليم، وتخلفت الأوطان والبلدان.
ولقد حدث معي أن التقيت بكثير من أساتذتي الذين درَّسوا لي في مراحل التعليم المختلفة يعملون في مهن ممتهنة ليوفُّوا بمسئوليَّاتهم؛ فمنهم من عمل في مخابز الخبز، ومنهم من عمل سائقًا في وسائل المواصلات، ومنهم من اضطرَّ للوقوف في بعض المحلَّات التِّجاريَّة، ومنهم من خرج للتِّجارة في الأسواق، والقصص في هذا المضمار كثيرة ومتضافرة، وكلُّها تدلُّ على أنَّ المعلِّم قد أُهين، وبُخس حقُّه، وتجاهلت قيمته كلُّ الجهات المعنيَّة به، حتى هان على طلَّابه؛ فلم يعد يؤدِّي دوره المنوط به، والواجب على كلِّ فرد أن يُساهم في الرُّقيِّ بقيمة العلم من خلال الاهتمام بقامة المعلِّم.
وختامًا: فهذا جهد المقلِّ أضعه بين يدي من يهمه الأمر، وثمت كثير من المقترحات والأفكار التي أسعد بعرضها على السادة المسئولين عن منظومة التعليم في بلادنا، لعلِّي أتداركها فيما بعد؛ خشية الإطالة، وأرجو أن تتقدم المنظومة التعليمية، وجزى الله تعالى كل من سعى إلى إصلاح القصور الواقع في تلك المؤسسات التربوية والتعليمية، ونسأل الله تعالى مزيدا من التوفيق، والسداد للمسئولين في إكمال طريق النجاح والتطوير، والتنوير.