الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أعمال العمرة

اعلموا يا قاصدي بيت الله الحرام أنَّ العمرة لها أركان يجب الإتيان بها على وجهها، وهي:

الميقات المكانيُّ

الأوَّل: الميقات: وهو مكان الإحرام بالنُّسك في زمن يصحُّ فيه، والعمرة وقتها  مفتوح طول العام، والحجُّ أشهر معلومات بالتَّمام، ولكلِّ أهل بلد ميقاتهم بالأصالة أو التَّبعيَّة، وميقات أهل مصر ذو الحليفة= أبيار عليٍّ، وميقات أهل عُمان قرن المنازل= السَّيل الكبير، فإذا بلغ المرء ميقاته المكانيَّ خلع المخيط، ولبس الإحرام، وجميع المواقيت المكانيَّة محيطة بمكَّة المكرمة من جهاتها، وهي أقرب لها من غيرها، وهذا بيانها:

1 - ميقات ذو الحُليفة= أبيار عليٍّ: وهو ميقات أهل المدينة المنورة، وكلِّ من أتى عليها من غير أهلها، ويبعد عنها قرابة 18 كم، وعن مكَّة المكرمة قرابة 420 كم.

2 - ميقات الجُحفة: وهو ميقات أهل الشام ومصر والسُّودان، وكلِّ دول المغرب العربيِّ، ويبعد عن مكَّة المكرمة قرابة 186 كم.

3 - ميقات قرن المنازل= السَّيل الكبير: وهو ميقات أهل نجد ودول الخليج العربيِّ وما وراءهم، ويبعد عن مكَّة المكرمة قرابة 74 كم تقريبًا.

4 - ميقات يلملم: وهو ميقات أهل اليمن، وكل من يمر من ذلك الطريق، وسمي الميقات بهذا الاسم نسبة لجبل يلملم، ويبعد عن مكَّة المكرمة قرابة 130 كم.

5 - ميقات ذات عِرق: وهو ميقات أهل العراق وما وراءها، ويبعد عن مكَّة المكرمة قرابة 110 كم.

6 - ميقات أهل مكَّة: وأهل مكَّة يحرمون من بيوتهم أو المسجد الحرام إن شاءوا إلَّا العمرة، فإنَّ عليهم أن يخرجوا إلى الحلِّ فيحرموا منه.

الإحرام من الميقات

الثَّاني: الإحرام: وهو الإهلال بالنُّسك، ولباسه الرِّداء والإزار للرِّجال، وليس للمرأة ثياب مُعيَّنة، غايته أن تلتزم بشروط اللِّباس الشَّرعيِّ، فإذا بلغ النَّاسك الميقات برًّا وتمكَّن من النُّزول فيه نزل فاغتسل من غبار الطَّريق، وتوضَّأ بنيَّة الصَّلاة والطَّواف، ثمَّ صلى ركعتين في مسجد الميقات، ثمَّ أحرم بالنِّيَّة القلبيَّة واللِّسانيَّة، ثمَّ شرع في التَّلبية بعد ركوب الدَّابة أو وسيلة المواصلات من الميقات إلى أن يرى الكعبة أو المسجد الحرام، أو مساكن أهل مكَّة.

وإذا كان مرور النَّاسك بالميقات في الجوِّ أو البحر أو في البرِّ مع عدم القُدرة على النُّزول في الميقات لم يجب عليه النُّزول، ويلزمه النِّية والتَّلبية إلى أن يصل إلى المسجد الحرام.

مجاوزة الميقات دون إهلال

ومَن تجاوز الميقات دون إحرام - وهو قاصد النُّسك استقلالًا أو تبغيَّة - لزمه الرُّجوع إليه والإحرام منه، فإن شقَّ ذلك عليه لبُعد ما بينهما، أو لكونه في صُحبة قد أحرموا ولا سبيل للرُّجوع، أكمل وأحرم من أقرب ميقات يمرُّ عليه أو من مسجد التَّنعيم في مكَّة؛ لما في الصَّحيحين أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ ممَّن أراد الحجَّ والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكَّة من مكَّة» [1] وعليه دم - على قول جمهور الفقهاء - يذبح ذبيحة ويُوزِّعها على فقراء الحرم ولو كانوا من غير المكِّيين؛ لأنَّه ترك واجبًا من واجبات النُّسك.

فأمَّا إذا تجاوز الميقات دون عقد نيَّة النُّسك، ثم هُدي إلى النُّسك فلا يلزمه العودة إلى ميقات أهل بلده، بل يُحرم من حيث طرأت عليه نيَّة الاختيار لأداء النُّسك؛ قال الإمام مالك رحمه الله: "وكذلك لو أنَّ رجلاً من أهل مصر كانت له حاجة بعسفان فبلغ عسفان وهو لا يريد الحجَّ، ثمَّ بدا له أن يحجَّ من عسفان؛ فليحجَّ من عسفان، ولا شيء عليه لما ترك من الميقات؛ لأنَّه جاوز الميقات وهو لا يريد الحجَّ ثمَّ بدا له بعد ما جاوز أن يحجَّ، فليحجَّ وليعتمر من حيث بدا له، وإن كان قد جاوز الميقات فلا دم عليه" [2]

وبعد إحرامه يحظر عليه جملة من الأعمال تنقض إحرامه وتفسده، وهي:

أ - أخذ شيء من الشَّعر أو الأظفار، فإن حدث فعليه دم، فإن سقطت دون فعل منه فلا شيء عليه.

ب - العقد للنَّفس أو للغير، أو النِّكاح، أو الجماع، أو العادة السِّرِّيَّة.

ج - واستعمال الطِّيب في الشَّعر أو البدن أو الثَّوب، أو المأكولات أو المشروبات بعد الإحرام، فإن كان قبله وعلقت الرَّائحة بالجسد فلا بأس.

د - وتغطية الرَّأس للرَّجل، وتغطية الوجه والكفين للمرأة بنقاب أو قفَّازين؛ لأنَّ إحرامها فيهما.

ه - الصَّيد وقطع الأشجار أو النَّبات في محيط الحرم.

و - لبس المخيط المحيط؛ فالنُّسك تشبه بحال المرء في عودته إلى الله دون شيء  من زخارف الدنيا؛ لذا كان مأمورًا بالتَّخفُّف منها، ومحظورًا عليه استعمال شيء من هذا.

الطَّواف بالكعبة

الثَّالث: الطَّواف: وهو الدَّوران حول الكعبة المشرَّفة سبعة أشواط، يبدأ من الحجر الأسود وينتهي إليه، وإذا حاذاه استقبله وقال: "بسم الله والله أكبر" وله أن يزيد: "اللَّهمَّ إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتِّباعًا لسنَّة نبيِّك" فقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما ، ويقبِّله إذا تمكَّن - وإلَّا فلا يُزاحم المسلمين؛ ففي المزاحمة إضرار قد يصل إلى حدِّ الموت - ويستلم الرُّكن اليمانيَّ إذا تمكَّن ومن غير تقبيل، فإن لم يتمكَّن لم يُشر، ويقول بين الرُّكن والحجر ما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} ويدعو بما شاء وأراد في الأشواط كلِّها من غير إلزام بشيء، ويُمكنه تقسيم الأشواط بين الذِّكر، والدُّعاء، وقراءة القرآن الكريم، والصَّلاة على النَّبيِّ ، ولا يلزم النَّاسك بشيء غير الاضطباع، وهو كشف الكتف الأيمن في الأشواط الثلَّاثة، أو في جميع الأشواط - وأن يكون الطَّواف على السُّنَّة، وبعد الطَّواف يُصلِّي ركعتين خلف مقام إبراهيم ، ولا يفوت على النَّاسك تغطية كتفه قبل الصَّلاة لعدم جواز إظهار فيها.

السَّعي بين الصَّفا والمروة

الرَّابع: السَّعي: وهو السَّير بين جبلي الصَّفا والمروة عقب الانتهاء من الطَّواف، ويبدأ النَّاسك فيه بالصَّفا كما بدأ الله تعالى، وينتهي بالمروة، ثمَّ العكس، وكلُّ ذهاب شوط، وكلُّ إياب شوط، ليكتمل له سبعة أشواط بين الصَّفا والمروة، وفي بداية السَّعي يُقبل على الصَّفا قائلًا: {إِنَّ ‌ٱلصَّفَا ‌وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] "أبدأ بما بدأ الله تعالى به" ثمَّ يصعد فوق الصَّفا أو يقترب من أوَّله حتى يرى الكعبة فيتوجَّه إليها ويقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يُحيي ويُميت وهو على كلِّ شيء قدير، لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" ثمَّ يرفع يديه ويدعو بما تيسَّر له ويسأل الله من خيري الدُّنيا والآخرة، ثمَّ يُكرِّر القول ثلاث مرَّات، وبعد كلِّ مرَّة يدعو بما يُريد، ثمَّ ينطلق ناحية المروة مُستثمرًا كلَّ خطوة في الذِّكر والدُّعاء، وقراءة القرآن الكريم، والصَّلاة والسَّلام على النَّبيِّ ، وإذا وصل إلى الميلين الأخضرين هرول بتوسُّط واعتدال من أوَّل العلم الأخضر إلى نهايته، ثمَّ يعود إلى طريقة المشي، ويفعل على المروة كما فعل على الصَّفا غير أنَّه لا يقرأ الآية، ويتمِّم ذلك ذهابًا وإيابًا، حتى ينتهي من السَّعي عند المروة، وبذلك ينتهي السَّعي وتتمُّ العمرة، ويتوجَّه النَّاسك إلى التَّحلُّل منها.

التَّحلُّل من النُّسك

الخامس: التَّحلُّل: وهو ختام النُّسك، ويخرج به النَّاسك من النُّسك بعد تمامه، فيحلق رأسه - وهو الأفضل - أو يقصِّر شعره، وذلك بعد الخروج من المسجد الحرام إلى الأماكن المخصَّصة للحلق في الصَّالونات التي حول الحرم، ولا يحلق في المسجد لما فيه من إسقاط الشَّعر وتلويث ساحات المسجد وأروقته، والحلق أو التَّقصير يكون للرِّجال، وأمَّا المرأة فتأخذ منها قِيد أُنملة، ولا يكون ذلك أمام النَّاس لا في الحرم ولا خارجه، وإنَّما يكون في سكنها حيث لا تكشف شعرها أمام الأجانب، فلتتحصَّن بجدران غُرفتها، ويأخذ لها من شعرها وليُّها أو محرمها أو إحدى أخواتها أو تأخذ لنفسها، وبمجرَّد حلق النَّاسك يتحلَّل من العمرة، ويحلُّ له ما كان حرُم عليه به، فيغتسل ويتعطَّر ويلبس المخيط، وله أن يعقد لنفسه أو غيره، وما إلى ذلك من علامات التَّحلُّل التي يمنعها الإحرام.

طواف الوداع

طواف الوداع: فإذا عزم المعتمر على المغادرة فليقصد البيت الحرام لطواف الوداع، ثمَّ يُغادر من ساعته، ويجعله آخر عهده بالبيت؛ تعظيمًا واشتياقًا وأملًا في العودة ورجاء الدَّيمومة، ويسقط عن الحائض والنُّفساء، وعن غير القادر لمرض أو لزحام أو نحوهما، وهذا من التَّيسير في التَّشريع.

وبذلك يكتمل النُّسك بفضل الله ، ويعود المرء إلى أهله نظيفًا من الذُّنوب، فيا سُعدى من تقبَّل الله نسكه.


(1) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الحجِّ) باب: (مهلُّ أهل مكَّة للحجِّ والعمرة) برقم: (1524) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الحجِّ) باب: (مواقيت الحجِّ والعمرة) برقم: (1181).

(2) يُنظر: المدوَّنة، للإمام مالك بن أنس الأصبحيِّ، دار الكتب العلميَّة، بيروت - لبنان، ط: (1/1415ه=1994م)، (1/420).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله