الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

هجرة القلب إلى الله تعالى

إنَّ من أروع قرارات المسلم في حياته قرار الحجِّ أو العمرة، فهذه رحلة إلى الله عزَّ وجلَّ، تترك فيها الدنيا وبهارجها، وتهاجر إلى الله ومرضاته، وتُلقي فيها بهمومك ومشاغلك وراء ظهرك، وتستقبل أروع لحظات العمر، والهجرة أوسع من أن تختزل في الهجرة من بلد إلى بلد، فهذه الهجرة الحسِّيَّة: وهي أن يهرب المرء بدينه وعقيدته من أرض الكفر إلى أرض الإيمان كما فعل:

1 - إبراهيم عليه السَّلام حين هاجر من بابل بالعراق إلى أرض كنعان ببلاد الشَّام: قال الله تعالى: {فَـَٔامَنَ ‌لَهُۥ ‌لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [العنكبوت: 26] وقال الله تعالى: {وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨ فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا} [مريم: 48-49]

2 - وأصحاب الكهف حين خرجوا من حياة المادِّيَّة والوثنيَّة إلى حياة الرُّوح هربًا بالإيمان من بطش الجبابرة المشركين؛ قال تعالى: {إِذۡ ‌أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا} [الكهف: 10] وقال سبحانه: {وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا} [الكهف: 16]

3 - وقاتل المئة نفس حين دلَّه العالم على ضرورة الخروج من أرض المعصية إلى أرض الطَّاعة؛ لأنَّه لم يجد في أرضه عونًا على ترك المعصية، ولا سبيلًا إلى فعل الطَّاعة، فكان بقاؤه فيها= هو الانتحار الإيمانيُّ، فخرج بجسده مقبلًا على الله تعالى بقلبه.

4 - وهجرة النَّبيِّ  من مكَّة المكرمة بلد الكفر آنذاك إلى المدينة المنوَّرة بلد الإيمان من يومها إلى اليوم، حين اشتدَّ أذى الكفَّار به وبأصحابه أذن الله تعالى لهم في الهجرة لتبدأ مرحلة جديدة في عمر الأمَّة الإسلاميَّة؛ حيث أصبحت لها سيادة الحكم على جزء من الأرض في شبه الجزيرة العربيَّة، فأقام النَّبيُّ  دولة للإسلام امتدَّ نورها إلى ربوع الدُّنيا كلِّها، وبعد أن أتمَّ الله تعالى على نبيِّه ومصطفاه ومن معه من المؤمنين فتح مكَّة المكرمة توقَّفت الهجرة من مكَّة لعدم الحاجة إليها بعد أن تحوَّلت إلى بيئة إيمان ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النَّبيُّ : «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنفرتم فانفروا» متَّفق عليه.

المعنى الأكمل للهجرة

ولا يراد نفي عموم الهجرة؛ فالهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التَّوبة، ولا تنقطع التَّوبة حتى تخرج الشمس من مغربها؛ قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ‌تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا} [النساء: 97] وقال سبحانه: {وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} [النساء: 100] وسبب نزول هذه الآية ما ورد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: كان عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه يُخبر أهل مكَّة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب الآية التي نزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ‌تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨ فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا} [النساء: 97-99] فلمَّا قرأها المسلمون قال حبيب بن ضمرة اللَّيثيُّ رضي الله عنه لبنيه - وكان شيخًا كبيرًا -: "احملوني فإنِّي لست من المستضعفين، وإنِّي لا أهتدي إلى الطَّريق. فحمله بنوه على سرير متوجِّهًا إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت، فصفَّق يمينه على شماله وقال: "اللَّهمَّ هذه لك، وهذه لرسولك ﷺ، أبايعك على ما بايعتك يد رسول الله . ومات حميدًا، فبلغ خبره أصحاب رسول الله  فقالوا: "لو وافى المدينة لكان أتمَّ أجرًا" فأنزل الله هذه الآية الكريمة.

معنى الهجرة المعنويَّة

وأمَّا الهجرة المعنويَّة فهي الانتقال من حالة المعصية إلى الطَّاعة، ومن حالة الكفر إلى الإيمان دون مغادرة الأرض والبنيان، وهي المقصودة من الهجرة؛ فإذا استطاع المرء أن يُقيم دينه وعبادة ربِّه ولو كان بالمجاهدة والتَّضحية فلا تكون الهجرة الحسِّيَّة؛ قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ‌جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [العنكبوت: 69] ولن تخلو بيئة من مجاهدة النَّفس وملذَّات الحياة وشهواتها حتى يستقيم المرء على مراد الله تعالى.

ومن الهجرة المعنويَّة قول النَّبيِّ : "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" وفي رواية: "من هجر السُّوء" الخروج من روتينيَّة الحياة إلى استقامة الإيمان، فيتحلَّى المرء عن صحبة السُّوء، وفعل المحرَّمات التي اعتاد عليها، فلا يظلم، ولا يغشّ، ولا يرتشي، ولا يختلس مالًا ولا نظرة ولا يفعل ما يُغضب الله تعالى عليه، وها أنت  أيُّها المعتمر الكريم قد تحقَّق لك الهجرتان؛ فهاجرت بجسدك من بقعة مفضولة إلى بقعة فاضلة، ومن بيئة صالحة إلى بيئة أصلح، ثمَّ هاجرت بقلبك عن كلِّ معصية فعاهد ربَّك على إصلاح ما بينك وبينه، وابدأها حياة جديدة مع الله تعالى.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله