فائدة من قاعدة: (الغُرم بالغُنم)
المثالب على قدر المكاسب
هذه قاعدة فقهيَّة تُذكر في باب الضَّمان في المعاملات الماليَّة، وتبيِّن أنَّ المرء يتحمَّل مسئوليَّة الضَّمان للشَّيء على قدر ما يكون له فيه من مَغنم يحصل من خلاله عليه؛ فكلَّما ارتفعت مكانة المرء وانتفع من الشَّيء عظُمت مسئوليَّته تجاه المحافظة عليه والارتقاء به؛ فيضمن إذا تلف أو فسد بذات النِّسبة التي له لو تحقَّقت المكاسب؛ فالخسارة تُقدَّر بقيمة المسئوليَّة تجاه الشَّيء، وتُعرَف هذه القاعدة بـ: (الخراج بالضَّمان) وهي مُضمَّنة في حديث عائشة رضي الله عنها: "أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الخراج بالضَّمان" [1]
وهذه القاعدة العظيمة تحفظ الأغراض والأشياء والحقوق، وتُعيِّن درجات المسئوليَّة الذَّاتيَّة والجماعيَّة؛ لذلك لا تُقاس مسئوليَّة الأمير أو السُّلطان أو الحاكم بمسئوليَّة عامَّة شعوبهم؛ فالأمير راعٍ، ورعايته لمن ولَّاه الله تعالى عليهم واجب في عُنقه؛ سيسأله الله تعالى عن كلٍّ منهم؛ والقاعدة الفقهيَّة: (الزَّعيم غارم) فموقعه موقع غُرم ومُساءلة، وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «ألا كلُّكم راع، وكلُّكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على النَّاس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرَّجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيِّده وهو مسئول عنه، ألَا فكلُّكم راع، وكلُّكم مسئول عن رعيَّته» عن رعيَّته» [2]
القوامة بين المغنم والمغرم
ولـمَّا كان الغُرم بالمسئوليَّة والموقعيَّة والمكانة والصِّلة كان الغُنم بها أيضًا؛ فتكون للغارم بالموقعيَّة الغنيمة بها؛ فالرَّجل له القوامة على امرأته بما جعله الله تعالى له من مكانة تحمُّل المسئوليَّة، والإنفاق عليها، وإصلاح شأنها، وتدبير حاجاتها، ورعاية دينها، وتقويم أخلاقها، والقيام على أمرها، ومن أجل هذا وجبت طاعته، وعظمت مكانته؛ قال تعالى: {ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ} [النساء: 34] قلت في القواعد الذَّهبيَّة: "والمقصود من قوامة الرَّجل على زوجته: قيامه عليها بالأدب الحسن والتَّدبير، والحفظ والصِّيانة، وتولَّي أمرها، وإصلاح حالها، والأمر والنَّهي فيما ينفعها، كما يقوم الولاة بالأمر والنَّهي على الرَّعايا، فقيِّم المرأة ومن له القوامة عليها هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدِّبها إن ظهر ما يُوجب ذلك، وإنَّما كانت له القوامة لما فضَّله الله تعالى به في أصل الخِلقة، فالرَّجل أُعطِي من الحول والطَّول والقوَّة ما لم تُعط المرأة؛ فلأجل ذلك كان التَّفاوت في التَّكاليف والأحكام والحقوق والواجبات مرتَّبًا على ذلك التَّفاوت والاختلاف في الطَّبائع والفطر، فالتَّكليف على قدر القُدرة، وأيضًا لما كُلِّف به تجاهها من الإنفاق والرِّعاية الماليَّة؛ فالرَّجل مُتحمِّل للنَّفقة، باذلٌ للمهر، مسئول عن أمور كثيرة؛ فاختصاص الرِّجال بهذه الأحكام جاء نتيجة استعدادهم الجبليِّ الذي خصَّهم الله عزَّ وجلَّ به؛ فالرَّجل الذي تحمَّل القوامة بناءً على أساس الخِلقة وما خُصَّ به وجُبل عليه من الكسب والنَّفقة على الزَّوجة والعيال، وليست القوامة من باب السَّيطرة، أو التَّسلُّط بالأمر والنَّهي، والذي لا غاية تُرجى منه، ولا فائدة تُجنى من ورائه، بل الحقيقة أنَّ هذه القوامة عائدة لمصالحها، مُنتهية ثمارها إلى المرأة ذاتها" [3]
الصُّحبة مغنم ومغرم
ومن أجل هذا المعنى استحقَّ الصَّحابة رضي الله عنهم المكانة العالية في الإسلام على قدر ما بذلوه من جهد عظيم في المحافظة على الإسلام من الاضمحلال والتَّلاشي في أعظم معارك التَّاريخ الوجوديَّة التي كادت رياح الكفر تعصف بالعرب بردَّة عظيمة عن الإسلام لولا أنَّ الله تعالى ثبَّت الصِّدِّيق أبا بكر رضي الله عنه ومن معه من جمهور الصَّحابة رضي الله عنهم، فقامت معركة اليمامة التي راح ضحيَّتها 70 من القرَّاء ونحو: (1130) من الصَّحابة ليكون الإجمالي: (1200) صحابيًّا، ثمَّ توالت المعارك والحروب والصِّراعات بين الحقِّ والباطل في ميادين الوغى وساحات القتال والمواجهة؛ فثبت الصَّحابة رضي الله عنهم في مواجهة جحافل جيوش العدوِّ الغاشم، فردُّوا العدوان السَّافر عن دولة الإسلام بما أنفقوا من أموالهم ودمائهم وأبنائهم حتى استقام أمر الإسلام، وانتقل بسلامة وواقعيَّة وصدق وتمام وكمال إلى الأجيال العاقبة لم يُخرم منه حرف أو قول أو كلمة أو فعل أو موقف يُحتاج إليه في إقامة الدِّين؛ فاستحقُّوا بذلك المكانة الرَّفيعة في الدُّنيا بحسن الدُّعاء، وطيِب الثَّناء، وجميل الوفاء، وحسن الذِّكر، وهم في الآخرة على قدر عظيم يُجسِّده قول الله تعالى: {وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [التوبة: 100] وقوله عزَّ وجلَّ: {لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا} [الفتح: 18] وقوله جلَّ ذكره: {وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} [الحديد: 10].