الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

من أسرار الذِّكر الحكيم

السُّؤال:

ما وجه استعمال القرآن الكريم كلمة: (الحيوان) مع الآخرة في قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ‌ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} [العنكبوت: 64]؟

وللجواب أقول:

اعلم - أيَّدني الله وإيَّاك بالحكمة والمعرفة ونور الإيمان - أنَّ الحيوان= الحياة، وزيدت ألفًا ونونًا، وحذفت تاؤها التَّأنيثيَّة، وأبدل ألفها واوًا، وهذه الزِّيادة والتَّغييرات أفادت معنى أوسع من معنى الحياة؛ فالزِّيادة في المبني تُشير إلى الزِّيادة في المعنى؛ ولذلك كانت بمعنى الحياة الحقيقيَّة لا مطلق الحياة ولا صورتها الظَّاهرة.

وهذا أيضًا داخل في باب التَّفرقة بين استعمال القرآن الكريم لمدلول الكلمتين مع الدُّنيا والآخرة؛ فاستعمال القرآن الكريم للحياة مع الدُّنيا حاصل في عموم المواضع؛ لأنَّها صورة خادعة من صور الحياة الزَّائفة؛ لعدم ثبوتها واستقرارها على حال.

وأمَّا استعمال القرآن الكريم للحياة مع الآخرة فلم يقع إلَّا عطفًا على الدُّنيا، وإنَّما وقع في موضع واحد فقط التَّعبير عنها بالحيوان؛ للإشارة إلى حقيقة الحياة الآخرة، وأنَّها لا تنتهي ولا تزول ولا تفنى، وأنَّ أعقل النَّاس هو من يحرص عليها دون الانغماس في صورة زائفة لا تمثِّل حقيقة الأمر، فلا استواء بين الحياتين عند العقلاء، ولكن لفتنة الدُّنيا وتزيينها يغترُّ النَّاس بها، ولا يقع في شباكها العقلاء أولوا الألباب.

ونلاحظ كذلك أنَّ تعبير القرآن الكريم عن الآخرة بكلمة الدَّار في أكثر من موضع للإشارة إلى أنَّها موضع الاستقرار، فكما أنَّ دار المرء هي مستقرُّه وراحته وفيها يحتمي ويرتاح من التَّعب والنَّصب، فكذلكم الآخرة هي دار استقرار وبقاء لا عبور وانتهاء.

ومن أمثلة استعمال القرآن الكريم للدَّار مع الآخرة قوله تعالى: {قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ ‌خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 94] وقال سبحانه: {وَٱبۡتَغِ ‌فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ} [القصص: 77] وقال جلَّ ذكره: {إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم ‌بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ} [ص: 46] ولم يستعمل القرآن الكريم كلمة الدَّار مع الدُّنيا قطُّ لأنَّها ليست مستقرًّا ولا ثبات لها، وإنَّما هي صورة زُيِّنت للاختبار، فمن فُتن بها ضيَّع الآخرة، ومن عقل وفطن لم يتَّخذها إلَّا قنطرة للآخرة.

وفي ذلك ما يشعر بمعنى المقارنة بين الحياتين؛ ففي الدُّنيا غمٌّ وهمٌّ وحزن وفقر وجوع وعطش ومرض وشقاء وموت، وأمَّا الآخرة فليس فيها شيء من ذلك، وفي هذا تحفيز للنَّفس على الاجتهاد والبذل من أجل تحصيل ما في الآخرة.

وأمَّا سرُّ استعمال الحيوان مع الآخرة وهو معروف في أذهان النَّاس بالمخلوق المعروف، فهذا من باب التَّصريف للكلمة فهو مصدر من حيَّ، وفيه معنى المبالغة؛ قال البيضاويُّ رحمه الله: "الحيوان: مصدر حيَّ، سمِّي به ذو الحياة، وأصله حييان، فقلبت الياء الثَّانية واوًا، وهو أبلغ من الحياة؛ لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللَّازم للحياة" [1]

وقد يكون استعمال هذه الكلمة للإشارة إلى أنَّها الحياة الحقَّة التي لا تكون في الدُّنيا، فكما أنَّ الحيوان يعيش مرَّة واحدة ثمَّ حين يُبعث يكون ترابًا ولا يعود بعدها إلى طبيعته فحياته التي يحياها هي الحياة الحقيقيَّة له؛ لأنَّه لا حياة له بعدها؛ فكذلك الآخرة هي الحياة الحقيقيَّة للنَّاس.

وقد يكون للإشارة إلى أنَّها الأولى بوصف الحقيقة من الحيوان المخلوق الذي يموت بعد حياة قصيرة مليئة بالمنغِّصات والأكدار؛ ولهذا أكِّدت بالضمير الغائب؛ للإشارة إلى اختصاصها واستحقاقها لهذا المعنى من الحيوان، ولأنَّها حقيقة غائبة عن كثير من النَّاس؛ لأنَّها غيب لا يرونه في الدُّنيا، والانشغال الزَّائد عنها بالدُّنيا؛ قال تعالى: {يَعۡلَمُونَ ‌ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ} [الروم: 7]

وقد يكون للإشارة إلى  معنى التَّنامي والزِّيادة بين الآخرة والحيوان؛ فكما يتنامى الحيوان ويزيد طولًا وحجمًا وقوَّة فالآخرة كذلك تتنامى فيها الأجور والجزاءات، وتقوى فيها لذَّة النَّعيم فلا تملُّ مع طول البقاء، وعدم الفناء الذي يقطع كلَّ لذَّة؛ قال الفخر الرَّازيُّ رحمه الله: "إنَّ هذه الحياة لمَّا كانت فيها الزِّيادة والنُّمو كما قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ ‌وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ} [يونس: 26] وكانت هي محلَّ الإدراك التَّامِّ الحقِّ، كما قال تعالى: {يَوۡمَ ‌تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ} [الطارق: 9] أطلق عليها الاسم المستعمل في النَّامي المدرك" [2]


(1) تفسير البيضاويِّ = أنوار التَّنزيل وأسرار التَّأويل، (4/ 199).

(2) تفسير الرَّازيُّ، مفاتيح الغيب، (25/ 76).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله