الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أركان القراءة الصَّحيحة

اعلم يا موفَّق أنَّ لكلِّ شيء ركنًا يرتكن إليه، ويرتكز عليه؛ وبدونه لا يتمكَّن من الاستقامة؛ فالرُّكن هو ما كان جزءًا من ماهية الشَّيء، ولا يتحقَّق الشَّيء إلَّا به؛ لذا فإنَّ الشَّيء مفتقر إلى تحقُّق أركانه فيه ابتداءً حتى يصدق عليه وصفه؛ واختلال ركن من أركان الشَّيء كفيل بإخراج الشَّيء عن حقيقته.

والقراءة الصَّحيحة كغيرها لها أركان لا يجوز تخلُّفها؛ لأنَّ عدم تحقُّق ركن من أركانها سبب في ردِّ القراءة، والحكم عليها بالشُّذوذ؛ لذا اعتنى العلماء بتحديد الأركان بدقَّة وعناية لبيان ما يصحُّ وما لا يصحُّ من القراءات الواردة إلينا؛ فليس كلُّ من قرأ بطريقة معيَّنة ثمَّ ادَّعى أنَّها قراءة أو رواية سلَّمنا له بذلك؛ بل لابدَّ من عرض القراءة والرِّواية على تلك الأركان المتَّفق عليها من عامَّة أهل العلم؛ فما وافقها فهو الصَّحيح المقبول، وما خالفها فهو الشَّاذُّ المردود؛ وهذا من عظيم حفظ الله لكتابه؛ وهذه الأركان هي:

الرُّكن الأوَّل: موافقة القراءة لوجه من وجوه اللُّغة العربيَّة؛ فصيحًا كان أم أفصح:

ومن الإشكاليَّات التي يُطالعها الباحثون في علوم القرآن ما وقع من ردِّ بعض النَّاس لبعض القراءات بحجَّة مخالفتها للأفصح في لغة العرب، مستدلِّين بما ثبت عن أهل العلم من اشتراط موافقة القراءة لوجه من وجوه اللُّغة العربيَّة ولو ضعيفًا.

وهذه الشُّبهة يُغني بطلانها عن إبطالها، وفسادها عن إفسادها، وإنَّها لتحمل في طيَّاتها دليل البطلان، حيث اشترط أهل العلم موافقة القراءة لوجه من وجوه العربيَّة ولو ضعيفًا، والمطالع للكلمات المختلف فيها بين النَّحوين والقرَّاء لا يرى من أنكر القراءة لعدم استنادها لوجه في العربيَّة؛ فاللُّغة حمَّالة ذو وجوه، لكنَّهم يختلفون في الفصيح والأفصح، وقد ردَّ العلماء قديمًا وحديثًا هذه الشُّبهة، فمن ذلك:

ردُّ العلَّامة ابن الجزريِّ على هذه الشُّبهة ردًّا وافيًا في كتابه: (منجد المقرئين) فقال رحمه الله: "وأنَّى يسعُهم إنكار قراءات تواترت أو استفاضت عن رسول الله  إلَّا نويس لا اعتبار بهم، لا معرفة لهم بالقراءات ولا بالآثار، جمدوا على ما علموا من القياسات، وظنُّوا أنَّهم أحاطوا بجميع لغات العرب أفصحها وفصيحها، حتى لو قيل لأحدهم شيء من القرآن على غير النَّحو الذي أنزله الله يُوافق قياسًا ظاهرًا عنده لم يقرأ بذلك أحد لقطع له بالصِّحَّة، كما أنَّه لو سئل عن قراءة متواترة لا يعرف لها قياسًا لأنكرها ولقطع بشذوذها، حتى إنَّ بعضهم قطع في قوله تعالى: {قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ ‌لَا ‌تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ} [يوسف: 11] بأنَّ الإدغام الذي أجمع عليه الصَّحابة والمسلمون لحن وأنَّه لا يجوز عند العرب؛ لأنَّ الفعل الذي هو: " تأمن" مرفوع فلا وجه لسكونه حتى أدغم في النُّون التي تليه، فانظر يا أخي إلى قلَّة حياء هؤلاء من الله تعالى؛ يجعلون ما عرفوه من القياس أصلًا والقرآن العظيم فرعًا، حاشا العلماء المقتدى بهم من أئمَّة اللُّغة والإعراب من ذلك، بل يجيئون إلى كلِّ حرف ممَّا تقدَّم ونحوه يبالغون في توجيهه والإنكار على من أنكره، قال ابن مالك رحمه الله في منظومته الكافية الشَّافية في الفصل بين المتضايفين:

وَعُمدَتِي قِـــرَاءَةُ ابنِ عَامِــرِ فَكَم لَهَا مِن عَاضِدٍ وَنَاصِـــرِ

ولله درُّ الإمام أبي نصر الشِّيرازيِّ رحمه الله حيث حكى في تفسيره عند قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي ‌تَسَآءَلُونَ ‌بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ} [النساء: 1] كلام الزِّجاجيِّ رحمه الله في تضعيف قراءة الخفض ثمَّ قال رحمه الله: "ومثل هذا الكلام مردود عند أئمَّة الدِّين؛ لأنَّ القراءات التي قرأ بها أئمَّة القرَّاء ثبتت عن النَّبيِّ  فمن ردَّ ذلك فقد ردَّ على النَّبيِّ  واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محظور لا يُقلد فيه أئمَّة اللُّغة والنَّحو، ولعلَّهم أرادوا أنَّه صحيح فصيح وإن كان أفصح منه، فإنَّا لا ندَّعي أنَّ كلَّ ما في القراءات على أرفع الدِّرجات من الفصاحة" [1]

وقال الإمام الحافظ أبو عمرو الدَّانيُّ رحمه الله: "وأئمَّة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللُّغة والأقيس في العربيَّة، بل على الأثبت في الأثر والأصحِّ في النَّقل، والرِّواية إذا ثبت عنهم لم يردَّها قياس عربيَّة ولا فُشوُّ لغةٍ؛ لأنَّ القراءة سنَّة متَّبعة فلزم قبولها والمصيرُ إليها" [2]

الرُّكن الثَّاني: موافقة القراءة للرَّسم العثمانيِّ ولو احتمالًا:

وقد رسمت الكلمات القرآنيَّة في المصاحف بصور تحتمل الرِّوايات المتواترة والقراءات الصَّحيحة؛ لأنَّ ورود القراءة بأداء يُخالف الرَّسم العثمانيَّ، والطَّريقة الكتابيَّة التي كُتبت بين يدي رسول الله  غير جائز؛ ولأنَّ رسم المصحف توقيفيٌّ، وقد حصل إجماع على هذا الرَّسم من جمهور الصَّحابة رضي الله عنهم عند الجمع الأوَّل في عهد صديق الأمَّة الأكبر الصَّحابيِّ الجليل أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، والجمع الثَّاني في عهد ذي النُّورين الصَّحابيِّ الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه.

الرُّكن الثَّالث: التَّواتر وصحَّة السَّند إلى النَّبيِّ ﷺ:

وهذا الرُّكن شرط وجود الرُّكنين السَّابقين؛ فهو كاف في الدَّلالة على تحقُّقهما؛ لأنَّ القراءة إذا اتَّصل سندها إلى النَّبيِّ  فقد توفَّرت فيها بقيَّة الشُّروط ضمنًا.

واتِّصال السَّند: هو ثُبوت القراءة عن طريق الأجيال، ونقلها عبر الأزمان؛ فلابدَّ من حصول اليقين بنقل كلِّ طبقة عن سابقتها وهكذا حتى يتَّصل السَّند من الطَّبقة الدُّنيا إلى الطَّبقة العُليا؛ ليتَّصل السَّند إلى رسول الله  فالتَّواتر: هو نقل الجيل عن الجيل بحيث يحيل العقل تواطؤهم على الكذب؛ ممَّا يدلُّ على صدق النَّصِّ المنقول؛ لأنَّ تواتر النَّاس على نقل نصٍّ معيَّن بلفظ مُعيَّن من أكبر الأدلَّة على صدقه وصحَّته؛ والقرآن الكريم نصٌّ مقدَّس من أعلى وأوثق النُّصوص المقدَّسة توثيقًا ونقلًا، ولقد كان تواتره بلفظه وأدائه؛ فتواترت إلينا الطَّريقة اللَّفظيَّة التي قُرئ بها القرآن الكريم؛ لذا وجب أن نُحافظ على هذه الطَّريقة في الأداء القرآنيِّ؛ لأنَّها جزء من النَّصِّ.


(1) منجد المقرئين ومرشد الطَّالبين، لابن الجزريِّ، دار الكتب العلميَّة - بيروت، ط: (1/1420ه)، ص: (77).

(2) جامع البيان في القراءات السَّبع، لأبي عمرو الدَّانيِّ، جامعة الشَّارقة، ط: (1/1428ه)، (1/51).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله