من أحكام التِّلاوة
متى تثبت الاستعاذة في قراءة القرآن مع البدء والتَّوقُّف؟
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
وبعد: فاعلم - علَّمني الله وإيَّاك - أنَّ التَّعوُّذ في بداية القراءة مطلوب عند عامَّة أهل العلم بالفقه والقرآن، ولكنَّهم اختلفوا في نوع الطَّلب بين الوجوب والنَّدب؛ وهذا يحمل المرء على الإتيان بها في أوَّل القراءة إمَّا لزومًا أو استحبابًا؛ فلا يتركها إلَّا من زهد في أثرها، وجهل مضمونها، وخفيت عليه أسرارها.
ثمَّ اعلم - أيَّدني الله بالحقِّ وإيَّاك - أنَّ قطع القراءة بعد البدء فيها على نوعين:
الأوَّل: أن يكون لنيَّة المفارقة بترك القراءة أو التَّوقُّف عنها للقيام إلى غيرها من أعمال الطَّاعة أو شئون الحياة، وحينئذ لا يحتاج إلى استعاذة لإنهاء القراءة، وإنَّما يحتاجها إذا عاد إلى القراءة بنيَّة الاستئناف؛ لانعقاد نيَّة القلب على المفارقة والتَّرك، ويستوي في ذلك طول الفاصل أو قصره؛ لحصول نيَّة المفارقة، والأعمال بالنِّيَّات؛ قال ابن مفلح الحنبليُّ رحمه الله: "ويُسنُّ التَّعوُّذ في القراءة، فإن قطعها قطع ترك وإهمال على أنَّه لا يعود إليها أعاد التَّعوُّذ إذا رجع إليها، وإن قطعها بعذرٍ عازمًا على إتمامها إذا زال عذره كفاه التَّعوُّذ الأوَّل" [1]
الثَّاني: أن يكون لنيَّة المتابعة؛ وهو حينئذ على صورتين:
1 - أن يكون التَّوقُّف لمتعلِّق بالقراءة من تأويل آية، أو تفسير جملة، أو جواب سؤال، أو ردِّ خطأ، أو إزالة لبس، أو بيان فائدة، أو إعراب كلمة، أو تدبُّر سياق، وهذا لا يحتاج إلى إعادة الاستعاذة ولو طال زمن التَّعليق؛ لأنَّها في حكم الاتِّصال؛ لقوَّة تعلُّق التَّعليق بالنَّصِّ؛ قال ابن الجزريِّ رحمه الله: "إذا قطع القارئُ القراءة لعارض من سؤال (دعاء) أو كلام يتعلَّق بالقراءة لم يُعِد الاستعاذة" [2]
2 - أن يكون التَّوقُّف لخارج عن القراءة من الحديث في أمور الدُّنيا، أو شئون الحياة، أو ما يصرف عن القرآن الكريم بالحديث الأجنبيِّ عنه من غير رابط يربطه بالقرآن الكريم في السِّياق أو المضمون، وهنا يحتاج القارئ إلى الاستعاذة والاستئناف استحبابًا لا وجوبًا ولو قلَّ زمن التَّعليق؛ قال النَّوويُّ رحمه الله: "إذا كان يقرأ ماشيًا، فمرَّ على قوم يُستحبُّ أن يقطع القراءة، ويُسلِّم عليهم، ثمَّ يرجع إلى القراءة، ولو أعاد التَّعوُّذ كان حسنًا" [3]
فإن طال زمن التَّعليق تأكَّد استحباب الاستعاذة إذا اتَّصلت نيَّته بالقراءة والإكمال؛ قال الزَّركشيُّ رحمه الله: يُستحبُّ التَّعوُّذ قبل القراءة، فإن قطعها قطع تركٍ وأراد العود جدَّد، وإن قطعها لعذر، عازمًا على العود كفاهُ التَّعوُّذ الأوَّل ما لم يَطُل الفصل" [4] وقال النَّوويُّ رحمه الله: "يكفيه التَّعوُّذ الواحد ، ما لم يقطع قراءته بكلام أو سكوت طويل، فإن قطعها بواحد منهما استأنف التَّعوُّذ، وإن سجد لتلاوة ثمَّ عاد إلى القراءة لم يتعوَّذ؛ لأنَّه ليس بفصل، أو هو فصل يسير" [5]
وإنَّما كان الاستحباب لأنَّه الرَّاجح من قولي العلماء في الاستعاذة أصلًا، وعليه يكون الحكم في الفرعيَّات المتعلِّقة بالباب، ثمَّ إنَّ الإعادة على قول القرَّاء أكثر من الاكتفاء بالأوَّل إلَّا أن تُقطع القراءة بتعليق مُتعلِّق بالنَّصِّ؛ وعلَّة ذلك= إذهاب الشَّيطان الصَّارف عن القراءة بالمفارقة أو القطع لأمور الدُّنيا من خلال تجديد النَّشاط بصدق اللُّجوء إلى الله تعالى بالاستعاذة، وهذا منهجي الذي أتَّبعه في الإقراء؛ لتصفية مجلس القرآن الكريم من كلِّ شوائب الدُّنيا.
والله أعلم وأحكم، وهو أعزُّ وأكرم