الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

مسائل بين يدي علم التَّجويد

إنَّ لكلِّ علم من العلوم جملة من المسائل التَّنظيميَّة التي ينبني عليها كثير من التَّطبيقات العلميَّة والعمليَّة في أثناء تناول موضوعات العلم ومسائله، والبحث في هذه المسائل قبل الخوض في تفاصيل الموضوعات في غاية الأهمِّيَّة؛ ومن هذه المسائل:

مراتب القراءة والتِّلاوة

المقصود بمراتب التِّلاوة: ما يتعلَّق بالسُّرعة والبطء في أداء اللَّفظ القرآنيِّ، مع مراعاة أحكام التَّجويد في السُّرعة والبطء، ويحتاج القارئ إلى معرفة الطُّرق التي تصحُّ بها القراءة حتى يضبط سرعته على النَّحو المعمول به عند أهل العلم، ولقراءة القرآن الكريم صور مختلفة يمكن حصرها في ثلاث صور:

الصُّورة الأولى: القراءة اللَّفظية الصَّوتيَّة:

وهي القراءة التي يرتفع فيها الصَّوت بالتِّلاوة حتى يسمع القارئ نفسه، ويسمعه مَن حضره من النَّاس؛ وشرطها مراعاة أحكام التَّجويد؛ وهي على ثلاث مراتب من حيث الإسراع والبطء؛ وبيانها كالتَّالي:

المرتبة الأولى: التَّحقيق: وهي القراءة بتؤدة وطمأنينة عالية، بهدف تبيين الحروف والحركات والغنن والمدود، وهو في مقام التَّعلُّم أكثر منه في غيره؛ فيعتمده القارئ المبتدي، وعرَّفه ابن الجزريِِّ رحمه الله بقوله: "أمَّا التَّحقيق فهو مصدر من حقَّقت الشَّيء تحقيقًا إذا بلغتُ يقينه، ومعناه المبالغة في الإتيان بالشَّيء على حقِّه من غير زيادة فيه ولا نقصان منه، فهو بلوغ حقيقة الشَّيء، والوقوف على كنهه، والوصول إلى نهاية شأنه، وهو عندهم عبارة عن: ‌إعطاء ‌كلِّ ‌حرف ‌حقَّه ‌من إشباع المدِّ، وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار والتَّشديدات، وتوفية الغنَّات، وتفكيك الحروف، وهو بيانها وإخراج بعضها من بعض بالسَّكت والتَّرسُّل واليُسر والتُّؤدة، وملاحظة الجائز من الوقوف، ولا يكون غالبًا معه قصر، ولا اختلاس، ولا إسكان محرَّك، ولا إدغامه، فالتَّحقيق يكون لرياضة الألسن وتقويم الألفاظ وإقامة القراءة بغاية التَّرتيل، وهو الذي يُستحسن ويستحبُّ الأخذ به على المتعلِّمين من غير أن يتجاوز فيه إلى حدِّ الإفراط من تحريك السَّواكن وتوليد الحروف من الحركات وتكرير الرَّاءات وتطنين النُّونات بالمبالغة في الغنَّات" [1]

تنبيهات مهمَّة عنها

وينبغي أن يتجنَّب المحقِّق التَّمطيط وإشباع الحركات لما يتولَّد عن ذلك من زيادة حروف مدٍّ من جنس الحركة الممطوطة، وهذا يقع من كثير من القرَّاء المبتدئين في مرتبة التَّحقيق، وكذلك يقع منهم الفصل بين الحروف ظنًّا منهم أنَّ هذا من لوازم التَّحقيق، والمبالغة في أزمنة الصِّفات كالبينيَّة حتى يصل بها إلى حدود الرَّخاوة، وزيادة مقادير المدود لجهله بطريقة العدِّ التي تناسب مرتبة التِّلاوة، وعلاج ذلك كلِّه أن يقرأ بالمرتبة على حاذق مُتقن ماهر يُوقفه على الميزان الدَّقيق للمرتبة المقروء بها؛ فإنَّ الإتقان يُنقل عبر التَّلقِّي والمشافهة من أفواه الضَّابطين العارفين، وهذا التَّوجيه عامٌّ في كلِّ مرتبة من مراتب التِّلاوة، بل وفي جميع الأحكام الكلِّيَّة والجزئيَّة؛ فالقراءة علم قائم على النَّقل والتَّلقِّي.

المرتبة الثَّانية: التَّدوير: وهي القراءة بحالة متوسِّطة بين السُّرعة والبطء، وهي غالب قراءة النَّاس في المحاريب، والصَّلوات العامَّة والخاصَّة، وبها يعرض طلَّاب الإجازات والأسانيد، وبها يُعرَض الجديد في الحلقات، وبها يقرأ المتدبِّر الذي أراد أن يجمع بين بطء التَّحقيق وسرعة الحدر للوقوف على المعاني، وكذا يعتمدها الحفَّاظ في المسابقات القرآنيَّة والمواجهات الاختباريَّة؛ قال ابن الجزريِّ رحمه الله: "وأمَّا التَّدوير فهو عبارة عن التَّوسُّط بين المقامين من التَّحقيق والحدر" [2]

تنبيهات مهمَّة عنها

وينبغي أن يتجنَّب القارئ المدوِّر التَّهاون في الأحكام التَّجويديَّة كمقادير المدود وأزمنة الغنن؛ فكثير منهم يجنح إلى التَّقصير ويميل بها إلى ما يكون مع الحدر أقرب منه مع التَّدوير، والتَّوسُّط في المدود أنسب له من الإشباع فيما فيه إشباع، ومن القصر فيما فيه قصر، فلمَّا توسَّط بين التَّحقيق والحدر استحقَّ المرتبة الأوسط بينهما في كل ما فيه أوجه متعدِّدة؛ فيتوسَّط مع التَّدوير استحبابًا المنفصل، والمتَّصل، والعارض للسُّكون؛ لمناسبة التَّوسُّط في المدِّ مع التَّوسُّط في السُّرعة، وهذا من التَّناسب والموافقة.

المرتبة الثَّالثة: الحدر: وهي القراءة بسرعة مفهمة من غير استيضاح، مع مراعاة أحكام التِّلاوة، ويعتمده الرَّاغب في تكثير الحسنات بكثرة المقروء، ومن يقصد الكثرة في العرض كالمراجعات الذَّاتيَّة للحفَّاظ في أورادهم الخاصَّة، وكذلك طلَّاب الحلقات في المراجعات الثَّنائيَّة التَّقابليَّة بين الأقران، أو ما يُعرض من أوراد المحفوظ على المعلِّمين، أو ما يكون في مجالس المذاكرات، وكذلك في الصَّلوات الطَّويلة كالتَّراويح وقيام اللِّيل، وكذلك مجالس الاستعداد للمسابقات القرآنيَّة، وكذلك مجالس معالجة اعتياد البطء حتى ينتقل القارئ منه إلى السُّرعة.

تنبيهات مهمَّة عنها

وينبغي أن ينتبه الحادر ممَّا يقع فيه الكثيرون من تداخل الكلمات، وإدماج الحروف، وعدم الإفهام، وسوء الوقف وقبح الابتداء، ونقص مقادير المدود والغنَّات، واختلاس الحركات وسرعة الكلمات، ونحو ذلك من عيوب الحدر، وترعيد الصَّوت وترقيصه في المدود، وتطنين الغنَّات؛ قال ابن الجزريِّ رحمه الله: "وأمَّا الحدر فهو مصدر من حدر - بالفتح يحدُر بالضَّمِّ - إذا أسرع فهو من الحدور الذي هو الهبوط؛ لأنَّ الإسراع من لازمه بخلاف الصُّعود فهو عندهم عبارة عن إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر، والتَّسكين، والاختلاس، والبدل، والإدغام الكبير، وتخفيف الهمز، ونحو ذلك ممَّا صحَّت به الرِّواية، ووردت به القراءة، مع إيثار الوصل، وإقامة الإعراب ومراعاة تقويم اللَّفظ، وتمكُّن الحروف، وهو عندهم ضدُّ التَّحقيق. فالحدر يكون لتكثير الحسنات في القراءة، وحوز فضيلة التِّلاوة، وليحترز فيه عن بتر حروف المدِّ، وذهاب صوت الغنَّة، واختلاس أكثر الحركات، وعن التَّفريط إلى غاية لا تصحُّ بها القراءة، ولا تُوصف بها التِّلاوة، ولا يخرج عن حدِّ التَّرتيل" [3]

تنبيه مهمٌّ

ومن الأخطاء: (الهذرمة) وهي القراءة بسرعة شديدة حتى تكون القراءة غير مفهومة، ممَّا يترتَّب عليه تداخل الكلمات، أو إسقاط للحروف؛ وهذه الصُّورة ممنوعة لما فيها من النَّقص، وعدم البيان للنَّصِّ القرآنيِّ، ومشابهته بكلام البشر، وفيها سوء أدب مع كلام الله تعالى، والأجمل أن يُتلى كتاب الله تعالى بما يليق مع الأدب.

الصُّورة الثَّانية: القراءة البصريَّة = النَّظر المجرَّد:

وهي القراءة بالنَّظر المجرَّد من الصَّوت؛ فيعمد القارئ إلى الوجه القرآنيِّ فيُمرِّر بصره على الآيات دون تحريك اللِّسان؛ وتستخدم هذه الصُّورة حينما يشعر القارئ بإجهاد شديد فيلجأ إلى المراجعة ببصره بصمت؛ وهذه الصُّورة لا يحصل بها الأجر المترتِّب على تلاوة القرآن الكريم؛ لأنَّ شرط الذِّكر الحاصل معه الأجر أنَّ يتواطأ القلب مع اللِّسان في الذِّكر؛ لكنَّ ثمرة القراءة البصريَّة من حيث ثبات الحفظ، وحصول المراجعة متحقِّق ولو بنسبة يسيرة.

الصُّورة الثَّالثة: القراءة النَّفسيَّة:

وهي القراءة التي لا يصحبها نظر أو صوت؛ وإنَّما تكون بتمرير الآيات في النَّفس من غير إعمال اللِّسان أو العينين؛ وتكون هذه الصُّورة في الأماكن والأحوال التي لا يتمكَّن القارئ فيها من القراءة بغيرها؛ كالكُنف، أو المرض الشَّديد الذي لا يتمكَّن معه القارئ من استعمال صوته؛ وهذه الصُّورة في حصول الأجر كسابقتها تمامًا بتمام.

فائدة وترجيح

فائدة: بعض أهل العلم يعدُّ: (التَّرتيل) مرتبة من مراتب التِّلاوة؛ لكنَّ الجمهور من أهل الأداء يرون أنَّ: (التَّرتيل) وصف وليست مرتبة مستقلَّة، فهو يعمُّها كلَّها؛ إذ لو كانت مرتبة مستقلَّة لم تكن مرتبتا التَّدوير والحدر ترتيلًا؛ فمعناه أداء اللَّفظ القرآنيِّ بالأحكام التَّجويديَّة؛ خاليًا من الأخطاء التي قد تعتري اللِّسان، فالتَّرتيل معنًى يعمُّ سرعات القراءة الثَّلاث؛ فمن أخذ بمرتبة التَّحقيق في التِّلاوة طولب بالتَّرتيل، ومن أخذ بالتَّدوير رتَّل، ومن أخذ بالحدر رتَّل؛ فالتَّرتيل أمر مطلوب مهما كانت سرعة التِّلاوة.


(1) النَّشر في القراءات العشر، لأبي الخير ابن الجزريِّ، (1/205).

(2) المرجع السَّابق، (1/207).

(3) المرجع السَّابق نفسه.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله