المبدأ السَّادس: واضع علم التَّجويد
ونقسِّم الواضع لهذا العلم إلى قسمين:
الأوَّل: واضعه من النَّاحية العمليَّة التَّطبيقيَّة: ولم يختلف أحد من العلماء في أنَّ أوَّل من وضع علم التَّجويد من النَّاحية العمليَّة هو النَّبيُّ ﷺ فلقد تلقَّى القرآن الكريم عرضًا على أمين وحي السَّماء جبريل عليه السَّلام، ومن ثمَّ تلقَّاه الصَّحابة رضي الله عنهم من النَّبيِّ ﷺ فنقلوا عنه كلمات القرآن الكريم لفظًا وأداءً؛ وظلَّ التَّلقِّي، والمشافهة، والمحاكاة سمة ظاهرة لهذا الجيل من الصَّحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من التَّابعين؛ لسلامة لسانهم، وقربهم من زمن النُّبوَّة، وقوَّة قريحتهم وذاكرتهم التي مكنَّتهم من المحاكاة التَّامَّة لما تلقَّوه.
الثَّاني: واضعه من النَّاحية العلميَّة التَّأصيليَّة: وقد اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في تحديد أوَّل من ألَّف في علم التَّجويد؛ لعدم توفُّر الأدلَّة القطعيَّة التي تسمح بالتَّرجيح المؤدِّي إلى اليقين الجازم؛ فمن قائل بأنَّه: "أبو الأسود الدُّؤليُّ حين وضع أصول ومقدِّمات علم النَّحو" ومن قائل بأنَّه: "الخليل بن أحمد الفراهيديُّ" ومِن قائل بأنَّه: "أبو القاسم عُبيد بن سلام" وقال قوم: "بل وضعه أئمَّة اللُّغة عبر العصور والأزمان" وأيًّا ما يكون من وضعه فإنَّ لكلِّ عالم وباحث في هذا العلم إسهاماته التي تدلُّ على مدى حفظ الله تعالى لكتابه؛ حيث وَفَّق العلماء من كلِّ عصر ومصر إلى خدمة القرآن الكريم من كلِّ زاوية من زواياه، ولا أرى كبير فائدة تعود علينا من الاستطراد في ذكر الخلاف في هذه الجزئيَّة؛ وهذا ما جعل علماء الصَّنعة يقول: "إنَّ أئمَّة العربيَّة عبر العصور هم مَن قعَّدوا له".
فائدة: وإنَّما تأخَّر تدوين التَّجويد كعلم من العلوم التَّأصيليَّة عن التَّطبيق العمليِّ؛ لأنَّ الأداء الموافق لمعايير الصِّحَّة في نطق الأصوات العربيَّة أمر سابق على تدوين المعلومات الصَّوتيَّة؛ فالمعلومات مُستقاة من المعمولات؛ وهي تتبُّع الرُّواة والنَّقلة للَّفظ القرآنيِّ، ومن البديهيِّ أن يتقدَّم التَّأصيل النَّظريُّ على العمل التَّطبيقيِّ؛ لأنَّ الثَّاني يُبنى على الأوَّل؛ فالأوَّل علم يُحدِّد المسير الصَّحيح للأداء؛ لكن هذا في غير العلوم التي نشأت بسبب فساد الطِّباع والسَّجايا؛ كالنَّحو، والصَّرف، والتَّجويد؛ فإنَّ العربيَّ الأوَّل يتكلَّم ويقرأ بسليقة وقريحة تحول بينه وبين الخطأ؛ فلم يحتج إلى تعلُّم ما يمكِّنه من التِّلاوة الصَّحيحة قبل الأداء؛ لتحقُّق ذلك في الواقع.
إنَّ اختلاف العلماء في تحديد أوَّل مَن وضع علم التَّجويد يُعنى به التَّأليف والتَّصنيف النَّثريُّ، أمَّا التَّصنيف الشِّعريُّ والنَّظم فيكاد يتَّفق المحقِّقون على أنَّ أوَّل من نظم في هذا الفنِّ= أبو مزاحم موسى بن عُبيد الله يحيى بن خاقان البغداديُّ المقرئ (ت:325ه) رضي الله عنهم قصيدته الرَّائيَّة من أروع ما أنت قارئ في هذا الفنِّ الجليل؛ وعدد أبياتها= (51) بيتًا من عيون الشِّعر العلميِّ الفصيح البليغ؛ وقد شرحها كثير من العلماء قديمًا وحديثًا.
واعلم - علَّمني الله وإيَّاك - أنَّ سبب وضع علم التَّجويد يكمن في كثرة الفتوحات الإسلاميَّة، واختلاط العرب بالعجم؛ فأثَّروا وتأثَّروا؛ فحصل ضعف شديد في اللُّغة العربيَّة من جرَّاء هذا الاختلاط؛ وبدأت معالم اللُّغة تطمس وتندرس؛ فأسرع علماء اللُّغة الحريصون على الحفاظ على هويَّة الأمَّة إلى وضع أصول العربيَّة، والتي منها أصول علم التَّجويد، كما أنَّ شيوع اللَّحن الجليِّ والخفيِّ على ألسنة النَّاس أفزع العلماء المخلصين؛ فتحرَّكوا بكلِّ سبيل لتدارك الخرق الذي من شأنه - إن استشرى في عظام الأمَّة - أن يؤثِّر على مصادر دينها؛ فانطلقوا من حرصهم الشَّديد على الحفاظ على اللِّسان العربيِّ، وخوفًا من تطرُّق اللَّحن إلى القرآن الكريم؛ مع إيمانهم الذي تتزلزل الجبال الشَّوامخ ولا يتزلزل بأنَّ الله حافظ دينه، وكتابه من أن تطاله يد تحريف أو تبديل؛ لكن لم يمنعهم ذلك من الأخذ بكلِّ سبيل للحفاظ على هذا الكتاب العظيم بكلِّ ما أوتوا من ملكات وقوَّة.