الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

إِرشَادُ الكِـبـارِ

إِلَـى طُرُقِ تَحصِيلِ التَّدَبُّرِ مَعَ قِصَرِ الأَعمَارِ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

سؤال:

وبعد: فقد وجَّه إليَّ بعض الفضلاء [1] سؤالًا مضمونه: ما هي نصيحتك - أيَّدك الله بالحجَّة والبرهان - لمن هو على مشارف الخمسين قد مضى أكثر عمره، ولم يدرِ ما بقي له إلى أجله، بماذا يشغَل ما بقي من عمره ممَّا يقرِّبه إلى الله تعالى والدَّارِ الآخرة؟ هل يشغلُه بالقرآن الكريم تلاوة وتدبُّرًا ومدارسة؟ وإن كان كذلك فما هي أفضل السُّبل لتدبُّر القرآن الكريم وتعلُّمه؟ وما هي الكتب التي تنصح بمدارستها؟ وإن كان غير ذلك أو زيادة عليه فما هو قولك ونصحك - بارك الله عمُرك -؟.

وللجواب أقول:

أي عزيزي، لقد وافتني رسالتُك في مطلع خير أيَّام طلعت عليها شمس العامِ، ووافقت في نفسي رغبةً في تحرير رسالةِ نُصح إلى أهل الإسلام، فالأرضُ تشهد تحوُّلًا لم يقع لها من زمن العماليق الجِسَام!، وتنشِب حروبٌ وصراعاتٌ بين الدُّول على أتفه الكلام!، وتتحقَّق النُّبوءاتُ المخوِّفةُ من قُرب زمن الفتن العِظام!، وتمرُّ الأيَّام مرور المسرع الهارب من وقع الحُسام! [2]، وتنقضي الأعمار الطَّويلة قبل جفاف حبر الأقلام! - وأعمار الأمَّة أقصر أعمار الأنام [3] - ويقترب من الأجداث الصَّحيحُ ومَن به الأسقام؛ وعلى سماء الجيل خيَّمت سحابةٌ سوداءُ تُرسل الموت الزُّؤام، وارتفع الأمن والأمان وحلَّ الخوف والإجرام، وأعرض النَّاس على الله تعالى مُشتغلين بالأخبار والإعلام، ومع كلِّ هذا مازالت النَّفس في باطلها تطلب الأوهام، كم تجرَّأت على الله تعالى بفعل الحرام!، وكم ارتكبت في الخَلوة والجَلوة من الآثام!، وكم ضيَّعت فرصًا أناخت ببابها بلا إقدام!، وكم آثرت لذَّة الفاني على الباقي في دار السَّلام!، ولم تعتبر بمصرع الهلكى في أودية الفتن والغرام، فغرِقت في بحور الخطايا الضِّخام، وتاهت في متاهات الشَّقاء والأحلام، وزلَّت في رمال الصَّحاري والآكام، وبقيت على هذا رَدحًا من زمان الصِّبا فطال المقام، حتى إذا زادت الأحمال، ومات الرِّجال، واقتربت الآجال، وتفلَّتت الأجيال، عادت النَّفسُ ترجو الإمهال، وهذا أوان الإيلام.

خطُّ الخمسين قاطع للذَّة البقاء

إنَّ الاستفاقة المتأخِّرة خير من التَّمادي في الغفلات، وإصلاح الأعمال أحسن من تكثير السَّيِّئات، وإيقاف النَّزيف أنفع من الموت بالحسرات، وحُقَّ لمن بلغ الخمسين أن يستعدَّ للسَّكرات، وفي الحديث: «أعذر الله [4] إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلَّغه ستِّين سنة» [5] فما انتفع بالعظات، فإنَّ خطَّ الخمسين يعني انتصاف القرن في الهفوات، وانصرام الأيَّام في اللَّهو والملذَّات، وإهدار الطَّاقات في فعل المحرَّمات، كيف يحرق الأعمار والأوقات؟! وكيف يُسرف نفسه بالموبقات؟!، أهكذا يفعل العقلاء الثِّقات؟! [6]، فالبِدار البِدار قبل الفوات، فمن عاش مات، ومن مات فات، وكلُّ ما هو آت آت:

وَيَقبُحُ بِالفَتَى فِعلُ التَّصَــابِـي وَأَقبَحُ مِنـهُ شَيخٌ قَــد تَفَتَّـى [7]

جهود العلماء في التَّذكير برعاية العمر

وما فتئ العلماء يُذكِّرون من بلغ الأربعين [8] فما فوقها بالرُّجوع، فإذا اكتمل الضَّوء انطفأت الشُّموع، ودليل نهاية الشَّهر مرورُ الأسبوع، فمن بلغها أو جاوزها فليذرفِ الدُّموع، ويُطلِ الجوع، ويُدمِ الخشوع، ويُظهرِ الخضوع، ويُكثرِ الرُّكوع، ويردِ النُّبوع، ويرأبِ الصُّدوع، ويصحبِ القَنوع، ويقطعِ النُّزوع، ويهجرِ الذُّيوع، ويحذرِ الوُقوع، ويتركِ الوُلوع، فإن فعل فهو المتبوع، وإلَّا ندم كالملسوع؛ قال ابن المعتزِّ رحمه الله [9] :

وَمَا أَقبَحَ التَّفرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا! فَكَيفَ بِهِ وَالشَّيبُ لِلرَّأسِ نَازِلُ؟!

تَرَحَّل مِنَ الــدُّنيَا بِـزَادٍ مِــنَ التُّقَـى فَعُمــرُكَ أَيَّــامٌ تُعَـــدُّ قَــــــــلَائِـلُ

العناية بالقرآن أصل الأصول

ثمَّ أمَّا بعد: فإنِّي شاكر لك فصيح السُّؤال، وسليم المقال، وجميل الحال، فقد عرَفتك مقبلًا على آخرتك منذ زمن ليس بالقريب، ومشتغلًا بالنَّافع من العلم والعبادة والتَّرتيب، فليس عليك من كلام العتاب السَّابق أدنى تتبيب، ولم يكن لك فيه شيء من اللَّوم والتأنيب، وإنَّما افتتحت المقال بنصح نفسي والغريب، ودونك نُصحَ الشَّفيق الحبيب:

إذا اقتربت شمس الحياة من الأفول، ولاحت على المرء أمارات الذُبول، كان إصلاح ما يُقبل عليه أنفع من إصلاح ما عنه يزول [10]، والاشتغال بصنوف الصَّالحات غاية المأمول، والقرآن الكريم أصل الأصول، وأعظم وسائل الفوز والوصول، وسرُّ أسرار الرِّضا والقبول، ومنه إلى الجنَّة الانطلاق والدُّخول، ولم يفت من حصَّله إلَّا الفضول، ولم يظفر من فوَّته بشيء من المحصول، فأقبل عليه إقبال الفرسان على الخيول، واستمسك به استمساك العقلاء بالعقول، ولا تتبع معه منهج الجاهل الجهول، ولا تسلك به مسالك الأحمق الكسول، فلا خير في أمر يصرفك عنه إلى أودية الخمول:

وَلَيسَ لِمَرءٍ بَعدَ مَا شَابَ رَأسُهُ نَجَاحٌ بِإِتيَـــانِ السَّفَاهِ وَلَا عُذرُ

حسن الوصال وإصلاح العلاقة بالقرآن

إنَّ العيش مع القرآن الكريم لا يتوقَّف عند حدود، ولا يحول دون هداياته الحواجزُ والسُّدود، فاغترف من أنواره اغتراف الأسود، وتتبَّع ما تيسَّر فيه من المعاني والعهود، وانبذ عنك ما يقع من الكسل والرُّكود، وترقَّ في مدارجه بالعلوِّ والصُّعود، وابذل في سبيل تحصيله كلَّ جُهد وجُود، ولا تجعل بينك وبينه الحوائل والقيود، ولا تكن عن أنواره كالمخذول القَعود، واهجر صنيع النَّصارى واليهود، فقد حرَّفوا التَّوراة والإنجيل والتُّلمود، فاقرأ حروف القرآن بالغُنن والمدود، واحفظ كلامه بالاجتهاد الممدود، وافهم معانيه بالسَّعي لإدراك المقصود، وارق به نفسك من عين كلِّ حسود، وتحاكم إليه في كلِّ بند من البنود، وأنفذ أوامره من غير صدود، وكفَّ عن نواهيه تعظيمًا للمعبود، فهذا أسمى مسالك الورود.

سبل التَّدبُّر وخطواته

وأمَّا أفضل السُّبل للتَّدبُّر، فلِازمةُ عَلَمٍ يتفكَّر، وصحبةُ شيخ يتذكَّر، وسماعُ نبيه يتدبَّر، وشهودُ عليمٍ يتبصَّر، ونقاشُ أديبٍ يتصبَّر، وسؤالُ بليغٍ يتأثَّر، وإعانةُ رجلٍ يتحيَّر، وبلاغُ سَؤولٍ يتخبَّر، وتأمُّلُ متنٍ يتحرَّر، وقراءةُ كتب تتقرَّر، وفراقُ بليد يتحسَّر، ووداعُ دعيٍّ يتكبَّر، وعقودُ نوايا تتطهَّر، ورعاية شيخٍ يتنوَّر، وزيارةُ بلدٍ يتطوَّر، وغنيمةُ عمُرٍ يتحوَّر، ولِحاقُ زمانٍ يتموَّر، وتجنُّبُ حكمٍ يتجوَّر، فيجيء العلم ويتيسَّر، ويسود الحقُّ ويتأمَّر، وظلام الباطل يتبخَّر.

وطريقة التَّدرُّج في التدبُّر وإدراك المعنى الوليد

إتقان قراءة الآية القرآنيَّة بالتَّجويد، ثمَّ تتبُّعُ غريب كلماتها العربيَّة بالتَّحديد، ثمَّ النَّظرُ في كتب الغريب لمعرفة معناها السَّديد، والوقوفِ على ما قيل فيها من الكلام الفريد، ثمَّ تركيبُه مع المعنى الإجماليِّ للسِّياق المجيد، ثمَّ الخروجُ بعد ذلك إلى المعنى المراد الرَّشيد، ثمَّ التَّأمُّلُ في النَّصِّ لتوليد المعنى الجديد، والوقوفِ بالنَّظر على شيء من سرِّه الحميد، وهذا لا يكون إلَّا بعد الجهد الشَّديد، فصناعةُ الملَكة التَّأويليَّة حاصلٌ بالتَّعويد، ومَن أدمن القرعَ لان له الحديد، ومَن اقترب مِن العُلا قرُب له البعيد، ومَن بذل مهر الحور فهو السَّعيد، فالوقوف على الأسرار حاصل بالتَّكرار والتَّرديد.

كتب يُنصح بها

وأمَّا الكتب التي أنصح بها فيكفيك منها القليل، فهي إضاءاتٌ تُنير السَّبيل، وموردٌ يُروى به الغليل، ودواءٌ يُذهِب سَقمَ العليل، وقنطرةٌ مُوصِّلة إلى الفتح الجليل، وليس عنها عِوضٌ أو بديل، ككتاب ابن كثير والتَّسهيل، فهما تقريب لعلوم التَّنزيل، وفيهما صناعة وعي المتدبِّر بالتَّدليل، فخذهما بقوَّة واهجر التَّقليل، وبادر العمل واحذر التَّأجيل، وسابق الزَّمن واترك التَّعليل.

الموازنة بين العلم والعمل

واعلم - دام نفعُك - أنَّ المقصد من العلم العمل، ومع كثرته لا يُحيط به العَجل، ولا يُجمَع ولو بلغ الأجل، وليس عن قليله بدل، ولا في كثيره طمع وأمل، فالمرء من المنيَّة على وجل، ومن الجهل على حذر الزَّلل، فخذ منه ما يسدُّ الخلل، وتجنَّب معه المراء والجدل، واصحب المحبرة بلا كلل، ولا تصل فيه إلى حدود الملل، تذق به طعم العسل، وتكن معه في أعالي القُلل، وتنجُ به من بلاء البَلل، وتلبس له جليل الحُلل، وتسكن معه جميل الظُّلل، وتسلم به من آفة العِلل، فدونك لا ترضى به البدل، ولا تقع معه في الكسل، فأنت الأسد الهصور البطل.

العناية بإصلاح العمل قبل الأجل

ولـمَّا كانت العبادةُ مجالَ الجزاء، والعملُ سبيلَ الارتقاء، والأجلُ نهايةَ الأحياء - فإذا اقتربت الآجالُ، وسقط الرِّجالُ، وألهى المالُ، وشغل العيالُ، وتبدَّل الحالُ، وكثر القتالُ، وجرى الإبدالُ، وظهر الجدالُ، وانعدم الفالُ - حرص العقلاءُ على إصلاح الأعمال [11]، والاستكثار بلا مَلال، مع السَّلامة من الإعلال، والبعد عن سيِّء الفِعال؛ فهجروا الحرامَ إلى الحلال، والجرأةَ إلى الإجلال، والقطيعةَ إلى الوِصال، والسُّفولَ إلى القِلال، والخمولَ إلى النِّضال، والهوانَ إلى النِّصال، والفرارَ إلى القتال، والحرَّ إلى الظِّلال، والكبرَ إلى الإذلال، فاسلك سبيل الأبطال، واعتبر بمضرِب الأمثال، وفكَّ قيود الأغلال، وأصلح نفسَك والأجيال، واستعن بالملك المتعالِ.

والله أعلم وأحكم، وهو أعزُّ وأكرم

والحمد لله ربِّ العالمين

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله