أهمِّيَّة دراسة علم الغريب القرآنيِّ:
إنَّ الأهمية الحقيقية لعلم غريب القرآن الكريم تظهر في أنه بوابة المسلم إلى فهم معاني الكلمات الواردة في القرآن الكريم، فهو مفتاح ينتقل من خلاله المسلم إلى ساحة التفسير الرحيبة؛ فمن خلال معرفة الغريب يُحصِّل الدارس إضاءة عامة على الآيات قد تمكنه من الفهم العام للآيات، مما يكون له أكبر الأثر في إعانته على التدبر والفهم الجيد للقرآن الكريم، مما يسوق إلى العمل بمضمون المعرفة المفهومة، ويتمكن من خلاله العلماء من استنباط الأحكام الشرعية؛ قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: "فألفاظ القرآن لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم" [1]
ويعتبر غريب القرآن الكريم من العلوم التي تجلِّي أهمية اللغة العربية في فهم معاني التنزيل، فمن الضروري أن يكون الباحث في هذا العلم على علاقة وطيدة باللغة العربية فهما ودراسة؛ لأن الغريب يعتني ببيان معنى اللفظة القرآنية عند العرب الذين نزل القرآن الكريم بلسانهم، مما يؤكد على قوة اللغة العربية، وأنها غنية بالألفاظ ذات الدلالات المفردة أو المشتركة؛ يقول الزركشي رحمه الله: "يحتاج الكاشف عن معاني القرآن إلى معرفة علم اللغة، اسما وفعلا وحرفا، فالحروف - لقلتها- تكلم النحاة عن معانيها فيؤخذ ذلك من كتبهم، أما الأسماء والأفعال، فيؤْخذ ذلك من كتب اللغة… قال يحيى بن نضلة المديني سمعت مالك بن أنس يقول لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالًا. وقال مجاهد رحمه الله: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب" [2]
فائدة دراسة علم الغريب القرآنيِّ
لمعرفة الغريب فوائد كثيرة، ويمكن إجمالها فيما يلي:
1 - الاعتناء بفهم كلام الله تعالى، وهذا من أجل الأعمال التي يمكن للمسلم أن يعتني بإقامتها؛ لما فيها من الرعاية والعناية بما يعود على المرء بالنفع.
2 – تحصيل الأجر والثواب لتفريغ الأوقات لمدارسة فن من فنون العلم يخدم المعنى القرآني الذي يسهم في تكوين شخصية المسلم، وتحسين علاقته بمصدر عزته وكرامته القرآن الكريم.
3 - تعتبر اللبنة الأولى في بناء صرح طالب علم التفسير، فالتدرج المرحلي في العلم يقتضي ألا يبدأ الدارس بمطالعة كتب أولا، بل يبدأ بكتب الغريب فهو من أهم أدواته التي يحتاج إليه في طريق درايته بالتفسير؛ قال الزركشي رحمه الله: "الذي يجب على المفسر البداءة به العلوم اللفظية وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة فتحصيل معاني المفردات من ألفاظ القرآن من أوائل المعادن لمن يريد أن يدرك معانيه وهو كتحصيل اللبن من أوائل المعادن في بناء ما يريد أن يبنيه" [3] وقال السيوطي رحمه الله: "معرفة هذا الفن أمر ضروري للمفسر كما سيأتي في شروط المفسر" [4]
أهمُّ مصادر علم الغريب القرآنيِّ:
عند الوقوف على الكلمات الغريبة في القرآن الكريم فإن المفسر يعتمد في بيان معناها على جملة من المصادر التي تضمن بيان المعنى المراد من اللفظة، ويمكن إجمالها فيما يلي:
1 - القرآنُ الكريمُ نفسه، لأنه يُفسِّر بَعْضُه بعضا، فيمكن حمل لفظ على لفظ آخر ليتضح المعنى المراد من الأول؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] فُسِّر فعل الظلم بالشرك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]
2 - الأحاديث المروية عن الرسول ﷺ في تفسيره لألفاظ القرآن الكريم؛ ففي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] قلت: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض، وعقالا أسود؛ أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله ﷺ: «إن وسادتك لعريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار» [5]
3 - الآثار المروية عن الصحابة رضي الله عنهم في بيان معنى كلمة من القرآن الكريم؛ لأنهم أعرف الناس بالمعنى المراد؛ فهم قوم عايشوا التنزيل، وشاهدوا زمان النزول، مع ما عُرِف عنهم من الفصاحة والبيان، وكان عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما من أكثر الصحابة رضي الله عنهم تأويلًا وتبيينًا لمعاني القرآن الكريم.
4 - لغة العرب وأشعارهم وأساليبهم في الخطابة والبيان؛ وقول المتقدمين أكثر في الاستشهاد به والاحتجاج؛ وكان المفسرون يعتمدون على ما ورد عن العرب في تفسيرهم لغريب القرآن؛ قال عمر رضي الله عنهما وهو على المنبر: "يا أيها الناس، عليكم بديوان شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم" وقال السيوطي رحمه الله في الإتقان: "قال أبو بكر بن الأنباري رحمه الله: قد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين - كثيرا - الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر. وأنكر جماعة - لا علم لهم - على النحويين ذلك، وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن. وقالوا: كيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث!؟... ثمَّ قال: وليس الأمر كما زعموا من أنا جعلنا الشعر أصلا للقرآن، بل أردنا تَبْيِينَ الحرف الغريب من القرآن بالشعر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: 3] وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: 195] وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الشعر ديوان العرب؛ فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديواننا، فالتمسنا معرفة ذلك منه" قال أيضا: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب" [6]
(1) المفردات، للراغب الأصفهاني صـ: (55).
(2) البرهان في علوم القرآن، للزركشي (1/292).
(3) البرهان في علوم القرآن، للزركشي (2/173).
(4) الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (2/5).
(5) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (تفسير القرآن) باب: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم...) برقم: (4509) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الصيام) باب: (بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر) برقم: (1090).
(6) الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي (2/67).