الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أهمِّيَّة غريب القرآن الكريم

إن العناية بغريب القرآن الكريم من أهم ما يجدر بالمتعلم أن يوليه الاهتمام والرعاية؛ فهو باب التأويل، وعمدة الإدراك لمعاني التنزيل، ولا يتحقق التدبر المفضي إلى حسن الفهم وإتقان العمل إلا به، فالجهل به لا يحسن بقارئ القرآن؛ لأنه قد يَهِم في المعاني فيعتقد فيها ما لا يُراد؛ يقول عبد الحميد الفراهي الهندي رحمه الله: "لا يخفى أن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام؛ فمن لم يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن أغلق عليه باب التدبر، وأشكل عليه فهم الجملة، وخفي عنه نظم الآيات والسورة، ولو كان الضرر عدم الفهم لكان يسيرا، ولكنه أكثر وأفظع؛ حيث يتوهم اللفظ ضد ما أريد به، فيذهب إلى خلاف الجهة المقصودة" [1]

من أجل هذا نبه العلماء في القديم والحديث على ضرورة الاعتناء بالغريب؛ فهو أول لبنات بناء صرح القرآن الكريم عند الراغبين في مواصلة المسير بعد الحفظ والإتقان؛ قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: "أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن: العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية: تحقيق الألفاظ المفردة؛ فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه؛ كتحصيل اللَّبِن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه، وليس ذلك نافعا في علم القرآن فقط، بل في كل علم من علوم الشرع" [2]

تعريف غريب القرآن الكريم

معنى غريب القرآن: إن غريب القرآن جزء من علم التفسير لكنه خاص ببيان معاني المفردات اللفظية التي تعد اللبنة الأولى في صرح التفسير القرآني، وهدفه الذي يرمي إليه= معرفة المدلول المعنوي للألفاظ، ليحصل نوع من وضوح المعنى للقارئ بإدراك المعنى المراد من الألفاظ، دون التعرض لما سوى ذلك من متعلقات التفسير والبيان، ومن خلاله يستطيع القارئ فهم السياق الإجمالي للآية؛ فإن السياق مقيد للمراد من المعاني، ففهم ما غمض من المعنى كفيل بفك غموض الآية كلها عن طريق فهم السياق العام؛ فالتفسير قائم على بيان معاني المفردات، ثم بيان المعنى العام من خلال جمع معاني المفردات، مع الأخذ في الاعتبار النظر في المعاني بأسلوب العرب الذين نزل عليهم القرآن الكريم.

تعريف الغريب لغة

الغريب لغة: تدور كلمة: (غَرب) في المعاجم اللغوية حول جملة من المعاني؛ منها الغياب والبعد والغموض والخفاء؛ قال ابن منظور رحمه الله: "غرب أي بَعُد، ويقال اُغْرُب عني أي تباعد… وغربت الكلاب: أي أمعنت في طلب الصيد… والغريب: الغامض من الكلام" [3]

والغريب من الكلام على حد تعبير أبي سليمان الخطابي رحمه الله: "الغامض البعيد عن الفهم، كما أن الغريب من الناس، إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل، والغريب من الكلام يقال به على وجهين: أحدهما أن يراد به أنه بعيد المعنى غامضه، لا يتناول الفهم إلا عن بُعد ومعاناة فكر. والوجه الآخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها" [4]

تعريف الغريب اصطلاحًا

الغريب اصطلاحًا: لقد اختلفت نظرة المحرِّرين في التَّفسير إلى الغريب على رأيين:

الأوَّل: قصر الغريب على ما غمض من المعاني؛ فالغريب عندهم: ما يُستغلق فهمه على القارئ أو السامع، ويختلف كمّه وفق ثقافة الشخص بالعربية ومدى إلمامه بدلالة ألفاظها. [5]

فليس من الغريب ما ظهر معناه، فغريب القرآن على هذا معناه: الألفاظ الغامضة في القرآن الكريم التي لم تتضح دلالتها على المعنى بشكل ظاهر، لاحتياجها إلى بحث وتنقيب وجهد، لعدم تداولها في كلام الناس بسبب بعدهم عن اللغة، وقد تكون غامضة عند نفر، معروفة عند آخرين.

تحليل: والإشكالية التي تعترض هذا الرأي أن الغريب بناءً عليه يتفاوت بحسب ثقافة القرَّاء للألفاظ؛ فما كان غريبا عندي قد لا يكون غريبا عند غيري ممن هو أكثر اطلاعا مني، فلا ينضبط مصطلح الغريب بل يرتبط بالأفراد علما وجهلا.

الثَّاني: أدخل في الغريب عامة المفردات القرآنية؛ فليس المقصود بالغريب ما حصل غموض في معناه على القارئ، بل المراد منه تناول عامة مفردات القرآن الكريم بالبيان والإيضاح كما يظهر ذلك من خلال مصنفات الغريب؛ فالناس متفاوتون فيما غمض من المعاني على حسب ثقافة القارئ ودرايته بالدلالات المعنوية للألفاظ، فقد تكون الكلمة غريبة عند قارئ، بينما تكون في غاية الوضوح عند آخر؛ من أجل هذا كانت العناية موجهة إلى عموم كلمات القرآن الكريم بغرض التوضيح والتفسير؛ قال السعد التفتازاني رحمه الله: "لا يقال الغرابة كما يفهم من كتبهم: الكلمة غير مشهورة الاستعمال، وهما في مقابلة المعتادة، وهي بحسب قوم دون قوم" [6] ويقول الدكتور مساعد الطيار وفَّقه الله: "المراد بالغريب: تفسير مفردات القرآن عموما" [7]

والجميع متَّفق على أنه يستثنى من الغريب ما لا يُجهل معناه؛ كالليل والنهار، والشمس والقمر، والسماء والأرض، وما سار في هذا المسار من الألفاظ الواردة في القرآن الكريم؛ فما ظهر معناه بمجرد الإطلاق لا يحتاج إلى تفسير وبيان، لخروجه عن دائرة البيان للإفهام إلى دائرة الحشو والتطويل الذي لا يخدم النص.

فعلم غريب القرآن هو: العلم الذي يهتم بتفسير الألفاظ الغامضة في القرآن الكريم، وتوضيح معانيها، بما جاء في لغة العرب وكلامهم؛ قال أبو حيان الأندلسي رحمه الله: "لغات القرآن العزيز على قسمين: قسم: يكاد يشترك في معناه عامة المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض وفوق وتحت. وقسم: يختص بمعرفته من له اطلاع وتبحر في اللغة العربية، وهو الذي صنف أكثر الناس فيه، وسَمَّوْه: غريب القرآن" [8]

الفريق بين الغريب والتَّفسير

أن الغريب يُعنى فيه: ببيان معاني الكلمات المفردة من الناحية اللغوية، وهو جزء من التفسير.

أن التفسير يُعنى فيه: ببيان المعاني الإجمالية للآيات القرآنية كجمل متعددة الألفاظ، متفقة المعاني ضمن سياق واحد، فالتفسير أعم من الغريب؛ إذ الغريب جزء منه؛ فالتفسير يقوم على عدد من العلوم، وجملة من الفهوم، ومن جملتها علم غريب القرآن الكريم.

فائدة دقيقة

ومن الجدير بالذكر الإشارة إليه: أن الاكتفاء بمعرفة غريب القرآن لا يُمكِّن كل أحد من فهم معاني القرآن الكريم عامة؛ فالدراية بالغريب خطوة مهمة في معرفة معنى التفسير، ولا يُستغنى بها عنه إلا لخبير حاذق، ومن الأدلة على ذلك أن الاعتماد على الغريب وحده في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78] يجعلنا نقرر أن المعنى: يخبر الله تعالى أن القرآن المتلوَّ في وقت الفجر مشهود. وهذا غير مراد؛ فالمعنى الصحيح الذي جاءت به التفاسير اعتمادا على صحيح الأثر: أن قرآن الفجر= صلاة الفجر، والشاهد الحاضر= الملائكة؛ أي: "إن صلاة الفجر مشهودة من الملائكة" فحمل اللفظ على الحقيقة اللغوية المجردة من اعتماد الوسائل التوضيحية الأخرى يُفضي إلى مفسدة عظيمة في فهم النص الشرعي.


(1) مفردات القرآن، لعبد الحميد الفراهي صـ: (95) بتصرف بالاختصار.

(2) يُنظَر: المفردات، للراغب الأصفهاني صـ: (54).

(3) لسان العرب، لابن منظور (1/640).

(4) غريب الحديث، لأبي سليمان الخطابي (1/70).

(5) التبيان في تفسير غريب القرآن، لأبي العباس ابن الهائم، تحقيق: د. ضاحي عبد الباقي محمد صـ: (1).

(6) شرح تلخيص المفتاح، للسعد التفتازاني صـ: (18).

(7) يُنظَر: أنواع التصنيف، للدكتور مساعد الطيار صـ (60).

(8) يُنظَر: تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، لأبي حيان الأندلسي (1/40).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله