الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

دور التَّقييم في التَّقويم التَّعليميِّ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

وبعد: فتُعدُّ الاختبارات التَّعليميَّة في المؤسَّسات العلميَّة من أهمِّ الأدوات التي يستخدمها المعلِّم والإشراف والإدارة لمعرفة مدى استفادة الطُّلَّاب بالمعلومات التي اكتسبوها من خلال دراستهم؛ وذلك عن طريق الاطِّلاع على أجوبتهم عن الأسئلة الموجَّهة إليهم في عمليَّة الاختبار.

تطوُّر التِّقنيات التَّعليميَّة

ولقد تطوَّرت تقنيات الاختبارات التَّعليميَّة تطوُّرًا ملموسًا حتى أصبحت ذات صور متعدِّدة، وطرائق متنوعة؛ لكنَّها بجميع صُورها تهدف إلى الاطمئنان على المستويات التَّعليميَّة للطُّلَّاب، غير أنَّ المتابع لا يخفى عليه أنَّ تقنيتين فقط هما الأفضل من بين طرق الاختبارات التَّعليميَّة جميعًا؛ وهما:

التَّقنية الأولى: اللِّسان والآذنان= (الاختبار التَّقابليُّ= الشَّفهيُّ) فإنَّه من أنجح الوسائل المستخدمة في مجال الاختبارات التَّعليميَّة، ومعناها: أن يتواجه الطَّالب مع معلِّمه الذي يوجِّه إليه الأسئلة المتضمِّنة للمقرَّر المدروس، مع شروعه في الرَّدِّ عليها من خلال مذاكراته؛ لمعرفة قدرته على الإلقاء، واختبار قدرات الحفظ والفهم.

التَّقنية الثَّانية: القلم والورقة= (الاختبار الكتابيُّ= التَّحريريُّ) فإنَّها لاتزال من أفضل التِّقنيات المستخدمة لتقييم الطَّالب رغم وجود العديد من التِّقنيات الأخرى، ومعناها: أن يتمَّ عرض الأسئلة على الطُّلَّاب في صورة ورقة تحوي المسائل التي يُطالَبون بكتابة الإجابة عنها في ورقة أخرى؛ لتعويدهم على الإلقاء الصَّامت، وإخراج المعلومات عن طريق الكتابة؛ ليتعوَّدوا التَّأليف والتَّحرير، ويُنموا قدرات البحث والثَّقافة.

العلاقة بين نوعي الاختبارات

لقد أيقن العقلاء مدى التَّلازم بين العمليَّة التَّعليميَّة والاختبارات العلميَّة؛ فلا يُمكن الفصل بينهما بحال؛ لأنَّ المعلومات التي يستقبلها الطُّلَّاب في العمليَّة التَّعليميَّة لا يُستدلُّ على إتقانهم لها؛ معرفة، وحفظًا، وفهمًا إلَّا عن طريق اختبارهم فيها؛ لذا كانت  الاختبارات تعدل نصف العمليَّة التَّعليميَّة؛ لأنَّها تُبيِّن للمعلِّم مواطن الضَّعف عند الطُّلَّاب؛ فيسعى لإصلاح الخلل، وتصويب الخطأ، وتقويم الاعوجاج، ونحو هذا.

ومن فوائدها أيضًا: أنَّها تكشف عن المستوى الحقيقيِّ للطَّالب أمام نفسه، وبيئته المجتمعيَّة، وبيئته التَّعليميَّة، فيسعى الطَّالب المقصِّر إلى الاهتمام بالمذاكرة حتى لا يظهر في صورة الطَّالب الضَّعيف أمام الجميع.

ومن فوائدها أيضًا: أنَّها تُظهر الطَّالب المتفوِّق النَّشيط المحبَّ لدروسه أمام الجميع؛ ليتمَّ الاعتناء بالرُّقيِّ بمستواه من قِبَل المؤسَّسة التَّعليميَّة، وتكريمه من قِبَل البيئة المجتمعيَّة، ويكون محلَّ تقدير من جميع زملائه؛ فالاختبارات ونتائجها تضع كلَّ فرد في المكان الذي يُناسبه؛ فالمتفوِّق يُقدَّر ويُكرَّم، والمقصِّر يُوجَّه ويُعلَّم.

ومن فوائدها أيضًا: أنَّها تُظهر نتيجة عمل المعلِّم داخل الفصل الدِّراسيِّ؛ فإنَّ كثيرًا من المعلِّمين لا يُراقبون سوى العُيون المراقِبة لهم، فلا يعتنون بمستويات الطُّلَّاب، أو تفعيل المنهج المقرَّر؛ بسبب انعدام الرَّقابة التَّوجيهيَّة، أو ضعفها؛ فتأتي نتيجة الطُّلَّاب في تلك الاختبارات ضعيفة تدلُّ بلا خفاء على مدى التَّساهل والإهمال والتَّقصير الذي يُعاني منه الصَّفُّ؛ بسبب وجود مشكلة فنِّيَّة تُعيق العمليَّة التَّعليميَّة؛ لذا يجدر بالمسئولين عن التَّعليم في تلك المؤسَّسات أن يعتنوا بالتَّوجيه، والمراقبة؛ من باب التَّعاون على الخير، وإصلاح العيوب الفنِّيَّة، والإداريَّة التي تحدث في الصُّفوف التَّعليميَّة.

ثمَّ اعلم - وفقك الله لمرضاته - أنَّه ثمَّت فرق بين التَّقليد والابتكار في وضع الاختبارات القرآنيَّة؛ فقد درجت أكثر المؤسَّسات القرآنيَّة على التَّنزُّل الشَّديد لمستوى الطَّالب الضَّعيف في وضع الاختبارات؛ فجاءت اختباراتهم عديمة الآثار، ضعيفة الثِّمار، قليلة الدَّلالة على مستويات الطُّلَّاب؛ لأنَّهم لا يبتكرون في طرق وضع الاختبارات.

شرائح الأسئلة القرآنيَّة

والأسئلة القرآنيَّة على ثلاث شرائح:

الشَّريحة الأولى: وهي الأسئلة التي تقع في أوائل الآيات، والأرباع، والأحزاب، والسُّور.

الشَّريحة الثَّانية: وهي الأسئلة الواقعة في أواسط الآيات، والأرباع، والأحزاب، والسُّور.

الشَّريحة الثَّالثة: وهي الأسئلة الواقعة في نهايات الآيات، والأرباع، والأحزاب، والسُّور، وكذلك المتشابهات اللَّفظيَّة، والمسائل التَّعجيزيَّة.

المدارس التَّعليميَّة مع الاختبارات

ويُمكن أن نقسِّم المدارس القرآنيَّة مع الاختبارات إلى:

المدرسة الأولى: من يعتمدون في وضع الاختبارات معادلة: (أن يكون الاختبار القرآنيُّ في مستوى الطَّالب الضَّعيف) فكانوا يضعون الأسئلة من أوائل الأرباع والأحزاب والسُّور؛ ليتمكَّن جميع الطُّلَّاب من الحصول على درجات متقدِّمة؛ تحفيزًا وتشجيعًا.

المدرسة الثَّانية: من يعتمدون في وضع الاختبارات معادلة: (أن يكون الاختبار القرآنيُّ في مستوى الطَّالب المتوسِّط) فكانوا يضعون الأسئلة من الشَّريحتين الأولى والثَّانية - وهو الغالب - ليتمكَّن الضَّعيف من الإجابة عن أسئلة الشَّريحة الأولى= وهي الأوائل، ثمَّ يعجز عن الإجابة على أسئلة الشَّريحة الثَّانية= وهي الأواسط، فيظهر الفرق بين مستويات الطُّلَّاب.

المدرسة الثَّالثة: من يعتمدون في وضع الاختبارات معادلة: (أن يكون الاختبار القرآنيُّ في مستوى الطَّالب المتفوِّق) فكانوا يضعون غالب الأسئلة من الشَّريحة الثَّالثة؛ حتى لا يتمكَّن من النَّجاح في تلك الاختبارات إلَّا ما ندر من أصحاب المستويات المتقدِّمة.

المدرسة الرَّابعة: من يعتمدون في وضع الاختبارات معادلة: (أن يكون الاختبار القرآنيُّ في مستوى جميع المستويات) فكانوا يقسِّمون الأسئلة إلى ثلاثة أثلاث:

الثُّلث الأول: في مستوى الطَّالب الضَّعيف: فيضعونه من الشَّريحة الأولى؛ حتى يتمكَّن الطَّالب ضعيف المستوى من الإجابة عنها.

الثُّلث الثَّاني: في مستوى الطَّالب المتوسِّط: فيضعونه من الشَّريحة الثَّانية؛ ليتمكَّن الطَّالب المتوسِّط من الإجابة عن أسئلة الشَّريحتين الأولى والثَّانية؛ ليمتاز بإجابته عن أسئلة الشَّريحة الثَّانية عن طلَّاب المستوى الضَّعيف؛ من باب حفظ حقوق المجتهد.

الثُّلث الثَّالث: في مستوى الطَّالب المتفوِّق: فيضعونه من الشَّريحة الثَّالثة؛ ليتمكَّن الطَّالب المتفوِّق من الإجابة عن أسئلة الشَّرائح الثَّلاث؛ ويحصل على الدَّرجة التي يستحقُّها باجتهاده، وحرصه على الحفظ والمذاكرة؛ ويمتاز عن بقيَّة المستويات.

ومن خلال هذا التنويع في مناهج الاختبارات نتمكَّن من معرفة مستويات الطُّلَّاب من واقع إجاباتهم، مع جعل النَّجاح ممكنًا لأصحاب المستويات الفعَّالة، وحرمان أصحاب المستويات الضَّعيفة من النَّجاح؛ لأنَّهم لن يتمكَّنوا من الإجابة على الأسئلة التي تضمن لهم النَّجاح؛ وبهذا يعرف كلُّ طالب قدره، ويتمكَّن القائمون على العمل من تقييم الطُّلَّاب.

رأي وترجيح: وهذا المنهج في وضع الاختبارات لا أرى سواه؛ لأنَّه يضمُّ كلَّ المنهجيَّات السَّابقة، وينفرد عنها في إفصاح نتيجته عن مستويات الطُّلَّاب المشاركين في الاختبار بدقَّة ومهارة.

وهذا الأخير هو الأحبُّ إليَّ لما يلي:

1- يُسهِم في الرُّقيِّ بمهارات التَّفكير عند الطُّلَّاب المشاركين.

2- يدلُّ على مدى إتقان الطَّالب المجتاز له.

3- يُفيده من خلال تعلُّم آليَّات جديدة في الإجابة على الجديد.

4- يُحدِث نقلة نوعيَّة تطوريَّة في طرق تعليم القرآن الكريم.

5- يُسهِم في تحديد مستويات الطُّلَّاب بدقَّة ووضوح.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله