مقدِّمة
الحمد لله الذي خلق العباد ودبَّر الأمور، ونوَّع الأرض فمنها الصَّالح والبور، فعلى الصَّالح تنبُت الثِّمار والبذور، وعلى البور تبنى البيوت والدُّور، وفي بطنها تُحفر اللُّحود والقبور، وفيها يتفاوت الميِّت المقبور، فمنهم المعذَّب المسجور، ومنهم المنعَّم في القصور، وكلُّ ذلك بعدل الحليم الغفور، الذي لا يظلم ولا يجور، ولا يُحابي في المقدور، ولا يسوِّي الظَّلَّ بالحَرور، ولا ينصر الكذب والزُّور، ولا يخرج عن سمعه وبصره قاهر أو مقهور، سبحانه يعلم الخفايا في الصُّدور، ويبعث النَّاس للحساب والنُّشور، أشهد أنَّه المعبود في البرِّ والجوِّ والبحور، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الدَّاعي إلى النُّور، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وكلِّ مجاهد جسور.
تمهيد
وبعد: فقد تحدَّثنا عن خطورة الانتحار وحكمه وما له من آثار نَكِدة على الفرد والمجتمع؛ ليكفَّ المقبل عليه عنه؛ ففي فعله النَّدامة، وفي البعد عنه السَّلامة، والحديث الآن عن أسبابه وعلاجه في ضوء العلم الإيمان، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن البيان وأصدقه، وعذب الكلام وأطلقه، وأن يمنَّ على الحاضرين بحسن الاستماع وأعمقه، وجميل الاتِّباع وأغدقه.
أسباب الانتحار
أيُّها الكرام، إنَّ من أعظم أسباب الإقدام على فعل الانتحار:
البعد عن الله تعالى، فهو سبب كلِّ بليَّة في القديم والحديث؛ لأنَّ البعد موجب لوحشة النَّفس، وجالب لتسلُّط الشَّياطين، فيجتمع على المرء كيد النَّفس والشَّيطان، ويعاونهما على إهلاك العبد مردة الإنس من أصحاب السُّوء؛ فلا نجاة من اجتماع العدوِّ وقصد الهلكة، حينها تضطرب الحياة، وتفسد النَّفس، وتضيق الأحوال، ويتحقَّق الضَّنك الذي أشار الله تعالى إليه بقوله سبحانه: {وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا} [طه: 124] وهربًا من ذلك يُقدم المرء على التَّخلُّص من نفسه بالقتل والانتحار؛ ظنًّا منه أنَّ الخلاص والنَّجاة في الهرب لا في محاولة الإصلاح؛ فيأتي قوله تعالى: {وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ} [طه: 124] لبيان استمرار المعاناة في الآخرة، بل إنَّ عقابها أشدُّ وأعظم، فيتعجَّب من ذلك قائلًا: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا} [طه: 125] فيأتي الجواب مفسِّرًا: {قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ * وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ} [طه: 126-127]
فالشَّرُّ كلُّ الشَّرِّ في البعد عن الله تعالى، والخير كلُّ الخير في القرب منه سبحانه وتعالى؛ لأنَّ جوار الله وكنفه وضمانه يحفظ العبد من تسلُّط العدوِّ وتأثيره به؛ قال ابن القيِّم رحمه الله: "والله ما عدى عليك العدوُّ إلَّا بعد أن تخلَّى عنك المولى، فلا تظنَّن عن العدوَّ غلب، ولكنَّ الحفيظ أعرض" [عباد أعرضوا عنَّا، بلا جرم ولا معنى أساءوا ظنَّهم فينا فهلَّا أحسنوا الظَّنَّ، فإن خانوا فما خنَّا، وإن عادوا فقد عدنا، وإن كانوا قد استغنوا فإنَّا عنهمُ أغنى]
إنَّ الحياة مليئة بالابتلاءات التي لا يقوى المرء على مواجهتها بمفرده، بل لابدَّ له من ظهر يحميه، وربٍّ يُنجيه، فإن واجهها بجسده النَّحيف، وعقله الضَّعيف، جرفته إلى وادي الهموم، وألقته في طريق الهلكة، فلا يعود منه إلَّا خاسرًا؛ فالحياة إذا كانت بالله ولله وعلى الله تهون وتسهل، وإذا كانت بالنَّفس اعتزازًا واستقلالًا واعتمادًا ثقلت وتعسَّرت؛ ولذلك كان من دعاء النَّبيِّ ﷺ: "فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من النَّاس.. ولا أقلَّ من ذلك ولا أكثر" وقال أيضًا ﷺ: "إلى من تكلني إلى بعيد يتجهَّمني أم إلى عدوٍّ ملَّكته أمري" فالقرب من الله تعالى قوَّة وحفظ ورعاية وتدبير وتيسير وعناية؛ فمثلك كمثل رجل مرَّ بغنم فنبح عليها كلبها، فالعاقل يستعين بربِّها ليصرف عنه كلبَها، فهو القادر على ذلك، والله يريد أن يتوب عليكم... يريد الله أن يُخفِّف عنكم... فأقبل على الله تعالى بالإيمان، والعبادة، ومطلق الاستسلام، وحسن الظَّنِّ.
أيُّها الكرام، إنَّ للنَّفس طاقةً وقوَّة تمكِّنها من التَّغلُّب على عقبات الحياة وابتلاءاتها التي لم ينج منها أحد، ولكنَّها لا تتحقَّق إلَّا بعد تغذية النَّفس بمادَّة غذائها المولِّدة للطَّاقة، وبدونها تخور القوَّة وتقع الهلكة، وهذه المادَّة هي الإيمان بالله تعالى؛ فإنَّها تُكسب العبد قوَّة على تجاوز العقبات الكؤود التي توجهه في حياته بطولها وعرضها؛ فالبليَّة مهما عظمت لها ربٌّ أعظم منها وأقدر على حلِّها، والإيمان بالله تعالى وما يجب له من أسمائه الحسنى وصفاته العلى يبعث في النَّفس الطُّمأنينة والسَّكينة، ويحمل العبد على الاستسلام لله تعالى في جميع شئونه، فلا يجزع ولا يتسخَّط ولا يخاف ولا يقنط، بل يكون في غاية الرِّضا والإذعان للقضاء والقدر، فلا يفرح بالنِّعم فرح البطر والكبر، ولا يحزن على النِّقم حزن اليائس المعترض، فكلُّ أقدار الله تعالى تُتلقَّى بانشراح صدر، وانبساط نفس؛ لما تحقَّق ابتداءً من الإيمان الذي يحمل على الصَّبر والجلد والاحتساب؛ والنَّبيُّ ﷺ يقول: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كلَّه له خير، وليس ذلك إلَّا للمؤمن، إن أصابه سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابه ضرَّاء صبر فكان خيرًا له" فالمؤمن يتقلَّب بين نعيم الشُّكر ونعمة الصَّبر، بل إنَّه يرتقي إلى رتبة الرِّضا عن الله تعالى بالقناعة المطلقة بأنَّ الخير فيما وقع لا فيما توقَّع؛ فإنَّ العقل قاصر عن إدراك الحكم من وراء الابتلاءات؛ فما ابتلى إلَّا ليُمكِّن عبده من خير لا يبلغه إلَّا بالابتلاء:
وها هو نبيُّ الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يتعرَّض لما لم يخف على شريف علم المسلم من ظلم إخوته، وظلمة الجبِّ، وتسلُّط امرأة العزيز، ومعاناة السِّجن مع ثبوت براءته عليه السَّلام، فلمَّا صبر واحتسب ورضي بأقدار الله تعالى وقعت له المكافأة التي كانت على قدر الابتلاء؛ فأصبح عزيز مصر ووزيرها الأعظم، فانظر بالإيمان والرِّضا كيف انتقل من أعماق البئر إلى عرش القصر وقمَّة حكم مصر، وعلى النَّقيض منه كيف انتقل فرعون بكفره وبعده وعناده من ملك مصر والأنهار الجارية من تحته إلى أعماق البحر والمياه الجارية من فوقه!
إنَّ العبد يُحصِّل بالقرب من الله تعالى ما لا يحصِّله بسواه؛ فإنَّما أنت بالله تعالى، وكلُّ كربة حين تنزل بالله تُكشف، وكلُّ ظلمة حين تُحاط بالإيمان بالله تتبدَّد:
إن مسنا الضُّرُّ أو ضاقت بنا الحيل *** فلــن يخيب لنا فـي ربنا أمـل
إنَّ المتتبِّع لأخبار المنتحرين يجد أكثرهم على غير الإيمان، فالإحصائيَّات تُثبت أنَّ أعلى نسب الانتحار عالميًّا في المجتمعات الغربيَّة التي تعيش حياة الجسد دون الرُّوح؛ فهم يأكلون ويمتَّعون كما تأكل الأنعام، وقلوبهم خاوية من معاني الإيمان، فحين تقع لهم الابتلاءات اليسيرة لا تقوى النَّفس على المواجهة والصَّبر فيُسارعون إلى التَّخلُّص من حياتهم عن طريق صورة من صور الانتحار، بقطع الوريد، أو الطَّعن بسكين، أو الرَّمي بالرَّصاص، أو التَّردِّي من علوٍّ، أو التَّحسِّي للعقاقير والسُّمِّ، أو إلقاء النَّفس أمام قطار أو سيارة مسرعة، وكلُّ هذه الصُّور بشعة ومؤلمة ولكنَّها وللأسف لا تُعالج الضِّيق الذي حمله على الإقدام على الانتحار؛ لأنَّه هرب من مواجهة التَّحدِّيات باللُّجوء إلى ما ليس له صلة بالمعالجة الفاعلة؛ فإنَّ معالجة العرض لا تكفي للشِّفاء، إذ لابدَّ من معالجة المرض بالإيمان بالله تعالى والقرب منه سبحانه وتعالى؛ قال عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ * وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ} [الحجر: 97-99] إنَّ الإيمان يجعل حياتك مختلفة عن الآخرين، فبه تصبح لحياتك قيمة، فأنفاسك غنيمة، بها تكتسب الأجور، وتبني لك عند الله القصور، ونظرتك للحياة دون غيرك، فلا تراها تستحقُّ الحزن والكآبة والتَّحسُّر؛ لأنَّها مزرعة للآخرة.
السَّبب الثَّاني من أسباب الانتحار:
تعظيم الدُّنيا وتقزيم الآخرة، لقد حقَّ الله تعالى الدُّنيا وحذَّرنا من الافتتان بها؛ فقال سبحانه: {وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} [آل عمران: 185] وقال سبحانه: {بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا * وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ} [الأعلى: 16-17] وقال: "وللآخرة خير لك من الأولى" وقال النَّبيُّ ﷺ: "ألَّا إنَّ الدُّنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلَّا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلِّمًا" وقال ﷺ: "لو كانت الدُّنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء" وقال ﷺ: "الدُّنيا سجن المؤمن وجنَّة الكافر"
إنَّ لله عبــــــادًا فطنًــا طلَّقوا الدُّنيا وخافوا الفتنَ
نظروا فيها فلمَّا علموا أنَّهــا ليست لحــيٍّ وطنًــــا
جعلوها لجَّة واتَّخذوا صالح الأعمـال فيهـا سفنًـا
ولله درُّ من قال:
النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت ** أنَّ السَـــلامَةَ فيها تَــركُ ما فيهـــــا
لا دارَ لِلمَرءِ بَعــدَ المَـــوتِ يَسكُنُهــا ** إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ المَـــوتِ يبنيهــــا
فَإِن بَناهـــا بِخَيــرٍ طــــابَ مَسكَنُها ** وَإِن بَنــاها بَشَــــرٍّ خــابَ بانيهـــــا
أَينَ المُلــــوكُ الَّتــي كانَت مُسَلطَنَةً ** حَتّى سَقاها بِكَأسِ المَـوتِ ساقيها
أَمــوالُنا لِــذَوي الميــراثِ نَجمَعُهـــا ** وَدورُنا لِخــرابِ الدَهـــــرِ نَبنيهــــا
كَم مِن مَدائِنَ في الآفــاقِ قَد بُنِيَت ** أًمسَت خَراباً وَدانَ المَوتُ دانيهــا
لِكُـــلِّ نَفسٍ وَإِن كانَت عَلـى وَجَــلٍ ** مِـــنَ المَنيَّـــةِ آمــــــــالٌ تُقَوّيهــــا
فَالمَــرءُ يَبسُطُها وَالدَهــرُ يَقبُضُهــا ** والنَفسُ تَنشُرُها وَالمَوتُ يَطويهـــا
لقد جعل الله تعالى الدُّنيا مقدِّمة للآخرة يزرع فيها الزُّرَّاع ما يحصدونه في الآخرة، فلا ينبغي أن يجعلها الإنسان عمدة يعمل من أجلها وكأنَّه سيخلَّد فيها؛ فهذا أمر يترتَّب عليه الحزن على ما فات منها، والفرح والغرور بما تحقَّق بها، ومع كثرة الابتلاءات يضيق الواسع على عبد الدُّنيا فيسعى للتَّخلُّص من حياته طلبًا لإزالة الضِّيق؛ قال النَّبيُّ ﷺ: "تعس عبد الدِّرهم تعس عبد الدِّينار، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش".
لقد مرَّ الأنبياء عليهم السَّلام والصَّحابة رضي الله عنهم والصَّالحون رحمهم الله بصنوف الابتلاءات في هذه الحياة الدنيا فصبروا عليها لما يؤمنون به من زوال الدنيا وفنائها، وحصول الآخرة وبقائها؛ فتحمَّلوا وصبروا على ما كذبوا وأوذوا؛ حتى قال النَّبيُّ ﷺ: "أشدُّ النَّاس بلاءً الأنبياء ثمَّ الأمثل فالأمثل" فإبراهيم عليه السَّلام يلقى في نار متأجِّجة، وهذا يحيى وزكريا عليهما السَّلام يُشقُّهما قومهما بالمنشار، وموسى عليه السَّلام آذاه قومه فبرَّأه الله ممَّا قالوا وكان عند الله وجيهًا، وأيُّوب عليه السَّلام وقع له من الابتلاء في جسده بالمرض وولده وماله من الفقد ما لا يتحمَّله أحد، ويونس عليه السَّلام التقمه الحوت وكان في ظلمات اللَّيل والبحر وبطن الحوت، وعيسى عليه السَّلام يُطارده اليهود لقتله وصلبه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، ومحمد ﷺ لقي من قومه أشدَّ أنواع الصُّدود والأعراض حتى شجُّ وجهه وكسرت رباعيته، ودُسَّ له السُّمُّ في شاة خيبر، وقاتلوه وحاربوا دعوته ﷺ، وتعرَّض الصَّحابة رضي الله عنهم للابتلاء أيضًا فصبروا؛ لأنَّ الدُّنيا دار ابتلاء وفتنة، والآخرة دار جزاء ونعمة؛ فهذا عمار ابن ياسر وأبوه وأمَّه رضي الله عنهم أصابهم ما لا يخفى عليكم من تسلُّط الكفَّار عليهم بالتَّعذيب، حتى قال لهم النبي ﷺ: "صبرًا آل ياسر فإنَّ موعدكم الجنَّة" وهذا بلال بن رباح رضي الله عنه عذَّبه أميَّة بن خلف حتى جرَّه على ظهره في رمضاء مكَّة ووضع على صدره الصَّخرة العظيمة، وهذا سلمان الفارسيُّ رضي الله عنه سووم على ماله فتركه، ولم يُقدم أحد منهم على قتل نفسه أو التَّخلُّص منها؛ لأنَّهم وضعوا الدُّنيا في مكانها، فلم يعظِّموها، بل قزَّموها وعظَّموا الآخرة، فكلُّ ابتلاء وقع لهم كان في سبيل الله، {وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ} [البروج: 8] و: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ} [الأعراف: 126]
المشكلات المجتمعيَّة
أعظم بليَّة بُلي بها الناس اليوم تعظيم الدنيا وطلب الكمال فيها، ومن أعظم أسباب ذلك البعد عن الدِّين، وغياب القدوة، وشيوع المادِّيَّة، وانعدام الرُّوحيَّة، وتوقُّف الدُّعاة، وتعثُّر الخطاب الدَّعويِّ باشتغاله بأمور وموضوعات لا تغرس الإيمان ولا تصنع العقيدة، كلُّ هذا والمجتمع يعجُّ بالمشكلات الكثيرة التي لها أثر عظيم على فساد حياة القلب والعقل والجسد وترتَّب على ذلك ما نراه من أقبال على الانتحار وكأنَّه العلاج السِّحريُّ لكلِّ المشكلات، ومن أعظم هذه المشكلات المجتمعيَّة: (التَّجهيل والإمراض والتَّفقير)
ونتج عنه أيضًا التَّجهيل انحدار الثَّقافة الدِّينيَّة، وانعدام إدراك القدوة الإيمانيَّة من الماضي المشرق بنماذج الصَّالحين بسبب الجهل بأحوالهم وقصصهم.
ونتج عنه أيضًا كثرة المشكلات الأسرية في البيوت بالتطليق والخلع وامتلاء ساحات المحاكم والقضاء بالخلافات التي تنشأ بين الزوجين ويضيع بسببها الأولاد، فيقوم أحدهم بالتَّخلُّص من نفسه ومن حوله.
ونتج عنه أيضًا الحسد والحقد الحاصل بين النَّاس بنشر النِّعم وإظهارها على الوسائل، فأدَّى إلى استكثار النَّعم على المنعَّمين، وتسلَّطت العيون عليهم فوقع الضِّيق والحزن، ووصل الأمر ببعضهم إلى الانتحار حينئذ.
ونتج عنه أيضًا تأخُّر عجلة التَّنمية في المجتمعات، فأصاب النَّاسَ فقر وجوع وعطش وديون وعجز وضعف وعوز ومذلَّة مع تفكُّك المجتمع وانعدام التَّعاون والتَّكاتف بين أبنائه فوصل العجز ببعضهم إلى حدِّ الضِّيق الذي حمله على التَّخلُّص من حياته، ومن ورائه أطفال تيتَّمت، ونساء ترمَّلت، وديون تفاقمت.
ونتج عنه أيضًا مرض النَّاس بالأمراض الفتَّاكة القاتلة، مع ما يُصاحب تلك الأمراض من تكلفة مالية وصحِّيَّة، فيتعجَّل الموت والخلاص بقتل نفسه ليرتاح من الأسقام والأمراض ويُقلِّل النَّفقات، ولو أنَّه صبر على المرض واحتسب أجره عند الله تعالى لكان خيرًا له وأقوم.
ونتج عنه أيضًا انتشار المخدِّرات وتعاطي المسكرات وشرب الخمور، ظنًّا ممَّن يفعل ذلك أنَّه يرتاح من عناء التَّفكير وإدراك الواقع، فيسعى للتَّخلُّص من عقله بالإذهاب، وحين تضيق به الأمور ولا يجد فيه ما ينجو به من أزمات الحياة أو يتراجع في دينه ودنياه يقدِّم على التَّخلُّص من نفسه بجرعة زائدة.
ونتج عنه أيضًا تعظيم أمر الشَّهادات التَّعليميَّة إلى حدِّ الاستنفار في الثَّانويَّة والاعتقاد بأنَّها تُحدِّد مستقبل النَّاس، فيعيش طلابها وأهلوهم عيشة القلق المضطرب الخائف، فإذا جاءت النَّتائج على خلاف أحلامهم وقع الغضب وطاشت العقول وتجرَّأ أحدهم على الانتحار والتَّخلُّص من الحياة، بسبب فوات ما كان يطمح إليه ممَّا يُفسده لو أتاه، أو ما يلقى من زجر وتعنيف وعتاب من الأقربين، والأمر لا يستحقُّ في الحقيقة؛ لأنَّ الأمور لا تُعالج بهذه الطَّريقة، والمستقبل بيد الله، والشَّهادات لا تحدِّد الأرزاق، بل هي سبب يرزق الله به وبدونه، ولابدَّ من زرع معاني العقيدة في النُّفوس حتى لا تألَّه الأسباب، بل توضع في موضعها الذي لا تتعدَّاه.
ونتج عنه أيضًا الأمراض النفسية من الكآبة وضعف الثِّقة، واليأس والقنوط والإحباط والملل والضَّجر والعدوانيَّة والقلق المزمن، والاضطراب ثنائيِّ القطب، والفراغ العاطفيِّ، وفقدان الشَّهوة، خوف العار، العزلة والوحدة، إدمان الهواتف، وجميعها مشكلات نفسيَّة لابدَّ فيها من الذَّهاب إلى الطَّبيب النَّفسيِّ الثِّقة للخضوع للعلاج.
فالعلاج يكمن في علاج: (التَّجهيل والإمراض والتَّفقير) بالتَّعليم والإصحاح والإغناء ببذل كلِّ فرد وجماعة واجبهم تجاه هذه الأمور، فالحكومات تُعنى بحال المحكومين والرَّعيَّة، بإصلاح التَّعليم والدَّعوة والصِّحَّة والمعيشة، وعلى الفرد من ذلك أن يسعى ويتعلَّم ويحافظ على صحته ويعمل ويتكسَّب ويطلب الرزق الحلال، وعلى الجماعة في المجتمع أن تتعاون وتتكاف لمعالجة ما يحتاج إلى معالجة.
هذا وأسأل الله تعالى أن يحفظ المسلمين، من كلِّ بلاء وفتنة، وأن يصلح البلاد والعباد من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وتدبير الفاسدين.