شبهة الإسراف في القتل وانتشار الإسلام بالسَّيف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فقد لقيني رجل فبادرته بالسَّلام والتَّحيَّة مع ابتسامة شقَّت طريقها إلى قلبه - على حدِّ قوله - ثمَّ تجاذبنا أطراف الحديث الذي كان يدور حول ما يتعلَّق ببعض الشُّبهات المطروحة على السَّاحة وعلقت في رأسه من وسائل الإعلام، ومواقع التَّواصل الاجتماعيِّ، فكان يعرض الشُّبهة، ثمَّ يُطالبني بردِّها؛ إنقاذًا له من شباك تلك الشُّبهات؛ فكنت أُجيب عن الشبهة بما تيسر لي من ردود تسهم في دحضها وردها، وكان يناقشني في أثناء ذلك، فإن اندفعت الشُّبهة من قلبه بقويِّ الحجَّة سلَّم، وإن لم تكف الرُّدود لردِّها استزادني منها، ومن تلك الشُّبهات التي طرحها: الزَّعم أنَّ الإسلام يدعو أتباعه إلى الإرهاب من خلال نصوصه.
نصُّ الشُّبهة:
إنَّ في القرآن آيات داعمة للتَّطرُّف والإرهاب، وإقصاء الآخر؛ ومنها قوله تعالى: ﴿وَحَرِّضَ المُؤمِنِينَ عَسَى اللهُ أَن يَكُفَّ بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:84] وقوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا استَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُم﴾ [الأنفال:60] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضَ المُؤمِنِينَ عَلَى القِتَالِ﴾ [الأنفال:65]
وللرَّدِّ عليها أقول:
إنَّ أفضل الطرق في التعامل مع الشبهات المطروحة أن يعمد المناظر إلى أدلة الخصم فينقضها دون التعرض للحكم الذي خلُص إليه؛ لأن بيان بطلان الأدلة، وعدم صحة الاستدلال بها على الحكم يقوض الدعاوى من أركانها، والأدلة التي استدلَّ بها الخصم في إقامة دعواه أدلَّة شرعيَّة لا يصحُّ الاستدلال بها على ما قرَّره؛ فكلُّ دليل مقطوع من مواضعه، ومأوَّل على غير تأويله، وهذا بيان:
الآية الأولى: تُبيِّن في ثناياها أنَّ التَّحريض على القتال قد ورد ردًّا لفعل غدر، ودفعًا لأذى المعتدي؛ ألم تقرع أسماعك، وتمرَّ أمام عينيك بقيَّة الآية؟! إنَّ المتلصِّص لا يعنيه سوى الظَّفر بما يشعر معه بنشوة السَّرقة، وهذه مشكلة كلِّ مَن يجتزئ النصوص، ويصرفها في غير مصارفها؛ فإن بقية الآية بمثابة التعليل للأمر بالتحريض على القتال؛ قال الله سبحانه: ﴿وَحَرِّضَ المُؤمِنِينَ عَسَى اللهُ أَن يَكُفَّ بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:84] فبات واضحا أن الأمر في بداية المقطع معلل بنهايته؛ والحكم يدور مع علته وجودا وعدما؛ فإذا انتفت العلة انتفى الحكم؛ وعليه يكون المراد: إذا اعتدى عليكم الكفار فحرضوا أهل الإيمان على الجهاد في سبيل الله؛ دفاعا عن أنفسكم، ودينكم؛ فإن الدفاع عن العرض، والأرض، والفرض جائز مشروع عقلا ونقلا؛ عسى الله أن يرفع أذاهم عنكم.
نتيجة: وعليه فلا حجة لمن تمسك بالآية على إثبات ما ادعاه من وجود دعوة إلى الإرهاب في القرآن الكريم؛ لأن المراد بالآية جهاد الدفع = الذي يعني أن الكافرين بدؤوا المسلمين بقتالهم في عُقر دارهم، فأمر الإسلام أتباعه أن يُدافعوا عن أنفسهم، وأموالهم، ودينهم، والنص القرآني في ذلك لا يقارن أبدا بالنص المحرف في الكتاب المقدس؛ فإن أهل الكتاب يُثبتون في كتابهم أن تعاليم شرعهم تدعوهم إلى ذبح من خالفهم، ولم يؤمن بعقيدتهم؛ فقتالهم لغيرهم من منطلق مخالفتهم، بخلاف المسلمين فإن دينهم يدعوهم إلى التعامل مع من خالفهم بالبر إليه، والإقساط معه طالما أنه لا يحاربك، ولا يؤذيك في دينك، فإن حاربك فلا ترضى بالذل والمهانة؛ قال تعالى: ﴿لَا يَنهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِي الدِّينِ وَلَم يُخرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُم أَن تَبَرُّوهُم وَتُقسِطُوا إِلَيهِم إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُم فِي الدِّينِ وَأَخرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُم وَظَاهَرُوا عَلَى إِخرَاجِكُم أَن تَوَلَّوهُم وَمَن يَتَوَلَّهُم فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:8، 9]
الآية الثانية: فقد وردت في سياق يُبيِّن كيفية تعامل المسلمين مع غدر عدوهم؛ فقد ذكره الله تعالى عقب قوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنهُم ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهدَهُم فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُم لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال:56] ولا يخفى على من عنده مثقال حبة خردل من علم أن السياق من المقيِّدات؛ وعليه فإن المعنى المراد من الآية التي استدل الخصم بها على إثبات ما ادعاه: أن الإسلام يأمر أتباعه بالإعداد والاستعداد لمواجهة غدر العدو؛ فإن القوم قد نقضوا عهودهم مع ربهم، ولا يسوغ لعاقل أن يتعامل مع الخائن بمنطق المسالمة إلا إذا أثبتت القرائن والأدلة صدقه في السلام، كيف وقد ثبت بالأدلة خلاف ما يدعوا إليه؛ قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَومٍ خِيَانَةً فَانبِذ إِلَيهِم عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:58] لذا فإن الإسلام يدعوا أتباعه أن يكونوا متهيئين للحظة الغدر من العدو، وليس في هذا ما يُنكره عاقل على النص القرآني الكريم؛ لأنه من باب أخذ الحذر من الخائن، وليس من باب الدعوة إلى معادة القوم المسالمين؛ فإن الله تعالى عقب هذه الآية: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلمِ فَاجنَح لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنفال:61]
نتيجة: وعليه فلا حجة لما تمسك به الخصم؛ فإن المتأمل في السياق العام للآيات يرى أن الآية تُحذر المسلمين من غدر أعدائهم، وتأمرهم بأخذ الحيطة والحذر، فإذا كان الإسلام يدعو إلى الإرهاب والتطرف بدلالة هذا السياق فكيف يدعوا بعد أمره بالإرهاب إلى المسالمة، وقبول الصلح مع العدو على الرغم من كونه أظهر خيانته؟.
الآية الثالثة: فقد وردت في سياق الرد على خيانة، وغدر، وخداع العدو أيضا، لكن عن طريق إرشاد المسلمين إلى طريقة رد الخيانة بالتحريض على الجهاد في سبيل الله تعالى لرد كيد العدو في نحره؛ فقد وقعت الآية بين ما يُبيِّن خديعة القوم للنبي ﷺ والمؤمنين معه، وبين ما يدل على خيانتهم التي اعتادوا عليها مع الله تعالى ورسله عليهم السلام؛ فقال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخدَعُوكَ فَإِنَّ حَسبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصرِهِ وَبِالمُؤمِنِينَ﴾ [الأنفال:62] وقال سبحانه: ﴿وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَد خَانُوا اللهَ مِن قَبلُ فَأَمكَنَ مِنهُم وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:71] فكان المخرج الوحيد لرد الخيانة يكمن في الأمر بتحريض صفوف المؤمنين على التفاني في القتال.
كما أن في سياق الآيات ما يدل على ضعف في صفوف جيش المسلمين؛ فقلة في العدد والعدة؛ فناسب أن يرد الأمر بتحريض المؤمنين على الالتحاق بصفوف المؤمنين المقاتلين؛ لتكثير سوادهم، وإمدادهم بما يسد النقص في صفوفهم.
وأوضح دليل على ضعف صفوق المقاتلين من المؤمنين قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُم ضَعفًا﴾ [الأنفال:66] فقد بيَّن الله تعالى في سياق الآيات جانبًا من عطائه وكرمه وفضله على الصُّفوف المؤمنة المقاتلة؛ فقد خفَّف عنهم بسبب ضعفهم فبارك لهم في أعدادهم؛ فالعشرون يغلبون مئتين، والمئة يغلبون ألفًا من الكفَّار.
نتيجة: وعليه فليس في كلِّ ما استدلَّ به الخصم دليلًا كافيًا تنهض به الأدلَّة لإقامة الحجَّة على تلك الدَّعوى الباطلة، بل إنَّ الأدلَّة تصلح لنقض الدَّعوى جملة وتفصيلًا؛ لأنَّها تُبيِّن أنَّ المسلم لا يغدر ولا يخون، ولا يسعى لسفك الدِّماء؛ لكنَّه يُواجه الغدر والخيانة بالحسم والقتال؛ دفاعًا مشروعًا عن الأرض والعِرض والفرض.
وختامًا: ففي القرآن الكريم آيات كثيرة تدعم حقيقة اهتمام القرآن الكريم بالآخرين ودعوتهم إلى الحوار والمناقشة؛ قال تعالى: {قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} [آل عمران: 64] وظاهر من نداء النَّاس في القرآن الكريم، ونداء أهل الكتاب، ونداء الكافرين، فلا وجه لهذه الشُّبهة.