الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

صدق الإقبال = مهر الآمال:

إنَّ المتتبِع للتَّاريخ الحربيِّ الإسلاميِّ يُدرك أنَّ كثيرًا من الانتصارات التي تحقَّقت للمسلمين كانت في شهر رمضان المبارك، ففيه يُقبل المسلم على الله تعالى ليُجدِّد العهد والمواثيق، وتحصل فيه توبة جماعيَّة للأمَّة المرحومة الميمونة؛ فتتنزَّل عليها بركات السَّماء والأرض، وتكون الانتصارات والفتوحات، وقد تبدأ بهدنة يعقبه نصر من الله تعالى وفتح قريب؛ وسأضرب أمثلة على ذلك من خزانة تاريخنا الإسلاميِّ العريق:

هُدنة يَعقبها نصر وتمكين:

- من ذلك ما وقع من صلح الحديبيَّة في ذي القعدة سنة: (6هج) بين المسلمين بقيادة النَّبيِّ ﷺ وبين قريش، والذي تضمَّن الموافقة على هُدنة بينهما لمدَّة عشر سنوات، وقد أنزل الله تعالى في أعقابها قوله سبحانه: {إِنَّا ‌فَتَحۡنَا ‌لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا (١) لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا (٢) وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا} [الفتح: 1-3] وفي الحديث عن ‌البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "تعدُّون أنتم ‌الفتح ‌فتح ‌مكَّة، وقد كان فتح مكَّة فتحًا، ونحن نعدُّ الفتح بيعة الرِّضوان يوم الحديبية" - صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المغازي) باب: (غزوة الحديبية) برقم: (4150) - وإنَّما كان فتحًا باعتبار ما يُستقبَل؛ فهو وعد من الله تعالى أن يفتح على النَّبي ﷺ والمؤمنين، ففي مدَّة الهُدنة تمكَّن المسلمون من تنظيم صفوفهم في مواجهة الجبهة الدَّاخليَّة في المدينة المنوَّرة والتَّصدِّي لعدوان اليهود وإجلائهم من المدينة؛ حيث وقعت غزوة خيبر في محرَّم سنة: (7هج) بعد شهر من صلح الحديبية تقريبًا، وأجلاهم الله تعالى عن المدينة المنوَّرة، وبعدها كان فتح مكَّة في رمضان سنة: (8هج) ومن كان يظنُّ وقتها أنَّ الصُّلح الذي وقع سنة: (6هج) يأتي بعده كلُّ هذا الخير؟!

- ومن ذلك أيضًا ما وقع سنة: (574هج) حيث أنشأ بلدوين الرَّابع - ملك بيت المقدس في زمن الاحتلال الصَّليبيِّ للقدس - حصن مخاضة الأحزان على طريق دمشق لتأمينها من المسلمين فحاصره الملك النَّاصر أبو المظفَّر صلاح الدِّين الأيُّوبيُّ حتى دخله فاتحًا سنة: (575هج) وبعده أراد القائد صلاح الدِّين أن يغزو بيت المقدس لتحريره، وقد أثناه عن ذلك حصول القحط الذي حمل الملك بلدوين على طلب الهدنة فوافق صلاح الدِّين لعدم المجازفة بالجيش في معارك مع قلَّة المؤونة، وأصرَّ ريموند الثَّالث أمير طرابلس الالتزام بها فهدَّده الجيش الأيُّوبيُّ بالهجوم فاستجاب للهدنة، واستطاع صلاح الدِّين الأيُّوبيُّ أن يوحِّد مصر وبلاد الشَّام والحجاز تحت راية واحدة، وبإعانة الخليفة العبَّاسيِّ أبي العبَّاس النَّاصر لدين الله أحمد بن المستضيء بأمر الله والذي أمر الملوك بالأقطار الإسلاميَّة بمعاونة صلاح الدِّين بالجند والجيوش حسب طاقتهم الحربيَّة، وكان تحقيق الوحدة بين جند الإسلام تحت رايته من أهمِّ ما كان يسعى إليه، وبدأ في التَّركيز على تطهير بلاد الشَّام من آثار الصَّليبيِّين، حتَّى وقع فتح بيت المقدس في رمضان المبارك سنة: (583هج).

قبس من تاريخ النَّصر:

- ومن ذلك أيضًا ما وقع في عين جالوت، الجمعة 25 رمضان سنة: (658هـ)، وقد أحكم السُّلطان المظفَّر سيف الدِّين قطز خطَّته العسكريَّة، وحمى وطيس المعركة بين جيشي المسلمين والتَّتر، مع ثبات جيش المسلمين رغم البون الشَّاسع في العدد والعدة، واشتعلت نيران حرب لا سبيل فيها للنَّجاة، فقاتل التَّتر قتال مودِّع يسعى للنَّجاة من بين فكَّي أسد هصور يعزم على الفتك به، فكان قتالهم غاية في الفداء والتَّضحية، وكانت معركة تاريخيَّة سُطِّرت بدماء وأشلاء، وجرت حرب قويَّة تفوَّقت فيها ميمنة جيش التَّتر، واخترقت ميسرة جيش المسلمين، وتساقط القتلى من الجيشين عن اليمين والشَّمائل، ومع مواصلة القتال قويت هجمات المسلمين وتمدَّدت سيوفهم، وبدأ جيش التَّتر في الانكماش وضعف أيديهم، وقصد أحد أمراء المماليك قائد التَّتر فقاتله إلى أن قتله؛ فخارت عزيمة الجيش التَّتريِّ وتوجَّهت عيونهم إلى فتح ثغرة في الجانب الشَّماليِّ من السَّهل للهروب والانسحاب، ومع ضغطهم على هذا الجانب استطاعوا فتح منفذ هروب تسلَّلوا منه ولاذوا بالفرار إلى الشَّمال لا يألون على أحد، وتتبَّع جيشُ المسلمين الفارِّين من جيش التَّتر من عين جالوت يُعمل السَّيف في كلِّ من يلقاه منهم حتى تمكَّن من الفارِّين عند مدينة بيسان فدارت معركة لفظت فيها البقيَّة الباقية من الجيش التَّتريِّ أنفاسها الأخيرة بعد قتال شديد كادت فيه الدَّائرة تدور على جيش المسلمين بعد أن شمَّ التَّتر رائحة الموت تخيِّم على ساحة القتال، وصاح السُّلطان المظفَّر سيف الدِّين قطز صيحته التي اتَّخذها شعارً لهذه المعركة: "وا إسلاماه" فهبَّ جند الإسلام يذبُّون عنه، وبذل جيش التَّتر آخر نفس فيهم على أمل النَّجاة من القتل، فلم يجدوا إلَّا السُّيوف تُزيل هامتهم، وتقطع رقابهم، وتسقط أيديهم، وأعزَّ الله تعالى جنده، ونصر عبده، وهزم التَّتر هزيمة لم تقم لهم بعدها قائمة، وأُبيد الجيش التَّتريُّ الغازي عن بكرة أبيه، ورجع العدوُّ مخذولًا، وارتفع شأن السُّلطان المظفَّر سيف الدِّين قطز هازم التَّتر، وعظم شأن المماليك الذين كانوا معه في تلك المعركة الكبيرة.

- ومن ذلك أيضًا ما وقع في سنة: (1973م) من حرب أكتوبر أو العاشر من رمضان أو يوم الغفران، وكانت معركة مصيريَّة استردَّ العرب هيبتهم التي أُسقطت في الهزائم المتتالية السَّابقة ليومي الكرامة وأكتوبر، فقد شنَّت مصر وسوريا حربًا مشتركة على العدوِّ الصُّهيونيِّ الجبان من جبهتين في وقت واحد ممَّا أربكه وألحق به الهزيمة المنكرة، وكانت هذه المعركة القويَّة على خلفيَّة احتلال إسرائيل لمنطقة شبه جزيرة سيناء بمصر، وهضبة الجولان في سوريا، وذلك في أعقاب معركة النَّكسة: (1967م) فنهضت مصر وسوريا لتحرير الأرض المغتصبة الواقعة في يد المحتلِّ الغاشم بشنِّ هجوم مفاجئ على قوَّات العدوِّ حتَّى أثَّرت فيه، واستطاعت القوَّات المصريَّة أن تنتصر وتحقَّق الكثير من المكاسب في هذه المعركة التَّاريخيَّة الفيصليَّة بفضل إيمانها بعداوة المحتلِّ الغاشم، وتمسُّكها بالله تعالى في طلب النَّصر، وحرصها الكبير على تحرير الأرض وحماية العِرض من استمرار العدوِّ في التَّوغُّل، وإدراكهم بمدى نهم العدوِّ الاستعماريِّ والتَّوسُّعيِّ، فاستردَّت مصر سيادتها على أرض سيناء، وأخرجت العدوَّ منها يجرُّ ذيول النَّدم.

- ومن ذلك - فيما أحسب والله أعلم - ما وقع سنة: (2023م) من هُدنة بين العدوِّ الصُّهيونيِّ الغاشم وبين المقاومة الإسلاميَّة الفلسطينيَّة حماس ومن معها في جبهة المقاومة الباسلة من الهدنة الإنسانيَّة ووقف إطلاق النَّار في مقابل تبادل الأسرى من الجانبين، فإنِّي أُراها - والله أعلم - تؤرِّخ لبداية حقبة جديدة من الصِّراع الذي ينتصر فيه الحقُّ وتعلو رايته، وكأنِّي أشمُّ ريح النَّصر من وراء هذه السُّطور، فلينتظروا شُرطة للموت قادرة، لقوَّتهم المزعومة كاسرة، ولكيانهم الغاصب قاهرة.

خلاصة:

وهذه عادة كثير من المعارك التي خاضها المسلمون في هذا الشَّهر المبارك فتحقَّق لهم النَّصر على عدوِّهم؛ ومن ذلك:

معركة بدر الكبرى في السَّابع عشر من رمضان (2ه) = (624م)، وكذلك فتح مكَّة البلد الحرام في العشرين من رمضان من العام: (8ه) = (630م)، وكذلك فتح الأندلس ومعركة وادي برباط بقيادة طارق بن زياد في الثَّامن والعشرين من رمضان (92ه) = (711م)، وكذلك معركة عين جالوت بقيادة السُّلطان سيف الدِّين قطز في الخامس والعشرين من رمضان (658ه) = (1260م)، وكذلك معركة أكتوبر (1973م) مع اليهود على الجبهة المصريَّة وأرض سيناء المباركة في العاشر من رمضان (1393ه)، ونسأل الله تعالى أن يُعجِّل بنصره لأهل الرِّباط في الأقصى في هذا الشَّهر المبارك.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله