أسباب طول مدَّة تسلُّط الصَّليبيِّين على القدس
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.
وبعد: فمن الثَّابت تاريخيًّا بقاء بيت المقدس في يد الصَّليبيِّين قرابة إحدى وتسعين سنة (91) [1]، وإنَّما طالت مدَّة حرمان المسلمين من استرداده لما كانت تعيشه المجتمعات المسلمة من تخلُّف وتراجع على كافَّة الأصعدة؛ ففي النَّاحية السِّياسيَّة صراعات وحروب ومعارك تدور رحاها في قلب العالم الإسلاميِّ بين الدَّولة الفاطميَّة الشِّيعيَّة في مصر، والدَّولة العبَّاسيَّة في بغداد، ودخول الدَّولة السَّلجوقيَّة لنصرة الدَّولة العباسيَّة حين حرَّضت على قلب نظام الحكم بالثَّورة على الخليفة العبَّاسيِّ سنة: (451ه)، وما دار في أرحامها من تشقُّقات وصراعات على الحكم والسُّلطة، وفي النَّاحية الاقتصاديَّة فقد ساد الفقر، وعمَّ الغلاء، واحتكار الأقوات، وترف الأغنياء، وفرض الضَّرائب، وفي النَّاحية الدِّينيَّة ظهر الجهل والانصراف عن العلم، وظهرت الفرق المنحرفة، وتفتَّت كلمة الأمَّة تبعًا لتفكُّك العرى بين علمائها بسبب الاختلافات التي اتَّسع بها الخرق؛ يقول أبو شامة عن أحوال النَّاس في ذلك الزَّمان: "كانوا كالجاهليَّة، همَّة أحدهم بطنه وفرجه، ولا يعرف معروفًا ولا يُنكِر مُنكرًا" [2] ويقول الرَّحالة ابن جبير عن أهل المشرق: "وما سوى ذلك ممَّا بهذه الجهات الشَّرقيَّة فأهواء وبدع، وفرق ضالة وشيع؛ إلَّا من عصمه الله عزَّ وجلَّ من أهلها" [3]
ضعف المجتمع يُؤخِّر النَّصر والاستعادة
إنَّ وصول المجتمع المسلم إلى هذه الحالة الضَّعيفة في النَّواحي العامَّة جعل استرداد بيت المقدس من الصُّعوبة بمكان، وكان لابدَّ من صناعة جيل النَّصر والتَّمكين من خلال الأخذ بخطَّة إصلاحيَّة كبيرة على مدى جيل وجيلين، وهو ما تَّم بالفعل عن طريق إعادة التَّهيئة وإعمار المجتمعات المسلمة بالعودة الصَّادقة إلى الله تعالى، وإصلاح ما فسد من أمور المسلمين الدِّينيَّة والسِّياسيَّة، والعسكريَّة، والاقتصاديَّة؛ لإيجاد جيل يُمكنه أن يستردَّ بيت المقدس عن عقيدة صادقة، ومحلٍّ صالح لاستحقاق النَّصر بالإيمان والأخذ بالأسباب، وهو ما فهمه المصلحون في هذه الحقبة من تاريخ أمَّتنا العريقة، فتوالت جهود المصلحين في عمليَّة إصلاحيَّة شاملة آتت ثمارها بعد ما يُقارب مئة عام بما ظهرت آثاره في جيل صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ رحمه الله حين استردَّ بيت المقدس مع جنده الصَّالحين، فكانت تلك الثَّمرة جزءًا من شجرة الجهود التي رُويت بدماء الصَّادقين الذين عملوا من أجل تحرير مقدَّسات الأمَّة فواصلوا اللَّيل بالنَّهار حتى تحقَّق للأَّمة الظَّفر والانتصار باسترداد بيت المقدس، ومنهم من قضى نحبه دون رؤية الثَّمرة [4]؛ كعماد الدِّين زنكي رحمه الله، وولده نور الدِّين محمود رحمه الله، ولكنَّهما عظيمان بما بذلاه من جهد وصَّل إليها، وما عند الله لا يضيع، بل يكتب الله تعالى أجر من بذل لنُصرة دينة ولو لم ير بعينيه نتاج غرسه وبذره وبذله؛ فقد مات النَّبيُّ ﷺ ولم ينتشر الإسلام في عموم الأرض، ولم يُقض على الفرس والرُّوم تمامًا، بل مات النَّبيُّ ﷺ يوم أن مات وأصحابه رضي الله عنهم في حروب ومعارك مع قوى الأرض، وبعد موته وقعت ردَّة عظيمة قامت على إثرها حروب الرِّدَّة التي كادت تُفني الصَّحابة رضي الله عنهم مع الهجمات المتتالية على الجبهات الخارجية في المعارك التي دارت رحاها بين المسلمين وعدوَّهم، ومع كلِّ هذا بلغ الإسلام حيث تبلغ الشَّمس، ودخل النَّاس في دين الله أفواجًا، وعُبِّدت الأرض لله تعالى بالإسلام، وهذا لأنَّ الدِّين الحقَّ يحمل في ذاته سرَّ قوَّته ووسائل انتشاره، فيحصل له النَّصر والتَّمكين بمجرَّد الأخذ بالأسباب ولو كانت ضعيفة، وهذا معتمد كلِّ عامل.