بنو إسرائيل في عهد النَّبيِّ الملك داود عليه السَّلام
حال بني إسرائيل بعد يوشع عليه السَّلام
وبعد يوشع بن نون خلَّفه على بني إسرائيل أنبياء كثيرون، وظهر فيهم القضاة، وعُرفت هذه المرحلة من تاريخ بني إسرائيل بالقضاة، وهم رجال شُجعان كانوا يُدافعون عن بني إسرائيل من الهجمات التي وجَّهها أهل البلاد التي فُتحت لبني إسرائيل بسبب الإساءة لهم، وفي منتصف القرن الحادي عشر قبل الميلاد قويت شوكة أعداء بني إسرائيل من الفلستيِّين العمالقة بقيادة الملك العملاق جالوت، ودارت المناوشات والمعارك التي هُزم فيها أسباط بني إسرائيل أمام قوَّة جيش طالوت الذي ردَّهم إلى ما وراء نهر الأُردن، وأفسدوا في الأرض، وتسلَّطوا على بني إسرائيل فأشبعوا فيهم السُّيوف قتلًا وتجريحًا، ووقعت لهم هزيمة قاسية؛ لأنَّهم لم يكونوا أهلًا للنَّصر بنصوص كتابهم المقدَّس، وخرجوا من الأرض المقدَّسة إلى ما وراء نهر الأردن.
بنو إسرائيل في عهد النَّبيِّ صمويل عليه السَّلام
وبعد هذه الهزيمة الشَّديدة لأسباط بني إسرائيل أقام الله تعالى لهم مملكة عظيمة تحت راية ملك ونبيَّين ملكين كريمين، حيث طلب بنو إسرائيل من نبيِّهم صمويل (صموئيل، شمويل) بن بالي أن يعيِّن لهم ملكًا يقودهم إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، وكانوا قد استجابوا للخطوات الإصلاحيَّة التي قام بها النَّبيُّ صمويل؛ فتركوا الأوثان، واحتكموا إلى التوراة، وعادوا إلى الله تعالى؛ قال سبحانه: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ} [البقرة: 246]
بنو إسرائيل في عهد الملك الصَّالح طالوت
وبالفعل بعث الله تعالى لهم ملكًا كريمًا منهم ليحمل راية الجهاد ويتبعه بنو إسرائيل لمقاتلة جيش جالوت العملاق، فكان طالوت (شاؤول) لكنَّهم اعترضوا [1]على تحديد طالوت بأنَّه فقير لا يملك ما يملكه غيره، فكان الجواب أنَّ الملك اصطفاء من الله تعالى لا يتعلَّق بمال ولا وجاهة، وقد تميَّز طالوت ببسطة في العلم والجسم [2]؛ قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} [البقرة: 247] ولكنَّ القوم لم يكتفوا بالاعتراض على طالوت كملك عليهم بأمر الله تعالى، ولكنَّهم طعنوا في نبيِّهم بالتَّكذيب والإنكار فطلبوا آية على صدق ما ذكره عن الله تعالى، وهم بذلك يرفعون راية تكذيب النَّبيِّ شمويل؛ فقال لهم:{وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [البقرة: 248] ولذلك خُتمت الآية بهذا التَّعريض:{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} يقول الطَّبريُّ رحمه الله: "وهذا الخبر من الله تعالى ذكره عن نبيِّهالذي أخبر عنه دليل على أنَّ الملأ من بني إسرائيل الذين قيل لهم هذا القول لم يُقرُّوا ببعثة الله طالوت عليهم ملكًا، إذ أخبرهم نبيُّهم بذلك وعرَّفهم فضيلته التي فضَّله الله بها؛ ولكنَّهم سألوه الدَّلالة على صدق ما قال لهم من ذلك وأخبرهم به؛ فتأويل الكلام: إذ كان الأمر على ما وصفنا: {وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ}فقالوا له: ائت بآية على ذلك إن كنت من الصادقين قال لهم نبيهم: {إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ}" [3]فلمَّا جاءتهم الآية صدَّقوا نبيَّهم وسلَّموا الملك لطالوت، وأيقنوا بالنَّصر لرؤية التَّابوت، فلم يتخلَّف عن طالوت إلَّا معذور لكبر أو صغر أو مرض أو عدم وجوب القتال؛ قال الطَّبريُّ رحمه الله: "وقيل: إنَّ طالوت فصل بالجنود يومئذٍ من بيت المقدسوهم ثمانون ألف مُقاتل، لم يتخلَّف من بني إسرائيل عن الفصول معه إلَّا ذو علَّة لعلَّته، أو كبير لهَرَمه، أو معذور لا طاقة له بالنُّهوض معه"[4]
جهود الملك الصَّالح طالوت في قيادة بني إسرائيل
وبدأ الملك طالوت في ترتيب الجيش وبثِّ فيهم الأمل والتَّفاؤل بالنَّصر الذي جعله الله تعالى لعباده المؤمنين به، ووقعت في قلوبهم السَّكينة حين رجع إليهم التَّابوت الذي أُخذ منهم، وبعد تمام ذلك خرج بهم الملك طالوت إلى مواجهة جيش العماليق بقيادة جالوت، ووقع اختبار لهم عند خروجهم وقبل مرور النَّهر الذي بين فلسطين والأُردن؛ قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ} [البقرة: 249] وبذلك سقط عدد كبير من الجيش ولم يُصاحبوا طالوت في اجتياز النَّهر والمشاركة في المعركة [5]، وأصبح عدد المقاتلين قليلًا جدًّا حتَّى غلب على ظنِّهم عدم القدرة على مواجهة جيش جالوت: {فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ} [البقرة: 249] لكنَّ الله تعالى ثبَّت من قال منهم: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [البقرة: 249] وخرجوا من حولهم وقوَّتهم إلى حول الله وقوَّته متمسِّكين بالإيمان، وهو يدعون الله تعالى أن يُثبِّتهم في ساحة المعركة: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: 250] وبصدقهم في خروجهم للجهاد أيَّدهم الله تعالى فصبَّرهم وثبَّت أقدامهم ونصرهم على عدوِّهم ومكِّن لهم: {فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ} [البقرة: 251]
ظهور نجم النَّبيِّ داود عليه السَّلام
وفي هذه المعركة ظهر نجم الملك النَّبيِّ دواد عليه السَّلام حيث قتل جالوت بسيفه، وكان من الجنود البواسل في جيش طالوت، واستمرَّ حكم طالوت نحو 20 سنة، ثمَّ آل الأمر إلى داود سنة: (1000ق.م) وانتعشت مملكة بني إسرائيل لنحو مئة سنة تقريبًا بداية من عهد طالوت مرورًا بدادو وانتهاءً بعهد سليمان ، وعُرفت هذه المرحلة تاريخيًّا بالمملكة الأولى لبني إسرائيل، وهي أنقى ممالكهم وأعلاها في أمور الدِّين والدُّنيا؛ لأنَّ من تولَّاها مبعوثين من الله تعالى؛ فطالوت قد بعثه الله تعالى ملكًا على بني إسرائيل، وداود وسليمان بعثهما الله تعالى ملكين نبيَّين كريمين؛ فكانا في بني إسرائيل بمنزلة الملك الذي يُطاع لملكه ورتبته في الحكم، والنَّبيِّ الذي يُطاع لنبوَّته ومقامه من الله تعالى، ودان بنو إسرائيل لهذه الثُّلَّة المباركة من القادة حتَّى استقام أمرهم، وبقيَّة الممالك التي وقعت بعد ذلك لم تكن لها هذه المميِّزات التي جعلت من المملكة الأولى مملكة كُبرى لم يأتِ على تاريخ اليهود بعدها مثلُها في الملوك ولا المملوكين.
جهود النَّبيِّ داود عليه السَّلام في إصلاح بني إسرائيل
وأمَّا داود عليه السَّلام فقد زوَّجه طالوت بابنته، وأعطاه الله تعالى علمًا القيادة والسِّياسة وإدارة شئون المملكة، مع قدرة حربيَّة كبيرة مكَّنت لمملكة بني إسرائيل من خلال التَّغلُّب على أعدائه من جميع جوانب المملكة حتَّى اتَّسعت واستقرَّت؛ قال تعالى: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ * أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} [سبأ: 10-11] وكان مُجيدًا لصناعة الأسلحة وأدوات الحرب؛ قال تعالى: {وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ} [الأنبياء: 80] وحكم بين النَّاس بالعدل، وأقام الدِّين، واستقام في عهده بنو إسرائيل، وعاش مئة عام قضى منها في حكم بني إسرائيل نحو أربعين أو سبعين سنة [6].
نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم