الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

اختلاف الفقهاء في ركنيَّة الفاتحة.

السَّهو الجماعيُّ بين الغفلة والخوف.

سؤال:

وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: نسي الإمام قراءة سورة الفاتحة في إحدى ركعات صلاة العيد، وخلفه نخبة من الشُّيوخ والأئمَّة ولم يُنبِّهوه، ولم يقع منه ما يجبر به النِّسيان، فما حكم هذه الصَّلاة؟

وللجواب أقول في نقاط:

أوَّلًا: النِّسيان أمر يجري على كلِّ أحد، ولا يعيب من وقع منه؛ فقد نسي من هو أشرف وأكمل وأعبد وأقرب النَّاس وهو رسول الله ﷺ وقال: "إنَّما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكِّروني" [1] وكان في نسيانه ﷺ ما جُعل سببًا في التَّشريع وتقرير أحكام النِّسيان لمن وقع منه في عبادته؛ وهذا لأنَّ التَّشريع على قسمين:

الأوَّل: تشريع ابتدائيٌّ: وهو ما يقع من الشَّارع دون وقوع سببه؛ لعلمه بما يحتاج إليه النَّاس قبل وقوعه، ومن ذلك فرض الصَّلاة والزَّكاة وما يتعلَّق بأصول الدِّين وأركان الشَّريعة وما لا يفتقر إلى سبب في حصوله، بل يُعدُّ من ثوابت الملَّة.

الثَّاني: تشريع سببيٌّ: وهو الذي يأتي بعد سبب يستلزمه؛ فهو حاصل ما حصل سببه؛ كتقرير حكم بعد سؤال أو حدوث حادثة؛ وهذا القسم يكمِّل السَّابق حتى يتحقَّق بهما معًا اكتمال الدِّين وإتمام الشَّريعة؛ ومن أمثلة هذا القسم ما نحن بصدده من أحكام السَّهو في الصَّلاة.

ثانيًا: لا تفرقة بين الفرض والنَّفل في أصل الأحكام الشَّرعيَّة المتعلِّقة بالصَّلاة؛ قال ابن قدامة رحمه الله: "وحكم النَّافلة حكم الفرض في سجود السَّهو، في قول عامَّة أهل العلم، لا نعلم فيه مخالفًا" [2] وعليه فمن نسي الرُّكن في الصَّلاة فرضها ونفلها بطلت صلاته على قول جمهور الفقهاء رحمهم الله ووجب عليه إعادة الرَّكعة إذا كان في الصَّلاة، أو إعادة الصَّلاة كاملة إذا خرج منها؛ فالصَّلاة = أقوال مخصوصة وأفعال مخصوصة على وجه مخصوص وبكيفيَّة مخصوصة؛ والالتزام بفعلها على نحو ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ مقصود وشرط قبول؛ قال ﷺ: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" [3]

ثالثًا: النَّافلة مهما ارتقت درجتها فهي دون رتبة الفريضة في الأجر والإلزام، لكنَّها تُعامل معاملة الفريضة في الأحكام والآثار والطَّريقة، فلا يُقال: إنَّ النَّافلة دون الفريضة فيُقبل فيها التَّهاون بترك أركانها وواجباتها وسننها! ولو صحَّ هذا لقيل مثله في صدقة وعمرة وحجِّ وصوم النَّافلة، وهذا غير مقبول؛ فإنَّ العبادة تأخذ ما تأخذه مثيلتها من الأحكام والكيفيَّة؛ بجامع الاتِّفاق في المسمَّى، والاتِّحاد في الطَّريقة، وعدم ثبوت التَّفرقة في لسان الشَّرع العلميِّ والعمليِّ، كما أنَّ العبادات بطريقتها التي عليها لا تُقبل بدونها؛ فهي بيان بما تُقبل به العبادة؛ فلا يُنقض منها ولا يُزاد عليها؛ وهذا معنى الاتِّباع.

رابعًا: قراءة الفاتحة ركن من أركان الصَّلاة عند جمهور الفقهاء من الشَّافعيَّة في الجديد، والمالكيَّة والحنابلة؛ مستدلِّين بقوله ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" والنَّفي للإجزاء والصِّحة لا للكمال والتَّمام - على الرَّاجح - والرُّكن - أصوليًّا - هو: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، ويكون جزءًا في ماهية الشَّيء. أو: هو توقف الشَّيء على الشَّيء من جهة الوجود. فتبطل الصَّلاة بتركة، ويُؤمر الإمام بإعادة الرَّكعة إذا كان مازال في الصَّلاة أو كان خارجها بشرط ألَّا يتخلَّل بين الخروج منها والعودة إليها كلام أجنبيٌّ أو خروج من المسجد، فإن كان خارجها أعاد الصَّلاة كلَّها، وهذا يُنبيك بأهمِّيَّة الفاتحة كركن في الصَّلاة؛ فسقوط الرُّكن يهزُّ البناء.

خامسًا: يرى الأحناف والشَّافعيُّ - في القديم - أنَّ قراءة الفاتحة واجب من واجبات الصَّلاة لا ركن من أركانها، فالأمر أن يقرأ المصلِّي شيئًا من القرآن الكريم في القيام؛ واستدلُّوا بقوله تعالى: {فَٱقۡرَءُواْ ‌مَا ‌تَيَسَّرَ ‌مِنۡهُۚ} [المزمل: 20] فجازت قراءة أيِّ شيء ولو لم يكن الفاتحة، وبهذا القول تمسَّك من حكم بالجواز من غير طلب الإعادة.

سادسًا: لا اختلاف بين العقلاء أنَّ قول الجمهور أقوى حجَّة ودليلًا، وإليه تطمئنُّ النَّفس؛ لوجاهته باشتماله على الدَّليل الصَّريح الصَّحيح، وقوَّة من قال به من أهل العلم مع كثرتهم؛ والأمَّة على اعتماده فعلًا وتطبيقًا، ولا ينبغي تتبُّع رخص المذاهب؛ فالسَّلامة لا يعدلها شيء.

وأمَّا القول الآخر فلا يُقصد لذاته؛ لأنَّ ترك الواجبات عمدًا يُبطل الصَّلاة، وتركها سهوًا فيه سجود السَّهو قبل السَّلام، ولا يُطالب بفعلها إذا فات محلُّها؛ لأنَّ السُّجود يجبره، ولا يُجمع بين الجابر والمجبور، فإن تذكَّرها قبل فوات المحلِّ عاد فأتي بها؛ قال ابن قدامة رحمه الله "فإن ترك الواجب عمدا؛ فإن كان ‌قبل ‌السلام، بطلت صلاته؛ لأنه أخل بواجب في الصلاة عمدا، وإن ترك الواجب بعد السلام، لم تبطل صلاته" [4]

سابعًا: إذا نسي سجود السَّهو من وجب في حقِّه السُّجود ففي المسألة خلاف كبير بين العلماء: فمن قائل بسقوطه مع صحَّة الصَّلاة؛ لأنَّ العبادة لا تبطل بنسيان الجابر وفيها نقص، ويأتي به متى تذكَّر ولو طال الفصل، ومنهم من قال بعدم سقوط ووجوبه بشرط ألَّا يطول الفاصل، ومنهم من أبطل الصَّلاة وألزمه بالإعادة؛ فالخلاف قائم على قرب المصلِّي من الصَّلاة وبعده وما يتخلَّل من صارف.

ثامنًا: ويُفرِّق بعض العلماء بين النَّافلة والفريضة في أنَّ السَّهو في النَّافلة مع خروج زمنها يُسقطها فلا يجب إعادتها، وإنَّما على الاستحباب؛ إلَّا ما كان في الحجِّ والعمرة فإنَّهما يلزم أداؤهما بالشُّروع فيهما، أمَّا الصَّلاة والصِّيام فلا يلزم إتمامهما إلَّا في الفريضة.

تاسعًا: وبعيدًا عن خلاف الفقهاء فإنَّ البدء في طاعة - فرضًا أو نفلًا - يحسن إتمامه؛ وفي الإعراض عنه نوع من الخذلان والصَّرف عن الطَّاعة بعد التَّمكُّن منها، إلَّا أن يكون في إكمالها تهلكة أو ضرر متحقِّق؛ كصائم لم يقدر على الإكمال للمشقَّة مع شدَّة الحرِّ، أو مُصلٍّ مع حبس بول يُخشى عليه إن أكمل، أو مع زلزال شديد يضرب الأرض من تحته يغلب على الظَّنِّ معه الهلاك.

وعاشرا: فحصول هذا السَّهو من المجموع وارد بنسبة ضعيفة؛ فقد نسي النَّبيُّ ﷺ ولم يردُّه عموم الصَّحابة رضي الله عنهم مع معرفتهم بما وقع في الصَّلاة كما في حديث ذي اليدين، حتى سأل النَّبيَّ ﷺ بعد السَّلام عن صحَّة ما ذكره ذو اليدين، ولعلَّ الفرق بين هذه الواقعة وواقعتنا تلك أنَّ الإمام ليس مشرِّعًا يُحتمَل في فعله التَّشريع؛ فلا تشريع بعد رسول الله ﷺ، كما أنَّ الكاميرة أظهرت بعض مَن شعر بسهو الإمام من خلفه لكنَّه لم يتصرَّف بما ينبغي أن يكون؛ لعلَّه هوَّل من استدراكه والفتح على الإمام مع وجود الشُّيوخ من ورائه، وهذا ليس سببًا وجيهًا؛ فقد فتح ذو اليدين وفي النَّاس أبو بكر وعمر، وهما أعلى وأجلُّ من كلِّ أحد دون النَّبيِّ ﷺ.

وختامًا أقول:

إن صحَّ هذا مع وفرة الشُّيوخ خلف الإمام فإنَّه دالٌّ على جهل عظيم بما كان ينبغي أن يسلكه المأمومون، وأمَّا الإمام فهو عندي معذور بنسيانه وسهوه؛ وربَّما كان لجلالة الموقف - من وجهة نظره فهوَّله وعظَّمه - وقد نسي من هو أكمل منه، لكنَّ عجبي لا يتوقَّف من موقف النُّخبة الدِّينيَّة والعلميَّة التي تقف خلفه، كيف لم يُسبِّحوا أو يفتحوا عليه مع اليقين بأنَّ ذلك مطلوب على الكفاية على قول الجمهور بالتَّسبيح أو التَّلقين حتى يقرأ الإمام الفاتحة، ولا يُقال إنَّهم سكتوا لعلمهم بالخلاف بين الرُّكن والواجب في قراءة الفاتحة؛ لأنَّ الجميع متَّفق على ضرورة الفتح على الإمام إذا نسي وذكر النَّاس؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: "فإذا نسيت فذكِّروني" فالأمر فيه على الوجوب؛ لأنَّ النَّاسي إذا ذُكِّر تذكَّر فأصلح وأحسن، ولكنَّ شيئًا من هذا لم يحصل؛ فإن كان لسهو الجميع فتلك مصيبة - فلعلَّ القوم سكروا جميعًا فلم يفطنوا - وإن كان لسهو البعض دون البعض مع ترك الفتح والتَّنبيه فالمصيبة أعظم؛ لأنَّه لا يقع من عالم بمآلات المواقف والمشاهد والآثار.

تلك عشرة كاملة

والله أعلم وأحكم وهو أعزُّ وأكرم

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله