أهمِّيَّة الصُّحبة وآثارها
إنَّ الصُّحبة من أعظم المؤثِّرات على الإنسان، وهي مؤشِّر صلاح المرء أو فساده، فمن صاحب الصَّالحين انتفع بصحبتهم، ومن لا فلا ينتفع بضدِّهم؛ ولعظم أثر الصُّحبة على المرء وجب عليه أن يُحسن اختيار صحبته معتمدًا شرط الصَّلاح والاستقامة والأخلاق والقيم في الصَّاحب؛ فهو ساحب، وأثره الإيجابيُّ على صاحبه مأمول؛ فهو كحامل المسك يُصيب المرء منه نفعًا مباشرًا، وعلى العكس من ذلك صاحب السُّوء فهو كنافخ الكير يُصيب من صاحبه ضررًا مباشرًا؛ فيا ثمرة فؤادي لا تُصاحبوا إلَّا من صلح ظاهرُه، واستقام أمرُه، وحسُنت سيرته، وعُرفت خصاله، وقرَّبكم من الله تعالى سمته ودلُّه، فبذلك تُرضون ربَّكم، وتبرُّون أبويكم، وتحفظون أنفسكم.
أصحاب الدِّراسة والعمل
ثمَّ اعلموا يا سلوة الفؤاد أنَّ البيئة التَّعليميَّة والمجتمعيَّة تفرض عليكم نوعًا من الأصحاب يُشاركونكم الصَّفَّ أو المعيشة، فمن كان منهم صالحًا فاتَّخذوه صاحبًا، ومن لا فلا وكونوا منه على حذر، ولا تتوسَّعوا في التَّفاعل معه بحديث أو نقاش أو خلطة إلَّا لضرورة يضرُّ تركها وبقدر الحاجة، ولا تستهينوا بأثر صحبته، ولا تفتحوا له قلوبكم، ولا تروا فيه قدوة تُحاكى، أو نموذجًا يُقتدى به، وإن رأيتم في أمثاله خيرًا واستجابة مع قدرتكم على دعوته فاتَّخذوا من دعوته إلى الصَّلاح والهداية سبيلًا إلى الله تعالى.
خطر الصُّحبة السَّيِّئة
أي بنيَّ، لا تكونوا فريسة سهلة في يد أصحاب السُّوء ومثيري الشَّغب، فلا تتأثَّروا سلبًا بكلماتهم النَّابية، وألفاظهم الخارجة عن حدود الآداب والأخلاق والقيم الإسلاميَّة والعرفيَّة، ولا يحملنَّكم إلف عادة الاستماع إليها منهم على الرِّضا بها، والاستسلام لها، واستعمالها ولو على سبيل المزاح؛ فإنَّ التَّنازل عن القيم باقتحام دائرة الحرام ومنطقة الآثام من أعظم خطوات الشَّيطان في استدراج العبد من دائرة الطَّاعات إلى متاهات المعاصي والمحرَّمات، فأنكروا الحرام والقبيح ولو كثر أهله وتردَّدت كلماته ومشاهده على أسماعكم وأبصاركم، وتحصَّنوا من ذلك بإنكاره ما أمكنكم، فإن لم يكن فبالزَّوال عن بيئته إلى أن يخوضوا في حديث غيره.
من حقوق الصُّحبة والأخوَّة
يا حفَّاظ الوحيين، تجنَّبوا مفسدات المودَّة وما يغتال الصَّداقة والإخوة الإيمانيَّة من التَّدخُّل فيما لا يعنيكم، أو نقل الأخبار والأسرار، أو التَّسلُّط على الآخرين ولو بالنَّصيحة، أو التَّعالي على هو دونكم، أو التَّملُّق إلى من فُضِّل عليكم، أو الجدال العقيم فيما يمكن فيه السُّكوت لاختلاف وجهات النَّظر، أو تسفيه الآراء من غير حجَّة وبيان، أو التَّطلُّع إلى ما عند الآخرين بالحسد والنَّظر والفضول، أو طلب ما يُعجز الغير من بذل مال أو وقت أو مصلحة لا يقدر عليها؛ فإنَّ الزُّهد فيما في يد النَّاس يرفع من قيمة المرء، وطلب ما في أيديهم يُفسد المودَّة وُحدث النِّزاع.
خير الأصحاب أنفعهم لصاحبه
أي بنيَّ، كونوا عونًا للنَّاس فيما تقدرون عليه من بذل مباشر أو غير مباشر، ولا تمنُّوا عليهم بصنيع أو معروف؛ فإنَّ التَّوفيق لنفع الآخرين محض فضل الله تعالى، وتيسير مادَّة الإعانة وسبل المساعدة لله تعالى أيضًا ليس للعبد فيه ما يستوجب المنَّ والثَّناء، فاطلبوا الجزاء من الله تعالى وحده لا ممَّن أحسنتم إليهم؛ فإنَّه لا يقدر أحد على بذل المكافأة المثلى إلَّا الكريم الجواد المعطي، والكيِّس الفتن لا يعدل بالله تعالى غيره.
العطاء والبذل لا يضيع
يا رفاق حياتي، الإحسان إلى الآخرين منهج قرآنيٌّ وخلق نبويٌّ، فلا تبخلوا بما أمكنكم تقديمه لمن حولكم، واحتسبوا أجره عند من لا يُضيع أجر من أحسن عملًا، وأكثروا من العطاء في وجهه ولو نفد ما عندكم؛ فإنَّ العطاء يُجدِّد النِّعم، والحرمان يُبدِّدها؛ فلا تحسبوا أنَّ الصَّدقة تُتقص المال، بل تُباركه وتُنمِّيه، وتُكثِّره وتُزكِّيه، فمن أوتي مالًا أو علمًا أو وجاهة يُمكن توجيهها لخدمة عباد الله تعالى ثمَّ بخل بها نقصت على الحقيقة، ولو أعطى عطاء من لا يخشى الفاقة لم ينقص منها شيء على الحقيقة؛ فإنَّ ما أنفقه في سبيل الله هو الباقي، وما أنفقه على نفسه أو ما أبقاه لنوائب الدَّهر هو الفاني، والموفَّق من أبصر فأدرك فعمل.