كانت القدس في مرحلة ما قبل الفتح الإسلاميِّ (العمريِّ) تحت حكم الامبراطوريَّة البيزنطيَّة الرُّومانيَّة الشَّرقيَّة، وهي مسيحيَّة ترفع الصَّليب، وقد غزاها السَّانيُّون= الامبراطوريَّة السَّاسنيَّة (الفرس الثَّانية) سنة: (614م) في معركة من جملة الصِّراع بين الفرس والرُّوم على الاستحواذ وفرض السَّيطرة على البلاد، ونهب الفرس مدينة القدس، وذبحوا منها ما يزيد عن: (90) ألف مسيحيٍّ رومانيٍّ، وكان ذلك بمساعدة اليهود الذين اضطهدهم الرُّومان في فترات التَّاريخ، فكانوا ينتقمون منهم بإعانة الفرس عليهم.
أطلق هرقل الرُّوم جيوشه لاستعادة المناطق المنهوبة فاستردَّ القدس من الفرس الذين فرضوا عليها سيطرتهم، وقد تكبَّد الهزيمة السَّاحقة من جيوش المسلمين في اليرموك: (636م)، وتتبعهم أبو عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه وبرفقته خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى حمص حتى طهَّر الأرض منهم، وبعدها اتَّجهت الجيوش نحو الشَّام لتتبُّع جنود الرُّوم الفارِّين من المواجهة في اليرموك، ومنها انطلقوا نحو القدس بتوجيه الفاروق .
حاصر المسلمون القدس والتي تحصَّن بها البيزنطيُّون رغبة في إسقاطها من غير قتال أو معارك دمويَّة [1]، واستمرَّ أربعة أشهر حتى أُنهكت قوَّة الحصن، فأعلن بطريرك القدس صفرونيوس الاستسلام [2] ودفع الجزية على أن يحضر الخليفة [3]للاتِّفاق وقبول الاستسلام، وحضر الفاروق عمر رضي الله عنه[4]، واستلم الفاروق مفاتيح بيت المقدس من البطريرك، وأعطاهم العهدة العمريَّة التي أمَّنهم فيها على كنائسهم وممتلكاتهم مقابل دفع الجزية للمسلمين، وتمَ الفتح الإسلاميُّ للقدس عام: (637م) واكتملت جميع فلسطين والأردن وشمال سوريا مع نهاية هذا العام، وتمدَّد المسلمون في فتوحاتهم حتى أنطاكية، وبعد الفتح العمريِّ لم يكن لغير المسلمين حقٌّ فيه؛ ذلك أنَّ الأرض لله يورثها عباده الصَّالحين، وما تملَّكه المسلمون لا يُغتصب منهم، ولزمهم استرداده فكيف إذا كان بقعة مباركة طاهرة كبيت المقدس والأقصى؟!.
وهذا نصُّ العهدة العمريَّة التي أعطاها أمير المؤمنين رضي الله عنه لأهل إيلياء (القدس): "هذا ما أعطى عبدالله: عمر، أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقمها وبريئها وسائر ملَّتها، أنَّه لا تُسكَن كنائسهم ولا تُهدَم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يضارَّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يُعطوا الجزية كما يُعطي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرِجوا منها الرُّوم واللُّصوص، فمن خرج منهم فإنَّه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا أمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحبَّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الرُّوم ويخلِّي بِيَعهم وصلبهم، فإنَّهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنَّه لا يُؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمَّة رسوله وذمَّة الخلفاء وذمَّة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية، كتب وحضر سنة خمس عشرة هجريَّة.
نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم