(1) وعلى النَّقيض ممَّا ذكرت عن الهالكَين: (أروبان الثَّاني، وديتور هرتزل) يذكر التَّاريخ بكلِّ معاني الإجلال والثَّناء نظام الملك= قوام الدِّين أبا عليٍّ الحسن بن عليِّ بن إسحاق بن العباس الطوسي وزير الدَّولة السُّلجوقيَّة، وهو رأس العاملين لإعادة ترتيب صفوف الأمَّة وإعادة تهيئة الجيل للوصول إلى جيل التَّمكين الذي جرى على يديه استرداد بيت المقدس في عهد صلاح الدِّين الأيوبيِّ، فقد أدرك منذ اللَّحظة الأولى المخاطر التي تُحيط بالدَّولة الإسلاميَّة من كلِّ جانب؛ فقد زادت أطماع الفرس والرُّوم في المنطقة، مع ما تحيكه الدَّولة الفاطميَّة الشِّيعيَّة، وما يقع في دوائر الحكم من خلافات على السِّياسة والمناصب، وما أصاب الدَّولة العبَّاسيَّة من تناحر وتقاتل على ذلك أدَّى إلى ضعف عامٍّ، فعمل على رعاية العلم والعلماء، وخصَّص قدرًا كبيرًا من موازنة الدَّولة السَّلجوقيَّة للمدارس النِّظاميَّة التي أخرجت الفقهاء والعلماء والعبَّاد والزُّهاد الذين كان لهم أكبر الأثر في إحداث تغيير كبير في المجتمع دعويًا، وعلميًّا، وإيمانيًا، فتغيَّرت موازين المعركة حين زادت المعرفة، وارتقت مؤشِّرات العبادة، وقويت عقيدة النَّاس في معاني الإيمان، مع الأخذ بوسائل الإعداد العسكريِّ والحربيِّ، فوجد المؤمنون سلاحًا للحرب؛ فحاربوا فانتصروا بموعود الله تعالى لهم بالنَّصر إن هم نصروه، وهذا ما حصل تحديدًا في عمليَّة الاسترداد التي تمَّت بالفتح الأيوبيِّ لبيت المقدس.
(2) يقول ابن الأثير رحمه الله: "وأمَّا أخباره، فإنَّه كان عالـمًا، ديِّنًا، جوادًا عادلًا، حليمًا كثير الصَّفح عن المذنبين، طويل الصَّمت، كان مجلسه عامرًا بالقرَّاء، والفقهاء، وأئمَّة المسلمين، وأهل الخير والصَّلاح، وأمر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد، وأجرى لها الجرايات العظيمة، وأملى الحديث بالبلاد ببغداد وخراسان وغيرهما، وكان يقول إنِّي لستُ من أهل هذا الشَّأن - لما تولَّاه - ولكنِّي أحبُّ أن أجعل نفسي على قِطار نقلَة حديث رسول الله ﷺ ، وكان إذا سمع المؤذِّن أمسك عن كلِّ ما هو فيه وتجنَّبه، فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصَّلاة، وكان إذا غفَل المؤذِّن، ودخل الوقت يأمره بالأذان، وهذا غاية حال المنقطعين إلى العبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصَّلوات" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (8/357).
حين يجتمع العلم والعمل والمهارة في الحاكم إنَّ مثل هذه الصِّفات الجليلة لا تكون في وزير اشتغل بالسِّياسة وأمور الدَّولة، فهي غاية ما يصل إليه العالم المتبحِّر المنقطع للعلم والمعرفة، وغاية ما يكون عليه العابد المنصرف عن الدُّنيا إلى الآخرة، وهذا هو سرُّ نجاح الرَّجل بعد تفكير عميق في شخصيَّته وما ورد من أخباره وأحواله؛ لقد جمع الله تعالى للوزير الصَّالح نظام الملك الطُّوسيِّ بين العلم والعمل والسِّياسة والملك، وهذه المفردات لا تجتمع في جملة واحدة بعد زمن النُّبوَّة والخلافة الرَّاشدة، فهي قليلة الحصول في أهل الحكم والسُّلطة والرِّياسة والمسئوليَّة؛ لما لهذه المواقع من فتنة تأخذ باللُّبِّ والقلب فلا يصفو معها العقل للعلم، ولا القلب للعبادة، ولكنَّ أمثال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وعمر بن عبدالعزيز رحمه الله ، ونظام الملك، وقادة الأتابكة عماد الدِّين ونور الدَّين، والأيُّوبيِّ صلاح الدِّين رحمهم الله ، جعلهم الله تعالى حجَّة ماضية على كلِّ مسئول جاء بعدهم أو بينهم، فهم حقًّا مثال للحاكم الصَّالح الذي لم يصرفه الحكم والملك عن إقامة دينه، وإصلاح حياته، والبذل لآخرته، لم ينصرف عن ذلك بشهوة الملك والسُّلطة، وإنَّما اتَّخذها سبيلًا للتَّقرُّب إلى الله تعالى بالقيام في الرَّعيَّة بالعدل والصَّلاح وإقامة الدِّين، وتعبيد الخلق لله تعالى من خلال استثمار الموقعيَّة في توجيه العباد إلى طاعة الله تعالى وتطبيق شريعته وإقامة الشَّعائر؛ فإن الله يزع بالسُّلطان ما لا يزع بالقرآن.
(3) يقول ابن الأثير رحمه الله: "صار نظام الملك وزيرًا لألب أرسلان إلى أن ولي السَّلطنة بعد عمَّه طغرلبك، واستمرَّ على الوزارة لأنَّه ظهرت منه كفاية عظيمة، وآراء سديدة قادت السَّلطنة إلى ألب أرسلان، فلمَّا تُوفِّي ألب أرسلان قام بأمر ابنه ملكشاه" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (8/357) بتصرُّف يسير.
ثمرة اختيار الأكفاء في مواقع القيادة وإنَّ تولية السُّلطان ألب أرسلان لنظام الملك ووصيَّته لولده من بعده بتثبيت نظام الملك في الوزارة من أعظم ما يُذكر لهذا القائد العظيم؛ فقد وضع الرَّجل المناسب في المكان المناسب؛ فكانت النَّتيجة المحافظة على الدَّولة من أطماع الطَّامعين، واستتباب الأمن، واستقرار أمور الحكم بالعدل والميزان، وإقامة الدِّين والإيمان، وانتشار العلم المعرفة وتخريج العلماء، وتحقيق استرداد بيت المقدس بسبب تلك الآثار الصَّالحة، وهذا كلُّه ناتج عن القرار الصَّالح بوضع الرَّجل في موقعه الأنسب له، أمَّا ما يقع في واقعنا من اختلاف المواقع، والتَّسلُّط على المناصب بالرِّشوة والمحسوبيَّة والمجاملة والمعارف فما أفسد الحياة العامَّة والخاصَّة إلَّا ذلك، فإنَّ الانحراف بالمكانة والمسئوليَّة يقع حين يُختارُ لها من لا يقدر على تحمُّل أعبائها ومسئوليَّاتها؛ فيقع الفساد في المجتمع، ولو تنحَّى مَن لا يُجسن قيادة المؤسَّسة وتقدَّم الصَّالح الأمين العليم بشئونها لاستقام أمر المؤسَّسة وازدهرت وارتقت، ولايزال أمرها إلى انحدار وأفول وتراجع ما بقي على رأسها مدير ضعيف متسلِّط بوجاهته أو ماله أو سلطته أو قوَّته، فإذا زال عنها أو أُزيل منها حصل الإصلاح؛ فمن النَّاس من يحول دون الخير ببقائه، فإذا زال جاء الخير، وهؤلاء أسوأ النَّاس عند الله تعالى؛ لأنَّهم حجر عثرة دون وصول الخير إلى العباد والبلاد، وعكس هؤلاء هم من جعلهم الله تعالى أسباب خير، ووسائل برٍّ، ومفاتيح سعادة؛ فطوبى لمن كان منهم.
(4) يُعدُّ إنشاء المدارس النِّظاميَّة بهذه الطَّريقة التي أقامها عليها نظام الملك من أعظم ما يُضاف لسجلَّات إنجازاته؛ فقد أدَّت إلى عودة النَّاس إلى العلم تحت راية الحكم؛ قال ابن الأثير رحمه الله : "وشتَّان بين فعله وفعل نظام الملك الذي عمَّر المدارس، ودوَّن العلم في بلاد الإسلام جميعها، ووقف الكتب وغيرها" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (8/166).
نظام الملك يُخالف أعراف الحكَّام وهذا المسلك الذي سلكه مخالف لما سعى إليه كثير ممَّن حكموا؛ فإنَّ تجهيل الأتباع من أظهر سياسات كثير من الحكَّام والأمراء والسَّلاطين؛ لأنَّ قيادة الجاهل يسيرة عليهم، فلا يملك بصرًا ولا بصيرة تحمله على المطالبة بحقوقه، وإنَّما يُقاد كما يُقاد الحمار من غير مشقَّة، لا يعرف شيئًا عن حقوقه وواجباته؛ فلا يسلم المجتمع من آثار الجهل، ولا يجد الحاكم عناءً في كبت الجهلة وتخويفهم وتصميتهم وتمرير سياساته أيًّا كانت، ولكنَّ نظام الملك أدرك أهمِّيَّة صناعة عقول الأمَّة على العلم والمعرفة؛ لأنَّها تُنير لهم مساحة العقل؛ فيحصل الإبداع في التَّفكير، وتكثر المواهب والنَّماذج العاقلة الواعية في صفوف الأمَّة بما يعود عليها بالنَّفع، كما أنَّ تنشيط العقول بالعلم النَّافع ينتج عنه صلاح المجتمع والارتقاء بالأخلاق إلى سماء الصَّفاء والرُّقيِّ؛ فلا أخلاق للجهلة، ولا بارك الله في علم لا يحمل على الأخلاق الحسنة والصِّفات الصَّالحة، ومن أجل هذا سعى نظام الملك بهذه السِّياسة إلى إصلاح الجيل وإعداده ليكون جيلًا قادرًا على تحقيق النَّصر واسترداد بيت المقدس، وقد كان ما سعى إليه.
أثر إصلاح التَّعليم على الأجيال إنَّ هذه الخطوة العظيمة التي سنَّها الوزير نظام الملك ملهمة لقادة جيل النَّصر في كلِّ زمان ومكان، فعليهم أن يُدركوا الدَّرس جيِّدًا، بحسن التَّعليم والتَّوجيه والتَّربية حتى يُولد جيل صالح يُغيِّر معالم المعركة بالبذل والتَّفاني من أجل نصر الإسلام، ورفع رايته في كلِّ ميدان من ميادين النَّصر، والاعتناء بالعلم في صناعة جيل التَّمكين أوسع من أن يُختزل في العلم الشَّرعيِّ فقط، وإنَّما يسَع كلَّ علم تنتفع به الأمَّة المباركة الأبيَّة؛ فيُعتنى بالارتقاء في مجال العلوم الاقتصاديَّة، والعسكريَّة، والأمنيَّة، والتَّسليحيَّة، والتَّربويَّة، والنَّفسيَّة، والغذائيَّة، والإنسانيَّة، والتِّجاريَّة، والصِّناعيَّة، والزِّراعيَّة، وغيرها ممَّا ينفع الإنسان ويُحقِّق القوَّة لأهل الإيمان.
(5) إنَّ الجهد الذي بذله نظام الملك الوزير السَّلجوقيُّ= إصلاح التَّعليم بإعادة الوعي المعرفيِّ من خلال إنشاء المدارس وحلقات العلم؛ بهدف إعادة تشكيل العقل المسلم على أساس من العلم الموصِّل للإدراك ثمَّ العمل، وهذه أوَّل خطوة من خطوات يقظة الأمَّة؛ فإنَّ النَّائم الذي ضربت عليه الغفلة وتحقَّق فيه الجهل حتى سُلبت منه مقدَّراته على حين غفلة منه يحتاج أوَّلًا وقبل كلِّ شيء إلى إعادة صناعة فكره وعقله لينطلق من علم وبصيرة ووعيٍ، فما حاربنا الأعداء بسلاح هو أفتك وأسرع وأحدُّ من التَّجهيل؛ وقد أدركوا ذلك منذ اللَّحظة الأولى؛ يقول دافيد بن غوريون - أوَّل رئيس وزراء لإسرائيل الصُّهيونيَّة المحتلَّة -: "نجاحنا لا يعتمد على ذكائنا بقدر ما يعتمد على جهل وغباء الطَّرف الآخر" فهم يتعمَّدون تجهيل الشُّعوب من خلال بسط النُّفوذ على العقول قبل الأراضي والممتلكات والأجساد، فمن ملكت عقله ملكت كلَّ شيء بعد ذلك، فظهر التَّدخُّل السَّافر في صناعة مناهج التَّعليم ومقرَّرات الدِّراسة، وتوغَّلوا بعمق في وسائل التَّواصل من خلال إنشاء المواقع، ورفع المقاطع، وإصدار التَّطبيقات، وشراء البرامج، ودعم الأفكار، وتوجيه الرَّأي العامِّ، حتى استطاعوا بجهودهم في سبيل الباطل وغفلتنا عمَّا يُحاك لنا ويُراد بنا أن يحقِّقوا، من هنا وجب على كلِّ مصلح أن يهتمَّ بأمر العلم والعقل والمعرفة، بداية من تعليم القراءة والكتابة، إلى حفظ القرآن الكريم ودراسة العلم الشَّرعيَّ، والقراءة في الفكر والثَّقافة، والاطِّلاع على التَّاريخ والتُّراث؛ وتهيئة الجيل معرفيًّا، ثمَّ إيمانيًّا، ثمَّ اقتصاديًّا، ثمَّ عسكريًّا، وإنَّما كانت صناعة المال والسِّلاح بعد صناعة العقل والقلب والجوارح لأنَّه لا يصبح الإنسان إنسانًا حقيقيًّا إلَّا إذا وُجد فيه العقل والقلب والجوارح، وهذه لا تتحقَّق إلَّا بالعلم والمعرفة والإيمان والعبادة والعمل، ثمَّ بعد ذلك يستطيع المرء صناعة المال والسِّلاح مع توجيههما توجيهًا صحيحًا ينفع الإسلام والمسلمين، وقد يتحقَّق النَّصر بدونهما أو بأقلِّ قدر منهما يحصل نتيجة الأخذ بالأسباب قدر الطَّاقة والإمكان، أمَّا أصول المرء فلا يقدر على الصُّمود والمواجهة في ساحات الوغى بدونها، والباقي تكميل يجبره الرَّبُّ الجليل.
تفريغ الطَّاقات لصناعة أمجاد الأمَّة ومن أسباب النَّصر التي أسَّسها نظام الملك من خلال المدارس النِّظاميَّة= تفريغ الطَّاقات والعقول لدراسة العلم مع كفالتهم وكفايتهم من النَّاحية الماليَّة؛ حتى يرفع عنهم همَّ التَّفكير في التَّكسُّب أو السَّعي لتحصيل الأرزاق في أعمال ووظائف تستفرغ طاقاتهم، وتنهك أجسادهم، وترهق عقولهم، وإنَّما فرَّغهم لأنَّ العلم لا يُحصِّله مشغول مشتَّت بين جبال الحياة وهمومها، وخصَّص لهم الرَّاتب المناسب الذي يكفيهم، ووفَّر لهم الطَّعام حيث كان يُخصَّص لكلِّ طالب ومدرِّس حصَّة من الخبز يوميًّا، وأنشأ لهم مكتبة ملحقة بالمدرسة، وشجَّعهم على التَّحصيل والتَّأليف والاستفادة، فساهم بذلك في إخراج جيل لا يحمل همًّا سوى همِّ الأمَّة، واستطاع بذلك أن يصنع جيوشًا من العلماء للمعارك العلميَّة والفكريَّة بأعداد تُضاهي أعداد جيوش المعارك الحربيَّة والعسكريَّة، وهذا من أعظم سبل استرداد المقدَّسات، وأمَّا واقع الدُّعاة اليوم وطلَّاب العلم فمأساويٌّ في بلاد المسلمين اليوم؛ فالدَّاعية لا يكاد يكفي نفسه؛ فراتبه قليل مقارنة بالغلاء الذي يعصف بأكباد الفقراء، ممَّا حمله على التَّقصير في مهامِّه وواجباته لتحصيل الكفاية في المأكل والمشرب والمسكن والمعيشة، ولو خصَّصت الدُّول من موازنتها العامَّة راتبًا يكفي الأيمَّة والوعَّاظ والدُّعاة من أجل تفريغهم لمهمَّتهم الإصلاحيَّة والدَّعويَّة والتَّعليميَّة لتغيَّرت موازين العالم، ولتحوَّلت المجتمعات بجهود العلماء والقرَّاء والدُّعاة إلى الله تعالى، ولولا المسئوليَّات التي في رقبة هؤلاء لما احتاجوا إلى المال في شيء؛ ولكنَّ المسئوليَّات تفرض على الإنسان بذل جهد في تحصيل المال لرعاية من يعولهم ويتولَّى أمرهم، فلا ينبغي أن يُزايد أحدٌ على الأيمَّة والدُّعاة والعلماء؛ فهم أحرص النَّاس على رفع الرَّاية ونصر الحقِّ، ويبذلون وسعهم من أجل تحقيقه، وعلى الحكومات ووزارات الأوقاف والجهات المعنيَّة برعاية هؤلاء أن تسعى في توفير حياة كريمة لهم؛ فهم خطُّ الدِّفاع الأوَّل، ومنهم تبدأ إشارة التَّحرير.
(6) لم يكتف نظام الملك بالمشاركة في صناعة وعي الأمَّة عن طريق المدارس النِّظاميَّة التي أسَّسها فأصبحت ملاذًا للعلماء وطلَّاب العلم، بل ساهم بنفسه فيما يُحسنه من مجالات العلم فألَّف كتابه: (سير الملوك) واتَّخذه سبيلًا لنقل فكرته عن الحكم وانطباعاته عن السِّياسة، وتوصيل آرائه القويَّة النَّاتجة عن خبرة طويلة في نظم الحكم وما يتعلَّق به من سياسة الرَّعيَّة والقيام فيهم بما أمر الله تعالى؛ وكأنَّه أراد أن يسلك بهذا الكتاب مسلك إصلاح الحكَّام والزُّعماء والسَّاسة بعد أن أصلح العلماء والشُّيوخ بالمدارس النِّظاميَّة، وبصلاح العلماء والأمراء والحكَّام والسَّلاطين تستقيم الرَّعيَّة وتحسُن أحوالها؛ فتحدَّث في هذا الكتاب عن تنظيم الحكم، وضرورة قيام العدل، وتنظيم أمور الدَّولة، والاستقطاع، وتنظيم الإدارة والجيش، وتاريخ العلاقة بين السُّلطة المركزيَّة في خراسان والقرامطة والخرميَّة وغيرها من الحركات الباطنيَّة، وكلُّ فصل من فصول هذا الكتاب الخمسين يكشف بوضوح تامٍّ عن ناحية من أوضاع الحكم، وأجهزة الإدارة، والطَّبقات الاجتماعيَّة، وقواعد السُّلوك ومراسم ذلك العهد، وتقاليده وآدابه؛ فالكتاب عبارة عن خلاصة تجاربه في الحكم والسِّياسة، وهو بمثابة مذكرات سياسيٍّ ووزير عظيم أسَّس لـما يسمى للحكم النَّظيف الواعي الذي ينطلق من علم وحكمة وإيمان، وفيه بيان كيفيَّة إدارة الدُّول والممالك وفق رؤية صحيحة ترتقي بالحاكم والمحكوم والملك والمملوك، فهو كتاب غنيٌّ بالآراء الحكيمة والنَّصائح السَّديدة والمنهج الرَّشيد في تسيير شئون الدَّولة، وبه يكون نظام الملك قد قدَّم وحده إصلاحًا علميًّا ومعرفيًّا يتعلَّق بالعلم الشَّرعيِّ والسِّياسيِّ لإصلاح العلماء والحكَّام معًا؛ فهم ولاة الأمور من النَّاحية الشَّرعيَّة والحكميَّة، فصلاحهم صلاح للحياة، وفسادهم فساد للحياة؛ فإنَّ الفتنة يعظم خطرها ويشتعل لهيبها إذا تولَّى كِبرها عالم فاسد برعاية حاكم مفسد؛ فالأوَّل يُقعِّد لهم ويُحاجج عنها، والأخير يفرضها بقوَّة السَّيف وسلطان القانون؛ فيضيع الحقُّ بين جاهل تنطلي عليه الشُّبهات، وخائف يخشى من عمل السُّيوف في الرِّقاب؛ فإذا صلح العالِم والحاكم صلح القائم والنَّائم، وإذا فسدا فسد العالَم.
(7) يقول ابن الأثير رحمه الله: "وكان سبب قتله أنَّ عثمان بن جمال الملك بن نظام الملك كان قد ولَّاه جدُّه نظام الملك رئاسة مرو، وأرسل السُّلطان إليها شِحنة يُقال له قَودَن، وهو من أكبر مماليكه، ومن أعظم الأمراء في دولته، فجرى بينه وبين عثمان منازعة في شيء، فحملت عثمانَ حداثةُ سنِّه، وتمكُّنه، وطمعه بجدِّه، على أن قبض عليه وأخرق به ثمَّ أطلقه، فقصد السُّلطان مُستغيثًا شاكيًا، فأرسل السُّلطان إلى نظام الملك رسالة مع تاج الدَّولة ومجد الملك البلاسانيِّ وغيرهما من أرباب دولته يقول له: "إن كنت شريكي في الملك، ويدك مع يدي في السَّلطنة، فلذلك حكم، وإن كنت نائبي وبحكمي فيجب أن تَلزم حدَّ التَّبعيَّة والنِّيابة، وهؤلاء أولادك قد استولى كلُّ واحد منهم على كَورة عظيمة، وولي ولاية كبيرة، ولم يُقنعهم ذلك حتَّى تجاوزوا أمر السِّياسة وطمِعوا إلى أن فعلوا كذا وكذا" وأطال القول، وأرسل معهم الأمير يلبُرَد، وكان من خواصِّه وثقاته، وقال له: "تُعرِّفني ما يقول، فربَّما كتم هؤلاء شيئًا".
فحضروا عند نظام الملك وأوردوا عليه الرِّسالة، فقال لهم: "قولوا للسُّلطان إن كنت ما علمت أنِّي شريكك في الملك فاعلم، فإنَّك ما نلت هذا الأمر إلَّا بتدبيري ورأيي، أمَا يذكر حين قُتل أبوه فقمتُ بتدبير أمره، وقمعت الخوارج عليه من أهله، وغيرهم، منهم: فلان وفلان، وذكر جماعة من خرج عليه، وهو ذلك الوقت يتمسَّك بي ويَلزمني ولا يُخالفني، فلمَّا قُدتُّ الأمور إليه، وجمعتُ الكلمة عليه، وفتحتُ له الأمصار القريبة والبعيدة، وأطاعه القاصي والدَّاني، أقبل يتجنَّى لي الذُّنوب، ويسمع في السِّعايات؟ قولوا له عنِّي: إنَّ ثبات تلك القَلنسُوة معذوق بهذه الدَّواة، وإنَّ اتِّفاقهما رباط كلِّ رغيبة وسبب كلِّ غنيمة، ومتى أطبقت هذه زالت تلك، فإن عزم على تغييرٍ فليتزوَّد للاحتياط قبل وقوعه، وليأخذ الحذر من الحادث أمام طروقه" وأطال فيما هذا سبيله، ثم قال لهم: "قولوا للسُّلطان عنِّي مهما أردتُّم، فقد أهمَّني ما لحقني من توبيخه، وفتَّ في عضُدي".
فلمَّا خرجوا من عنده اتَّفقوا على كتمان ما جرى عن السُّلطان، وأن يقولوا له ما مضمونه العبوديَّة والتَّنصُّل، ومضوا إلى منازلهم، وكان اللَّيل قد انتصف، ومضى يلبُرَد إلى السُّلطان فأعلمه ما جرى، وبكَّر الجماعة إلى السُّلطان وهو ينتظرهم، فقالوا له من الاعتذار والعبوديَّة ما كانوا اتَّفقوا عليه، فقال لهم السُّلطان: "إنَّه لم يقل هذا، وإنَّما قال كَيت، وكَيت، فأشاروا حينئذ بكتمان ذلك رعاية لحقِّ نظام الملك، وسابقته، فوقع التَّدبير عليه، حتَّى تمَّ عليه من القتل ما تمَّ" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (8/354).
من واقع دوائر الحكم والسِّياسة إنَّ هذا الموقف يبيِّن ما يقع في دوائر الحكم والسِّياسة من الوشاية والسِّعاية بالباطل من أجل إسقاط أحد أفراد المنظومة المبرَّزين، ويظهر ذلك من خلال الشِّكاية التي رفعها قودن للسُّلطان، وما وقع من الأمراء الذين أرسلهم السُّلطان بالرِّسالة إلى نظام الملك؛ فقد كتموا الأمر على السُّلطان بغرض الإفساد وتوسيع الفجوة بينهما بكتم مضمون كلام نظام الملك، وهذا يُبيِّن أهمِّيَّة إرادة الإصلاح من قِبل الحكَم الذي يتوسَّط بين المتنازعَين أو المختلفَين؛ ولهذا قال الله تعالى: {وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا} [النساء: 35] ولكنَّ هؤلاء لم يكونوا راغبين في الصُّلح، بل أرادوا الإفساد بكتم مضمون رسالة نظام الملك، بقصد إشعال الخصومة بينه وبين السُّلطان، ثمَّ لـمَّا ظهر أمرهم بنقل الأمير يلبَرُد حقيقة ما قاله نظام الملك للسُّلطان قاموا بالتَّخطيط والتَّدبير للتَّخلُّص من نظام الملك بما جرى.
مثالب تولية حُدثاء الأسنان ومن أهمِّ الدُّروس التي ينبغي إدراكها من هذا الموقف أنَّ تولية حديثي الأسنان لمهامِّ الدَّولة والحكم لا يُناسب في جميع الأحوال؛ فقد يكون ضعيف الإدارة غير متمكِّن من السِّياسة والقيادة فينتج عن تولِّيه من المفاسد ما لا يُقارن بالمنافع؛ لأنَّ طبيعة هذه المرحلة العمريَّة التَّهوُّر والاندفاع والحماسة دون دراسة عواقب الأمور، أو النَّظر في المآلات وما يترتَّب على القرارات من أحداث ومواقف، وتوسُّط عمُر القائد مع الخبرة والممارسة والتَّجارب يُصقله في الإدارة والقيادة وسياسة الأمور؛ من هُنا كانت الحكمة البالغة في حُسن إعداد القادة الشَّباب بنقل التَّجارب والخبرات إليهم بالدَّراسة والعمل تحت إشراف الكبار؛ بهدف الاطمئنان إلى ثباتهم وقدرتهم على معالجة المواقف والمستجدَّات بطريقة صحيحة سليمة من الأخطاء المتولِّدة عن التَّسرُّع والتَّهوُّر.
الشَّباب بين التَّهوُّر والكياسة هذا، وليس ما ذكرته من التَّهوُّر حاصلًا لجميع حُدثاء الأسنان، بل قد يجود الزَّمان بشابٍّ فتيٍّ حديث الأسنان لكنَّه يتمتَّع بذكاء وعبقريَّة، وحُسن سياسة في إدارة الأمور ومعالجة المواقف؛ فهذا أولى من غيره بالحكم والرِّياسة؛ لقوَّته التي تُعينه على حسن القيام بالمسئوليَّة؛ وقد ولَّى النَّبيُّ ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قيادة الجيش وفي الأمَّة أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌّ والبدريُّون ومشيخة الفتح رضي الله عنهم ، وفيه أنَّ الموقع والمسئوليَّة حين يتناسبان مع قُدرات المرء وإمكانيَّاته فلا مانع من تقديمه وإن كان حدث الأسنان، بخلاف غير القادر فلا يُقبل توليته لمسئوليَّة لا يُحسنها وإن كان كبير السِّنِّ؛ فالعبرة بالكفاءة والأهليَّة؛ وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «فإذا ضُيِّعت الأمانةُ فانتظِر السَّاعةَ» قال: "كيفَ إضاعتُها؟" قال : «إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتظِر السَّاعةَ» صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (العلم) باب: (من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه) برقم: (59) وكتاب: (الرِّقاق) باب: (رفع الأمانة) برقم: (6496).
([8]) يقول ابن الأثير رحمه الله: "وفي سنة خمس وثمانين وأربعمئة في عاشر رمضان: قُتل نظام الملك أبو عليِّ الحسن بن عليِّ بن إسحاق الوزير بالقرب من نهاوند، وكان هو والسُّلطان في أصبهان، وقد عاد إلى بغداد، فلمَّا كان بهذا المكان، بعد أن فرغ من إفطاره، وخرج في مَحفَّته إلى خيمة حرَمه، أتاه صبيٌّ ديلميٌّ من الباطنيَّة، في صورة مُستميح أو مُستغيث فضربه بسكين كانت معه فقضى عليه وهرب، فعثَر بطُنُب خيمة فأدركوه فقتلوه، وركب السُّلطان إلى خِيَمه، فسكن عسكره، وأصحابه" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (8/354).
الخيانة في أخسِّ صورها وهذا موقف غدر وقع بسببه مقتل نظام الملك على يد هذا الشِّيعيِّ الباطنيِّ، وهي حيلة وخديعة ما كانوا يقدرون على قتله بدونها؛ فلم يكن أحد منهم يتجاسر على مواجهته أو التَّعرُّض له، ومن أجل ذلك اعتمدوا على الحيلة والمكر والخديعة، وبهذه الطَّريقة يُقتل العظماء؛ فإنَّ العدوَّ حين يستعظم قتل قاد عظيم مقاتل لا يقدرون عليه يُدبِّرون المكائد، ويفتعلون الأزمات، ويُخطَّطون لقتله غِيلة، وعلى هذا المنهج سار الخونة في كلِّ زمان ومكان، ومن ذلك في العصر الحديث ما يقوم به جهاز مخابرات العدوِّ الصُّهيونيِّ الموساد من تنفيذ عمليَّات الاغتيال والقنص في حقِّ قادة المقاومة الفلسطينيَّة الباسلة؛ لعجزهم عن إدراك ذلك بالمواجهة والمقابلة، وهذا مسلك الضَّعيف العاجز عن التَّخلُّص من عدوِّه بالمواجهة.
(9) وممَّا يُحمد أيضًا لنظام الملك أنَّه حارب الشِّيعة الإسماعيليَّة والباطنيَّة في المملكة؛ حيث كان يعدُّهم خصومًا للملكة ومن ألدِّ أعدائها الذين لا سبيل لمهادنتهم، ووصفهم بالضَّالِّين الغواة، وجعلهم في صفوف المجوس واليهود؛ فمنعهم من الكلام، وحظر عليهم ما كان متاحًا لغيرهم، وعلى النَّقيض من ذلك قدَّر علماء الشَّافعيَّة، ورفع راية أهل السُّنة في أرجاء المملكة، وهذا مسلك آخر قام به نظام الملك ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في نظام الإصلاح والتَّأهيل؛ فلابدَّ من إصلاح عقيدة المجتمع؛ فبالعقيدة يُقاتل النَّاس من أجل استرداد المقدَّسات، وعلى العقيدة مدار صلاح النَّفس والمجتمع، وقد ربَّى النَّبيُّ ﷺ أصحابه رضي الله عنهم على معاني الإيمان والعقيدة الإسلاميَّة، ولا يمكن التَّنازل عن شبر من العقيدة؛ لأنَّ بفسادها يفسد ما بُني عليها، ولـمَّا كانت عقيدة الشِّيعة مكدَّرة غير صافية، وفاسدة غير صالحة، حاربها المصلحون في كلِّ زمان ومكان؛ لأنَّها لا تقبل التَّعديل والإصلاح، فكيف نقرُّ من يسبُّ الصَّحابة رضي الله عنهم ويُكفِّرهم، ويطعن في أمَّهات المؤمنين ويتَّهمهنَّ بما نزل القرآن بتكذيبه، ويُحرِّف القرآن الكريم ويبدِّل آياته، فهم بذلك لا يمكن أن يكونوا لبنة بناء في صفوف هذه الأمَّة، بل هم معول هدم وفساد، وتاريخهم مظلم بجرائمهم في حقِّ أهل السُّنَّة، وتعاونهم مع المجرمين وأعداء الأمَّة عبر التَّاريخ.