الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

جهود نظام الملك الطُّوسيِّ في إعداد جيل النَّصر

لقد بدأت الخطَّة الإصلاحيَّة من عند نظام الملك [1]= قوام الدِّين أبي عليٍّ الحسن بن عليِّ بن إسحاق بن العبَّاس الطُّوسيِّ [2]، وكان من أشهر وزراء الدَّولة السَّلجوقيَّة، تولَّى الوزارة لألب أرسلان، وشاركه في معركة ملازكرد التي سَحقت فيها جيوش السَّلاجقة جيوش البيزنطيِّين، وأوصى ألب رسلان قبل وفاته ابنه جلال الدَّولة ملكشاه باتِّخاذ نظام الملك الطُّوسيِّ وزيرًا [3]، وكان يجلُّه غاية الإجلال، ويجعله في منزلة الوالد، وأطلق يده في الدَّولة بكلِّ ثقة لما عُهد عنه من الحكمة والكياسة وحسن السِّياسة وإدارة الأمور؛ فقويت الدَّولة وازدهرت بين الدُّول المجاورة، وقد عمل نظام الملك على تقريب الصَّالحين الأكفاء، والاهتمام بالعلماء، وسعى لتنشيط الحركة العلميَّة التي تُبنى من خلالها الأمَّة معرفيًّا، فأنشأ المدارس النِّظاميَّة [4]، وخصَّص لها موازنة ضخمة من ماليَّات الدَّولة؛ لأنَّه أدرك أنَّ قوَّة الأمَّة العلميَّة المعرفيَّة والإيمانيَّة التَّعبُّديَّة أبقى وأنفع من قوَّتها العسكريَّة التي تُنفق عليها الأموال الطَّائلة وفي النَّهاية لا تجلب نصرًا ولا تُحقِّق مكاسبًا؛ لأنَّ النَّصر بيد الله تعالى، ورعاية جند اللَّيل أسرع في تحصيله من الاكتفاء بجند النَّهار، وقد سعى بعض خصوم نظام الملك بالوشاية إلى السُّلطان بإنَّه يُنفق كلَّ سنة على الفقهاء والقرَّاء ثلاثمئة ألف دينار، ولو صُرِف هذا المال على جيش لرفع رايته على أسوار القسطنطينيَّة فاستجوبه السُّلطان ليتأكَّد من صحَّة ذلك، فردَّ عليه بأنَّ الدَّولة تُنفق على الجيوش المحارِبة أضعاف هذا المال مع أنَّ أقواهم لا تبلغ رميته ميلًا، ولا يضرب سيفُه إلَّا ما قرُب منه، وأنه أقام له بهذا المال جيشًا يُسمَّى جيش اللَّيل، قام بالدُّعاء إذا نامت الجيوش، فمدُّوا إلى الله أكفَّهم، وأرسلوا دموعهم، فتصل من دعائهم سهامٌ على العرش، لا يحجبها شيء عن الله، فالسُّلطان والجيوش والرَّعيَّة في خِفارتهم يعيشون، وبدعائهم يثبتون، وببركاتهم يُرزقون، فلمَّا سمع السُّلطان كلامه بكى وأقرَّه وأوصاه أن يستكثر من هذا الجيش.

جهود نظام الملك في إصلاح التَّعليم والعقيدة

كان نظام الملك رجلًا سنِّيًّا وشافعيًّا يهتمُّ بنشر مذهب السُّنَّة في مقابل تمدُّد المذهب الشِّيعيِّ الذي بذل جهده في محاربته، فأنشأ المدارس النِّظاميَّة سنة: (1069م) [5] والتي اهتمَّت بنشر المذهب السُّنِّيِّ عقيدةً والشَّافعيِّ فقهًا، وكان يُباشر التَّأليف وله مؤلَّف في السِّياسة [6]، وأنشئت أوَّل مدرسة نظاميَّة في بغداد، وكُلِّف الفقيه أبو إسحاق الشِّيرازيُّ إمام الشَّافعيَّة بالتَّدريس بها، وأنفق على تلك المدارس أموالًا كثيرة بهدف توفير الرَّاحة للمعلِّمين وطلَّاب العلم؛ لإعانتهم على الإنتاج العلميِّ والمعرفيِّ والتَّعبُّديِّ، وألحق بالمدرسة سكنًا لإقامة الطُّلَّاب، وأعطى كلَّ واحد منهم أربعة أرطال من الخبز كلَّ يوم لإعالته، وبنى في كلِّ مدرسة مكتبةً ضخمةً تُشبِع اهتمامات الطُّلَّاب، وكان يزور المدارس بنفسه بطريقة دوريَّة لمتابعة سير العمل، وكانت المدارس تعمل بنظام وظيفيٍّ تسلسليٍّ يشتمل على ثلاثة وظائف: (المدرس، والنَّائب، والمعيد) والأخير طالب نبيهٌ يُعيد الدَّرس للطُّلَّاب بغرض الإفهام والمناقشة، ويمكن للطَّالب الدَّارس أن يطلب الإجازة التي تفيد دراسته في المدرسة بهدف التَّوظيف في القضاء والإفتاء والتَّدريس.

أعداء نظام الملك ودورهم في مقتله

وبقي نظام الملك يبذل جهوده في خدمة الدَّولة السَّلجوقيَّة حتَّى أوقع خصومه بينه وبين السُّلطان في موقف وقع لنظام الملك بسبب حفيده عُثمان بن جمال الملك بن نظام الملك [7]، وهو من أعظم ما أدَّى به إلى القتل بعد ذلك على يد أحد من فرقة الإسماعيليَّة الشِّيعيَّة الباطنيَّة بسبب محاربة نظام الملك للشِّيعة واهتمامه بنشر المذهب السُّنِّيِّ فقتله الإسماعيليُّ [8] انتقامًا منه [9] وكان ذلك في أصبهان سنة: (1092م=485ه)، وبعد وفاته قام ولده فخر الدِّين بن نظام الملك بمنهجه فقاتلوه سنة: (500ه).

جهود نظام الملك في إعداد جيل الفتح

ويُعدُّ نظام الملك الطُّوسيُّ من المؤسِّسين لجيل الفتح الأيوبيِّ لأنَّه أشار على السُّلطان جلال الدَّولة ملكشاه بن ألب أرسلان بتولية قسيم الدَّولة - وهو لقب لقبه به السُّلطان جلال الدَّولة ملكشاه من شدَّة إخلاصه وولائه أنَّه يُقاسِمه شئون الدَّولة - آق - ومعناه الأبيض - سُنقُر الحاجب التُّركمانيُّ على مدينة حلب وحماة ومنبج واللَّاذقيَّة؛ نظرًا لجهوده في الجهاد وحسن إدارته لحكم البلاد التي حكمها، وكان معروفًا بصلاحه وعدله وحسن سيرته، وقضى على الفساد والاضطرابات التي كانت تموج بها بلاد الشَّام عامَّة وخاصَّة حلب؛ حيث كان يتنازع القادة والأمراء للسَّيطرة عليها، فكانت منطقة صراع ممَّا أثَّر عليها من جميع النَّواحي؛ لعدم فراغ الأمراء من الصِّراع على السُّلطة فيها؛ فتدهورت اقتصاديًّا بغلاء الأسعار وفرض الضَّرائب، وأمنيًّا بانتشار اللُّصوص وانعدام الأمن فيها، وتعطَّلت حركة البيع والشِّراء والتِّجارة، فولَّى السُّلطان جلال الدَّولة ملكشاه آقسَنقَر الحاجب عليها عام: (1087م=479ه) لثقة في قدرته على استعادة الأمن والأمان وضبط إمارة حلب.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله