الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

جهود نور الدِّين محمود في إعداد جيل النَّصر

ومن بعد عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله جاء ولده الملك العادل نور الدِّين محمود [1] بن عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله ولد سنة: (511ه) تعهَّده والده بالرِّعاية والتَّربية والتَّدريب على الفروسيَّة، وكان يرى فيه النَّجابة والقوَّة، كان برفقة والده حين قُتل سنة: (541ه) أخذ خاتم والده وصحب الجند إلى حلب وما يتبعها [2]، وكان عمره حينئذ ثلاثين سنة.

بعد موت عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله خضعت الرُّها للابن الأكبر له سيف الدِّين غازي، إضافة إلى الجزيرة وحمص والموصل التي خلف فيها أباه، ولقلَّة الحامية فيها حاول جوسلين الثَّاني استردادها مستغلًّا تمرُّد الأرمن، فساق جيشه واتَّجه إلى الرُّها ودخلها سنة: (541ه) دون اقتحام القلعة المحصَّنة مع قلَّة الجنود، فطلب جوسلين مددًا من أنطاكية وطرابلس، وطلب المسلمون مددًا من حلب [3]؛ فخرج نور الدِّين محمود رحمه الله وحاصر جيش جوسلين فهرب، فلحقه ودارت معركة في سميساط انتصر فيها جيش نور الدِّين محمود، وتمَّ إقراره على الرُّها [4].

سعى نور الدِّين محمود رحمه الله إلى السَّيطرة على دمشق لاسيَّما بعد أن سيطر الصَّليبيُّون على عسقلان سنة: (548ه) بعد أن كانت بيد الفاطميِّين [5]، فكلَّف الملك الأفضل نجم الدِّين أيوب= حاكم بعلبك بالعمل على اكتساب بعض قادة دمشق، ومعاونته على بثِّ الشَّائعات وتحريض النَّاس على الثَّورة على الصَّليبيِّين، وآتت الفكرة ثمارها ودخل دمشق سنة: (549ه)، ثمَّ بعدها ضمَّ شيزر بعد زلزال أهلك آل منقذ جميعًا في وقت واحد [6]، وبعدها ضمَّ بعلبك سنة: (552ه) وفي هذه الأثناء تمرَّد أخوه نصرة الدِّين زنكي والذي ولَّاه على حرَّان، فطمع في توسعة نفوذه وأراد السَّيطرة على حلب مستغلًّا مرض نور الدِّين محمود لكنَّه لم يُفلح [7]، وحاصر الملك العادل حرَّان حتى أخضعها لحكمه المباشر سنة: (554ه)، ثمَّ استلم قلعة جعبر سنة: (564ه)، والتي كانت بيد شهاب الدِّين العقيليِّ بعد أن أغراه بمنطقة أخرى، ثمَّ أعقبه ضمُّ الموصل سنة: (566ه) بعد أن سيطر عليها فخر الدِّين عبد المسيح [8] بعد موت قطب الدِّين زنكيِّ.

حرص نور الدِّين على تطهير الشَّام من دنس الصَّليبيِّين، واتَّخذ لنفسه هدفًا نبيلًا وهو تحرير بيت المقدس من أسرهم، ومن طموحه العالية أمر بصنع منبر في حلب ليُحمل إلى الأقصى عند استلامه [9]؛ وتحقيقًا لهذا الهدف سعى للمواجهة المباشرة مع الصَّليبيِّين [10]، فواجههم بقوَّة حين أرادوا استرداد الرُّها، ثمَّ واجههم بجيشه وبمشاركة جيش دمشق في بُصرى لإعانة أمير دمشق معين الدِّين أنر على القضاء على التَّمرُّد الذي وقع من والي بُصرى واستعانته بالصَّليبيِّين لتحقيق أطماعه الانفصاليَّة ثمَّ التَّوسُّعيَّة، فسقط المتمرِّدون، وتراجعت الجيوش الصَّليبيَّة إلى القدس، ثمَّ كانت له مدينة حماة من مُعين الدِّين أُنر نظير عونه، وبعدها توسَّع في بلاد الشَّام فسيطر على كثير من إمارة أنطاكية سنة: (542ه)، وهو العام الذي اتَّجهت فيه الحملة الصَّليبيَّة الثَّانية إلى المشرق بأمر بابويٍّ من البابا إيجين الثَّالث؛ لإيقاف زحف المسلمين بعد أن سيطروا على الرُّها؛ خشية الوصول إلى القدس، وكان عددها نحو: (70) ألفًا، وحصلت مناوشات بينها وبين سلاجقة الرُّوم، فاتَّجهوا إلى القدس واجتمعوا فيها، ثمَّ اتَّجهت لمحاصرة دمشق سنة: (543ه) وواجهت صدودًا عنيفًا من الدِّمشقيِّين، وأرسل معين الدِّين أنر يستنجد بالزِّنكيَّين غازي ومحمود، ولكنَّه خشي من طموحهما في دمشق فأرسل إلى الصَّليبيِّين يُهدِّدهم بتسليم دمشق للزِّنكيَّين ويخرج منها الصَّليبيُّون بلا حليف، وعرض عليهم أن يفكُّوا الحصار مقابل تسليمهم قلعة بانياس، فوافق الصَّليبيُّون، وسرعان ما فشلت حملتهم وتراجعت [11]، ثمَّ التحم جيش نور الدِّين محمود بجيش ريموند الثَّاني حاكم أنطاكية في معركة أنب سنة: (544ه) وسُحِق جيش الصَّليبيِّين فيها [12]، وقُتل قائدهم بسيف أسد الدِّين شيركوه، وبعدها توسَّع نور الدِّين محمود في فتح معظم القُرى والمدن والحصون حتَّى  قضى على المراكز الصليبيَّة الأماميَّة الواقعة بين حلب وأنطاكية.

أرسل نور الدِّين محمود رحمه الله أسد الدِّين شيركوه لمساعدة الوزير الفاطميِّ شاور بن مجير السَّعديِّ [13] فقام عموري الأوَّل ملك مملكة بيت المقدس بتوجيه جيوشه لمواجهته، فحاول نور الدِّين إشغالهم عن حملة شيركوه بضرب حصار على مدينة حارم سنة: (559ه) بعد أن جمَّع جيشًا كبيرًا، فواجهه الصَّليبيُّون بقوَّات كبيرة من تحالفات متعدِّدة؛ حينها فكَّ الحصار عن حارم، وتوجَّه إلى قرية أرتاح لتكون المعركة سهليَّة، وكانت خديعة منه؛ حيث ظنُّوا أنَّه يفرُّ فتبعه جزء من الجيش فأقبل عليه جيش نور الدِّين وسحقه، ثمَّ أقبل على بقيَّة الجيوش فهزمهم وسيطر على حارم [14]، ولانت له بذلك غالب أرض الشَّام، واتَّخذ من دمشق عاصمة لحكمه، واتَّحدت أرض الشَّام تحت رايته؛ ففكَّر الصَّليبيُّون في الاتجاه إلى مصر للسَّيطرة عليها واستلابها من أيدي الفاطميِّين الذين ضعفت دولتهم،  فاستولوا على عسقلان، وقام عموري الأوَّل ملك بيت المقدس بغزو مصر  سنة: (558ه) لعدم التزام الفاطميِّين بدفع الجزية له، غير أنَّ حملته فشلت وأُجبر على الانسحاب، وسارع نور الدِّين إلى تشتيت من بقي من الصَّليبيِّين في الشَّام لئلَّا يتحرَّكوا ناحية مصر فقد أرادها للمسلمين [15]، وبالتَّزامن مع تشتيت الصَّليبيِّين أرسل حملات متتالية إلى مصر بقيادة أسد الدِّين شيركوه وبصحبته القائد صلاح الدِّين الأيوبيِّ - بطل الفتح وقائد المعركة الفاصلة - بدءًا من سنة: (559ه) - وتعرف بالحملات النُّوريَّة - وحتى ظفر بها سنة: (564ه) بعد محاولات ومناوشات ومعارك بينه وبين الوزير شاور من ناحية وعمري الأوَّل الذي استعان به شاور من ناحية أخرى، وتولَّى حكم مصر أسد الدِّين شيركوه ثمَّ عاجلته المنيَّة فمات، فولَّى نورُ الدِّين محمود القائدَ صلاح الدِّين الأيوبيَّ [16]، وكان يراه الملك عموري الأوَّل غير مناسب للموقع لأنَّه غير محنَّك، ولأجل ذلك طلب الإمداد من البابا الكسندر الثَّالث فلم يستجب ملوك أوروبا، بينما استجاب الإمبراطور عمانوئيل كومنينوس.

وفي سنة: (569ه=1174م) توفِّي الأسد الهصور الملك العادل نور الدِّين محمود زنكيِّ رحمه الله بالذَّبحة الصَّدريَّة وبقي على فراش المرض أحد عشر يومًا، وهو في التَّاسعة والخمسين من عمُره، ودُفن في البيت الذي كان مُلازمًا فيه في قلعة دمشق، ثم نقل جثمانه إلى المدرسة النُّوريَّة الواقعة في سوق الخوَّاصين بدمشق [17].

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله