حرص نور الدِّين على تطهير الشَّام من دنس الصَّليبيِّين، واتَّخذ لنفسه هدفًا نبيلًا وهو تحرير بيت المقدس من أسرهم، ومن طموحه العالية أمر بصنع منبر في حلب ليُحمل إلى الأقصى عند استلامه [9] ؛ وتحقيقًا لهذا الهدف سعى للمواجهة المباشرة مع الصَّليبيِّين [10] ، فواجههم بقوَّة حين أرادوا استرداد الرُّها، ثمَّ واجههم بجيشه وبمشاركة جيش دمشق في بُصرى لإعانة أمير دمشق معين الدِّين أنر على القضاء على التَّمرُّد الذي وقع من والي بُصرى واستعانته بالصَّليبيِّين لتحقيق أطماعه الانفصاليَّة ثمَّ التَّوسُّعيَّة، فسقط المتمرِّدون، وتراجعت الجيوش الصَّليبيَّة إلى القدس، ثمَّ كانت له مدينة حماة من مُعين الدِّين أُنر نظير عونه، وبعدها توسَّع في بلاد الشَّام فسيطر على كثير من إمارة أنطاكية سنة: (542ه)، وهو العام الذي اتَّجهت فيه الحملة الصَّليبيَّة الثَّانية إلى المشرق بأمر بابويٍّ من البابا إيجين الثَّالث؛ لإيقاف زحف المسلمين بعد أن سيطروا على الرُّها؛ خشية الوصول إلى القدس، وكان عددها نحو: (70) ألفًا، وحصلت مناوشات بينها وبين سلاجقة الرُّوم، فاتَّجهوا إلى القدس واجتمعوا فيها، ثمَّ اتَّجهت لمحاصرة دمشق سنة: (543ه) وواجهت صدودًا عنيفًا من الدِّمشقيِّين، وأرسل معين الدِّين أنر يستنجد بالزِّنكيَّين غازي ومحمود، ولكنَّه خشي من طموحهما في دمشق فأرسل إلى الصَّليبيِّين يُهدِّدهم بتسليم دمشق للزِّنكيَّين ويخرج منها الصَّليبيُّون بلا حليف، وعرض عليهم أن يفكُّوا الحصار مقابل تسليمهم قلعة بانياس، فوافق الصَّليبيُّون، وسرعان ما فشلت حملتهم وتراجعت [11] ، ثمَّ التحم جيش نور الدِّين محمود بجيش ريموند الثَّاني حاكم أنطاكية في معركة أنب سنة: (544ه) وسُحِق جيش الصَّليبيِّين فيها [12] ، وقُتل قائدهم بسيف أسد الدِّين شيركوه، وبعدها توسَّع نور الدِّين محمود في فتح معظم القُرى والمدن والحصون حتَّى قضى على المراكز الصليبيَّة الأماميَّة الواقعة بين حلب وأنطاكية.
(1) لقد أبهر الملك العادل نور الدِّين محمود من عاصره أو قرأ في سيرته؛ حيث كان مثالًا للعدل والإنصاف، وخدمة الدِّين، والجهاد وفتح الأمصار، ونشر السُّنَّة، ومحاربة البدعة والتَّشيُّع، يُقرِّب العلماء، ويطيل العبادة، ويُكثر من الصَّلاة وقراءة القرآن، ولم يكن جبَّارًا ولا ظالـمًا، قال ابن كثير : "وقد كان حسن الخطِّ كثير المطالعة للكتب الدِّينيَّة، مُتَّبعًا للآثار النَّبويَّة، محافظًا على الصَّلوات في الجماعات، كثير التِّلاوة، محبًّا لفعل الخيرات، عفيف البطن والفرج، مقتصدًا في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس، حتَّى قيل: إنَّه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلا نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدُّنيا، ولم يُسمع منه كلمة فحش قطُّ في غضب ولا رضا، صموتًا وقورًا" فأين المسلمون اليوم من هذه الصِّفات الجليلة؟!.
ومن جميل ما ورد في توصيفه ما ذكره عماد الدِّين الكاتب الأصبهانيُّ قال: "كان ملك بلاد الشَّام ومالكها، والذي بيده ممالكها= الملك العادل نور الدِّين، أعفُّ الملوك، وأتقاهم، وأثقبهم رأيًا، وأنقاهم، وأعدلهم، وأعبدهم، وأزهدهم، وأجهدهم، وأظهرهم، وأطهرهم، وأقواهم، وأقدرهم، وأصلحهم عملًا، وأنجحهم أملًا، وأرجحهم رأيًا، وأوضحهم آيًا، وأصدقهم قولًا، وأقصدهم طولًا، وكان عصره فاضلًا، ونصره واصلًا، وحكمه عادلًا، وفضله شاملًا، وزمانه طيِّبًا، وإحسانه صيِّبًا، والقلوب بمهابته ومحبَّته ممتلية، والنُّفوس بعاطفته وعارفته متملِّية، وأموره مُقتبَّلة، وأوامره ممتثلة، وجدُّه منزَّه عن الهزل، ونوَّابه في أمن من العزل، ودولته مأمولة مأمونة، وروضته مصوبة مصونة، والرِّياسة كاملة، والسِّياسة شاملة، والزِّيادة زائدة، والسَّعادة مساعدة، والعِيشة ناضرة، والشِّيعة ناصرة، والإنصاف صافٍ، والإسعاف عافٍ، وأزر الدِّين قويٌّ، وظمأ الإسلام رويٌّ، وزند النَّجح وريٌّ، والشَّرع مشروع، والحكم مسموع، والعدل مولَّى، والظُّلم معزول، والتوحيد منصور، والشِّرك مخذول، وللتُّقى شروق، وما للفسوق سوق، وهو الذي أعاد رونق الإسلام إلى بلاد الشَّام وقد غلب الكفر وبلغ الضُّرُّ، فاستفتح معاقلها، واستخلص عقائلها، وأشاع بها شعار الشَّرع في جميع الحلَّ والعقد، والإبرام والنَّقض، والبسط والقبض، والوضع والرَّفع، وكانت للفرنج في أيَّام غيره على بلاد الإسلام بالشَّام قطائع فقطعها، وعفى رسومها ومنعها، ونصره الله عليهم مرارًا حتَّى أسر ملوكهم، وبدَّد سلوكهم، وصان الثُّغور منهم، وحماها عنهم، وأحيا معالم الدِّين الدَّوارس، وبنى للأئمَّة المدارس، وأنشأ الخانقاهات للصُّوفيَّة، وكثَّرها في كلِّ بلد وكثَّر وقوفها، وقرَّر معروفها، وأدنى للوافدين من جنان جَنابه قطوفها، وأجدَّ الأسوار والخنادق، وأنمى المرافق، وحمى الحقائق، وأمر في الطُّرقات ببناء الرَّبط والخانات، وضافت ضيوف الفضائل، وفاضت فيوض الفاضل، وهو الذي فتح مصر وأعمالها، وأنشأ دولتها ورجالها" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة المقدسيِّ، (1/ 50).
وقد كان شجاعًا يضرب في سبيل الله ولا يُبالي، ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان لا يخشى أحدًا إلَّا الله تعالى؛ قال ابن الأثير رحمه الله : "وكان في الحرب يأخذ قوسين وتركشين ليُقاتل بها، فقال له القطب النَّشاويُّ الفقيه: "بالله عليك لا تخاطر بنفسك وبالإسلام والمسلمين؛ فإن أُصبت في معركة لا يبقى من المسلمين أحد إلَّا أخذه السَّيف" فقال له نور الدِّين: "ومَن محمود حتَّى يُقال له هذا؟ مَن قبلي مَن حفظ البلاد والإسلام؟ ذلك الله الذي لا إله إلَّا هو" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/ 395).
وكان متواضعًا لا يرى نفسه ولا يُعجب بعمله، بل كان يهضم نفسه وينسب الفضل كلَّه لله تعالى، ولا يُحبُّ أن يُمدح بشيء؛ ومن جميل ما ذكره أبو شامة رحمه الله في هذا المعنى قوله: "وبلغني أنَّ إمامًا لنور الدِّين رأى ليلة رحيل الفرنج عن دمياط في منامه النَّبيَّ ﷺ وقال: "له أعلِم نور الدِّين أنَّ الفرنج رحلوا عن دمياط في هذه اللَّيلة" فقال يا رسول الله، ربَّما لا يُصدِّقني فاذكر لي علامة يعرفها، فقال ﷺ : "قل له بعلامة ما سجدتَّ على تلِّ حارم وقلت: يا ربِّ انصر دينك ولا تنصر محمودًا، مَن هو محمود الكلب حتَّى يُنصر" قال: فانتبهت ونزلت إلى المسجد، وكان من عادة نور الدِّين أنَّه ينزل إليه بغَلس ولايزال يتركَّع فيه حتَّى يُصلِّي الصُّبح، قال: فتعرَّضت له فسألني عن أمري، فأخبرته بالمنام وذكرت له العلامة إلَّا أنَّني لم أذكر لفظة الكلب، فقال نور الدِّين رحمه الله تعالى: "اذكر العلامة كلَّها وألحَّ عليَّ في ذلك فقلتُها، فبكى رحمه الله وصدَّق الرُّؤيا، وأُرِّخت تلك اللَّيلة فجاء الخبر برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك اللَّيلة" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين، لأبي شامة، (2/ 143).
وجماع هذه الصَّفات التي اتَّصف بها الملك العادل نور الدِّين محمود تعود إلى الصَّلاح الذَّاتيِّ والإصلاح الخارجيِّ؛ فقد كان مثالًا في نفسه وفي حكمه؛ فلم يُهمل نفسه، بل كان حريصًا على الارتقاء بها، فكان يحضر مجالس الحديث، ويستمع إلى الموعظة، " وكان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ليس عنده فيه تعصُّب، وسمع الحديث، وأسمعه طلبًا للأجر... وكان يُكرِّم العلماء وأهل الدِّين ويعظِّمهم، ويُعطيهم، ويقوم إليهم، ويجلسهم معه، وينبسط معهم، ولا يردُّ لهم قولًا، ويكاتبهم بخطِّ يده، وكان وقورًا مهيبًا مع تواضعه، وبالجملة فحسناته كثيرة ومناقبه غزيرة" - الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/ 395) - ويحكم بين النَّاس بالعدل والشَّريعة، ويختار ولاته وقضاته الذين يتولَّون ذلك في مملكته، مع توفير بيئة صالحة للعيش الإيمانيِّ والبدنيِّ؛ فعمَّ الرَّخاء، وانتشر الأمن والأمان، وقويُّ دين النَّاس، وضعف الانصراف عنه الإيمان, وهذا المنهج جعله فردًا في زمانه، وكان من أعظم القادة الممهِّدين لجيل النَّصر والتَّمكين؛ فقد تربَّى صلاح الدِّين في ظلِّ مملكته العادلة.
(2) قال أبو شامة رحمه الله: "وقال الحافظ أبو القاسم: "لـمَّا راهق نور الدِّين لزم خدمة والده إلى أن انتهت مدَّته على قلعة جَعبر، وسيَّر في صبيحة الأحد الملك ألب أرسلان بن السُّلطان محمود إلى الموصل مع جماعة من أكابر دولة أبيه، وقال لهم: "إن وصل أخي سيف الدِّين غازي إلى الموصل فهي له وأنتم في خدمته، وإن تأخَّر فأنا أقرِّر أمور الشَّام وأتوجَّه إليكم" ثمَّ قصد حلب ودخل قلعتها يوم الاثنين سابع ربيع الآخر ورتَّب النُّواب في القلعة والمدينة" أ.ه وقال ابن أبى طيٍّ الحلبيُّ: "لـمَّا اتَّصل قتل أتابك بأسد الدِّين شيركوه ركب من ساعته وقصد خيمة نور الدِّين وقال له: "اعلم أنَّ الوزير جمال الدِّين قد أخذ عسكر الموصل وعزم على تقديم أخيك سيف الدِّين وقصده إلى الموصل وقد انضوى إليه جلُّ العسكر، وقد أنفذ إليَّ جمال الدَّين وأرادني على اللِّحاق به فلم أعرج عليه، وقد رأيت أن أُصيِّرك إلى حلب وتجعلها كرسيَّ ملكك، وتجتمع في خدمتك عساكر الشَّام، وأنا أعلم أنَّ الأمر يصير جميعه إليك؛ لأنَّ ملك الشَّام يحصل بحلب، ومَن ملك حلب استظهر على بلاد الشَّرق، فركب وأمر أن يُنادى في اللَّيل في عساكر الشَّام بالاجتماع، فاجتمعوا وساروا في خدمة نور الدِّين إلى حلب، ودخلوها سابع ربيع الأوَّل، ولـمَّا دخلوا حلب جاء أسد الدِّين إلى تحت القلعة ونادى واليها وأصعد نور الدِّين إليها، وقرَّر أمره ومشَّى أحواله؛ فكان نور الدِّين يرى له ذلك، وأسد الدِّين يمت بأنَّه كان السَّبب في توليته" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة المقدسيِّ، (1/ 168).
(3) حصل موقف في هذا الحدث يُبيِّن جميل تربية الأتابك عماد الدِّين زنكيِّ لأولاده؛ ذكره أبو شامة رحمه الله فقال: "ولـمَّا فرغ سيف الدِّين من إصلاح أمر السَّلطنة وتحليفه وتقرير أمر البلاد عبَر إلى الشَّام لينظر في تلك النَّواحي ويُقرِّر القاعدة بينه وبين أخيه نور الدِّين وهو بحلب، وقد تأخَّر عن الحضور عند أخيه وخافه، فلم يزل يُراسله ويستميله فكلَّما طلب نور الدِّين شيئًا أجابه إليه استمالة لقلبه، واستقرَّت الحال بينهما على أن يجتمعا خارج العسكر السَّيفيِّ ومع كلِّ واحد منهما خمسمئة فارس، فلمَّا كان يوم الميعاد بينهما سار نور الدِّين من حلب في خمسمئة فارس، وسار سيف الدِّين من معسكره في خمسة فوارس، فلم يعرف نور الدِّين أخاه سيف الدِّين حتَّى قرُب منه، فحين رآه عرفه فترجَّل له، وقبَّل الأرض بين يديه، وأمر أصحابه بالعود عنه فعادوا، وقعد سيف الدِّين ونور الدِّين بعد أن اعتنقا وبكيا، فقال له سيف الدِّين: "لم امتنعت من المجيء إليَّ، أكنت تخافني على نفسك؟! والله ما خطر ببالي ما تُنكره، فلِمن أريد البلاد، ومع مَن أعيش، وبمن أعتضد إذا فعلت السُّوء مع أخي وأحبِّ النَّاس إليَّ؟! فاطمأنَّ نور الدِّين وسكن روعه وعاد إلى حلب فتجهَّز وعاد بعسكره إلى خدمة أخيه سيف الدِّين، فأمره سيف الدِّين بالعود وترك عسكره عنده وقال: "لا غرض لي في مقامك عندي" وإنَّما غرضي أن يعلم الملوك والفرنج اتِّفاقنا، فمن يريد السُّوء بنا يكفُّ عنه" فلم يرجع نور الدِّين، ولزمه إلى أن قضيا ما كانا عليه، وعاد كلٌّ واحد منهما إلى بلده" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة المقدسيِّ، (1/ 171).
(4) قال ابن الأثير رحمه الله: "كان جوسلين الفرنجيُّ الذي كان صاحب الرُّها في ولايته، وهي تلُّ باشر وما يجاورها، فراسل أهل الرُّها - وعامَّتهم من الأرمن - وحملهم على العصيان، والامتناع على المسلمين، وتسليم البلد، فأجابوه إلى ذلك، وواعدهم يومًا يصل إليهم فيه، وسار في عساكره إلى الرُّها، وملك البلد، وامتنعت القلعة عليه بمن فيها من المسلمين، فقاتلهم، فبلغ الخبر إلى نور الدِّين محمود بن زنكيِّ، وهو بحلب، فسار مجدًّا إليها في عسكره، فلمَّا قاربها خرج جوسلين هاربًا عائدًا إلى بلده، ودخل نور الدِّين المدينة، ونهبها حينئذ، وسبى أهلها، وفي هذه الدُّفعة نهبت وخلت من أهلها، ولم يبق بها منهم إلَّا القليل، وكثير من النَّاس يظنُّ أنَّها نهبت لـمَّا فتحها الشَّهيد، وليس كذلك، وبلغ الخبر إلى سيف الدِّين غازي بعصيان الرُّها، فسيَّر العساكر إليها، فسمعوا بملك نور الدِّين البلد واستباحته، وهم في الطَّريق، فعادوا" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/ 145).
(5) كان القضاء على التَّشيُّع من الخطوات المهمَّة والأركان الرَّئيسة في الخطَّة النُّوريَّة الإصلاحيَّة؛ فإنَّ الشِّيعة على مرِّ التَّاريخ لا ينصهرون في مجتمع السُّنَّة، بل يكيدون له ولو بالتَّعاون مع العدوِّ الكافر في سبيل إيقاف زحف السُّنَّة، وإلحاق الهزائم المتتالية بهم، فهم أشدُّ عداوة لهم من عداوة أهل الكفر، من هنا حرص قادة الفتح الأيُّوبيِّ على أمن عداوتهم بإخماد شوكتهم، والقضاء على التَّشيُّع، والتَّضييق عليهم؛ وهذا هو ما حصل في مراحل الفتح؛ قال أبو شامة رحمه الله : "وفي رجب من هذه السَّنة ورد الخبر من ناحية حلب بأنَّ صاحبها نور الدِّين بن أتابك أمر بابطال حيَّ على خير العمل في أواخر تأذين الغداة، والتَّظاهر بسبِّ الصَّحابة وأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، وساعده على ذلك جماعة من السُّنَّة بحلب، وعظم هذا الأمر على الإسماعيليَّة وأهل التَّشيُّع، وضاقت له صدورهم، وهاجوا له وماجوا، ثمَّ سكنوا وأحجموا للخوف من السَّطوة النُّوريَّة المشهورة، والهيبة المحذورة" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (1/ 201).
(6) قال أبو شامة رحمه الله: "قال ابن أبى طيٍّ: "وفي هذه السَّنة كانت الزَّلزلة التي هَدمت شيزر فخرج نور الدِّين وأخذها من بني مُنقذ وسلمها إلى مجد الدِّين ابن الدَّاية" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (1/ 348).
(7) قال أبو شامة رحمه الله: "وكان أخوه نصرة الدِّين قد حاصر قلعة حلب في مدَّة مرض نور الدِّين، فلمَّا أفاق نور الدِّين من مرضه سيَّره إلى حرَّان وجعل وليَّ عهده أخاه قطب الدِّين صاحب الموصل" - الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (1/ 348) - وقال في موضع آخر: "وورد في الحال = كتاب صاحب قلعة جعبر = يُخبر بقطع نصرة الدِّين الفرات مجدًّا إلى دمشق، فأنهض أسد الدِّين في العسكر المنصور لردِّه ومنعه من الوصول، فاتَّصل به خبر عوده إلى مقرِّه عند معرفته بعافية أخيه؛ فعاد أسد الدِّين إلى دمشق" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (1/ 383).
(8) قال ابن كثير رحمه الله: "فلهذا حصل بقدومه لأهل الموصل كلُّ مسرَّة، واندفعت عنهم المصائب، وأسقط عنهم المكوس والضَّرائب، وأخرج من بين أظهرهم الظَّالم الغاشم عبد المسيح، وسمَّاه عبد الله وأخذه معه إلى دمشق فأقطعه إقطاعًا حسنًا، فجزاه الله خيرًا، وقد كان عبد المسيح هذا نصرانيًّا فأظهر الإسلام، وكان يقال: إنَّ له كنيسة في جوف داره، وكان سيِّئ السِّيرة، في حقِّ العلماء وخاصَّة المسلمين... ولم يدخل نور الدِّين الموصل حتَّى قوي الشِّتاء، فأقام بها أربعة وعشرين يومًا، فلمَّا كان آخر ليلة أقام بها رأى رسول الله في المنام يقول له: "طابت لك بلدك وتركت الجهاد وقتال أعداء الله" فنهض من فوره إلى السَّفر وما أصبح إلَّا وهو سائر إلى الشَّام" البداية والنِّهاية، لابن كثير، (16/ 447).
(9) إنَّ قيام الملك العادل نور الدِّين محمود رحمه الله بالتَّخطيط للفتح المقدسيِّ لم يكن تخطيطًا عشوائيًّا، ولم يكن حرصه على استرداد بيت المقدس حلمًا ليليًّا، بل كان حقيقة أمام عينيه يسعى للوصول إليها قبل إدراك المنيَّة، ويبذل من أجلها ما يُعجِّل بتحقيقها بنفس سخيَّة، وهو بذلك متفرِّس صادق، وموفَّق رائق، ويُعدُّ منبره الذي أسَّسه لبيت المقدس حين يُفتح من أمارات ولايته، ودلائل صدقه ومحبَّته، وعلامات إلهامه وفراسته؛ يقول أبو شامة رحمه الله : "وقال العماد: "وكان الملك العادل نور الدِّين محمود بن زنكيِّ رحمه الله في عهده عرف بنور فراسته، فُتح البيت المقدَّس من بعده، فأمر في حلب باتِّخاذ منبر للقدس تعب النَّجارون والصُّنَّاع والمهندسون فيه سنين، وأبدعوا في تركيبه الإحكام والتَّزيين، وأنفق في إبداع محاسنه وإبداء مزاينه أُلوفًا، وكان لترديد النَّظر فيه على الأيَّام أَلوفًا، وبقي ذلك المنبر بجامع حلب منصوبًا، سيفًا في صوان الحفظ مقروبًا حتَّى أمر السُّلطان في هذا الوقت بالوفاء بالنَّذر النُّوريِّ، ونُقل المنبر إلى موضعه القدسيِّ ، فعُرفت بذلك كرامات نور الدِّين التي أشرق نورها بعده بسنين، وكان من المحسنين الذين قال الله فيهم: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} " قال أبو شامة رحمه الله مُعلِّقًا: "وهذا الذي نسبه إلى نور الدِّين من أنَّه كرامة من كراماته لائق بمحلَّه ومنزلته من الدِّين، وليس بالبعيد من مثل ذلك، وكان رحمه الله قد بدت له مخايل ذلك بما تسنَّى له من فتح البلاد الشَّاميَّة والمصريَّة، وقهر العدوِّ بين يديه مرارًا، وكان فتح القدس في همَّته من أوَّل ملكه، فإن لم يكن حصل له مباشرة فقد حصل له تسبُّبًا؛ فإنَّ الفاتحين له رحمهم الله بنوا على ما أسَّسه لهم من الملك والتَّدبير، وهم أمراؤه وأتباعه وأجناده وأشياعه" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة المقدسيِّ، (3/ 394).
(10) لقد كان نور الدِّين محمود خير خلف لخير سلف، فسار على نهج أبيه في إذاقة الرُّوم الصَّليبيِّين مرارة الهزائم المتلاحقة، واستولى على كثير من حصونهم، وكانوا بعد موت الأتابك زنكيِّ يطمعون في استرداد ما استولى عليه عماد الدِّين، فإذ بهم وقد انقطعت آمالهم بعد ما وقع من فتوحات متتالية خسروا فيها المزيد من القرى والحصون على يد الملك العادل نور الدِّين محمود؛ فلا يُنجب الأسد إلَّا أسدًا؛ فالولد ابن أبيه؛ قال ابن الأثير : "في هذه السَّنة دخل نور الدِّين محمود بن زنكيِّ صاحب حلب بلد الفرنج، ففتح منه مدينة أرتاح بالسَّيف ونهبها، وحصن مابولة، وبصرفون وكفرلاثا، وكان الفرنج بعد قتل والده زنكيِّ قد طمعوا وظنَّوا أنَّهم بعده يستردُّون ما أخذه، فلمَّا رأوا من نور الدِّين هذا الجدَّ في أوَّل أمره علموا أنَّ ما أمَّلوه بعيد" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/ 152).
(11) قال أبو شامة رحمه الله: "خرج ملك الألمان من بلاد الفرنج في جيوش كبيرة عظيمة لا تُحصى كثرة من الفرنج إلى بلاد الشَّام فاتَّفق هو ومن بساحل الشَّام من الفرنج، فاجتمعوا وقصدوا مدينة دمشق ونازلوها، ولا يشكُّ ملك الألمان إلَّا أنَّه يملكها وغيرها لكثرة جموعه وعساكره، وهذا النَّوع من الفرنج هو أكثرهم عددًا، وأوسعهم بلادًا، وملكهم أكثر عددًا وعِددًا، وإن كان غير ملكهم أشرف منه عندهم وأعظم محلًّا، فلمَّا حاصروا دمشق وبها صاحبها مُجير الدِّين آبق بن محمد بن بورى بن طغتكين، وليس له من الأمر شيء، وإنَّما كان الأمر إلى مملوك جدِّه طغتكين وهو مُعين الدِّين أُنر؛ فهو كان الحاكم والمدبِّر للبلد والعسكر، وكان عاقلًا ديِّنًا خيِّرًا حسن السِّيرة، فجمع العسكر وحفظ البلد، وحصرهم الفرنج وزحفوا إليهم سادس ربيع الأوَّل فخرج العسكر وأهل البلد لمنعهم، وقوي أمر الفرنج وتقدَّموا فنزلوا بالميدان الأخضر، وضعف أهل البلد عن ردِّهم عنه، وكان مُعين الدِّين قد أرسل إلى سيف الدِّين يستغيث به ويستنجده ويسأله القدوم عليه ويُعلمه شدَّة الأمر؛ فجمع سيف الدِّين عساكره وسار مجدًّا إلى مدينة حمص، وأرسل إلى مُعين الدِّين يقول له: "قد حضرت ومعي كلُّ مَن يطيق حمل السِّلاح من بلادي فإن أنا جئت إليك ولقينا الفرنج، وليست دمشق بيد نوَّابي وأصحابي، وكانت الهزيمة والعياذ بالله علينا، لا يسلم منَّا أحد؛ لبعد بلادنا عنَّا، وحينئذ يملك الفرنج دمشق وغيرها، فإن أردتُّم أن ألقاهم وأقاتلهم فتسلَّم البلد إلى مَن أثق إليه، وأنا أحلف لك إن كانت النُّصرة لنا على الفرنج أنَّني لا آخذ دمشق ولا أُقيم لها إلَّا مقدار ما يرحل العدوُّ عنها وأعود إلى بلادي" فماطله مُعين الدِّين لينظر ما يكون من الفِرنج، فأرسل سيف الدِّين إلى الفِرنج الغرباء يتهدَّدهم ويعلمهم أنَّه على قصدهم إن لم يرحلوا، وأرسل مُعين الدِّين إليهم أيضًا يقول لهم: "قد حضر ملك الشَّرق ومعه من العساكر ما لا طاقة لكم به، فإن أنتم رحلتم عنَّا وإلَّا سلَّمت البلد إليه، وحينئذ لا تطمعون في السَّلامة منه، وأرسل إلى فرنج الشَّام، يخوِّفهم من أولئك الفرنج الخارجين إلى بلادهم ويقول لهم: "أنتم بين أمرين مذمومين إن ملك هؤلاء الفرنج الغرباء دمشق لا يبقون عليكم ما بأيديكم من البلاد، وإن سلَّمت أنا دمشق إلى سيف الدِّين فأنتم تعلمون أنَّكم لا تقدرون على منعه من البيت المقدَّس" وبذل لهم أن يسلِّم إليهم بانياس إن رحَّلوا ملك الألمان عن دمشق، فأجابوه إلى ذلك وعلموا صدقه، واجتمعوا بملك الألمان وخوَّفوه من سيف الدِّين وكثرة عساكره وتتابع أمداده وأنَّه ربَّما ملك دمشق فلا يبقى لهم معه مقام بالسَّاحل، فأجابهم إلى الرَّحيل عن دمشق فرحل ورحل فرنج السَّاحل وتسلَّموا حصن بانياس من مُعين الدِّين وبقي معهم حتَّى فتحه نور الدِّين محمود" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين، لأبي شامة الدِّمشقيِّ، (1/ 189).
(12) قال ابن الأثير رحمه الله: "وقصد حصن حارم، وهو للفرنج، فحصره وخرَّب ربَضه، ونهب سواده، ثمَّ رحل إلى حصن إنب فحصره أيضًا، فاجتمعت الفرنج مع البرنس صاحب أنطاكية وحارم وتلك الأعمال، وساروا إلى نور الدِّين ليُرحِّلوه عن إنب، فلقيهم واقتتلوا قتالًا عظيمًا، وباشر نور الدِّين القتال ذلك اليوم، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقُتل منهم جمع كثير، وأسر مثلهم، وكان ممَّن قُتل البرنس صاحب أنطاكية، وكان عاتيًا من عُتاة الفرنج، وعظيمًا من عظمائهم، ولـمَّا قُتل البرنس ملَك بعده ابنُه بِيمند وهو طفل، فتزوَّجت أمُّه ببرنس آخر ليُدبِّر البلد إلى أن يكبر ابنُها، وأقام معها بأنطاكية، ثمَّ إنَّ نور الدِّين غزاهم غزوة أخرى، فاجتمعوا ولقوه، فهزمهم وقَتل فيهم وأسر، وكان فيمن أَسر البرنس الثَّاني زوج أم بِيمند، فتمكَّن حينئذ بِيمند بأنطاكية" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/ 171).
(13) إنَّ من أعظم الخيانة موقف الوزير الفاطميِّ شاور بن مجير السَّعديِّ مع نور الدِّين وأسد الدِّين شيركوه في الاستعانة بهم على ضرغام بن عامر اللَّخميِّ الذي سلب منه وزارة مصر، ثمَّ تنكُّر شاور لمن ساعده مرَّة أخرى حين استعان بالفرنجة على المسلمين الذين ساعدوه؛ قال ابن الأثير رحمه الله : "وخلع على شاوُر مستهل رجب، وأُعيد إلى الوزارة، وتمكَّن منها، وأقام أسد الدِّين بظاهر القاهرة، فغدر به شاوُر، وعاد عمَّا كان قرَّره لنور الدِّين من البلاد المصريَّة، ولأسد الدِّين أيضًا، وأرسل إليه يأمره بالعود إلى الشَّام، فأعاد الجواب بالامتناع، وطلب ما كان قد استقرَّ بينهم، فلم يُجبه شاوُر إليه، فلمَّا رأى ذلك أرسل نوَّابه، فتسلَّموا مدينة بلبيس، وحكم على البلاد الشَّرقيَّة، فأرسل شاوُر إلى الفرنج يستمدُّهم ويُخوِّفهم من نور الدِّين إن ملك مصر، وكان الفرنج قد أيقنوا بالهلاك إن تمَّ مُلكه لها، فلمَّا أرسل شاوُر يطلب منهم أن يساعدوه على إخراج أسد الدِّين من البلاد جاءهم فرج لم يحتسبوه، وسارعوا إلى تلبية دعوته ونصرته، وطمعوا في ملك الدِّيار المصريَّة، وكان قد بذل لهم مالًا على المسير إليه، وتجهَّزوا وساروا، فلمَّا بلغ نور الدِّين ذلك سار بعساكره إلى أطراف بلادهم؛ ليمتنعوا عن المسير، فلم يمنعهم؛ لعلمهم أنَّ الخطر في مقامهم إذا ملك أسد الدِّين مصر أشدُّ، فتركوا في بلادهم من يحفظها، وسار ملك القدس في الباقين إلى مصر.
وكان قد وصل إلى السَّاحل جمع كثير من الفرنج في البحر؛ لزيارة البيت المقدس، فاستعان بهم الفرنج السَّاحليَّة، فأعانوهم، فسار بعضهم معهم، وأقام بعضهم في البلاد لحفظها، فلمَّا قارب الفرنج مصر فارقها أسد الدِّين، وقصد مدينة بلبيس، فأقام بها هو وعسكره، وجعلها له ظهرًا يتحصَّن به، فاجتمعت العساكر المصريَّة والفرنج، ونازلوا أسد الدِّين شيركوه بمدينة بلبيس، وحصروه بها ثلاثة أشهر، وهو ممتنع بها مع أنَّ سورها قصير جدًّا، وليس لها خندق، ولا فصيل يحميها، وهو يُغاديهم القتال ويُرواحهم، فلم يبلغوا منه غرضًا، ولا نالوا منه شيئًا، فبينما هم كذلك إذ أتاهم الخبر بهزيمة الفرنج على حارم ومُلك نور الدِّين حارم، ومسيره إلى بانياس، فحينئذ سقط في أيديهم، وأرادوا العودة إلى بلادهم; ليحفظوها، فراسلوا أسد الدِّين في الصُّلح والعود إلى الشَّام، ومفارقة مصر، وتسليم ما بيده منها إلى المصريِّين، فأجابهم إلى ذلك؛ لأنَّه لم يعلم ما فعله نور الدِّين بالشَّام بالفرنج، ولأنَّ الأقوات والذَّخائر قلَّت عليه، وخرج من بلبيس في ذي الحجَّة" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/ 306).
إنَّ هذا الموقف يدلُّ على أنَّ الشِّيعة لا يُعتمد عليهم في حرب ولا سِلم؛ فقد تعاونوا على مدار التَّاريخ مع العدوِّ على المسلمين في مقابل الحماية والأمان، والظَّفر ببعض ما وعده به العدوُّ من تمكين أو لعاعة من منصب أو كرسيٍّ أو عرش؛ فالعقلاء لا يعوِّلون عليهم في استرداد المقدَّسات، أو نُصرة المظلوم، أو التَّمكين للإسلام؛ فالتَّاريخ حافل بمواقفهم المخزية؛ فمنذ فجر التَّاريخ وهم شوكة في حلوق المسلمين، يُقتِّلون العلماء، ويغتالون الملوك والأمراء، ويتعاونون مع عدوِّ المسلمين، ولقد كانت الدَّولة الفاطميَّة خنجرًا مسمومًا في ظهر الدَّولة العباسيَّة، وما جرى من ابن العلقميِّ ليس خافيًا فقد فضحه التَّاريخ جزاء فعلته القبيحة التي لم يظفر منها إلَّا بالقتل الذي يستحقُّه.
وبداية الأمر أنَّ شاور قد استنجد بالملك العادل نور الدِّين ليُعيد له الوزارة على أن يُطلق يد نور الدِّين في مصر؛ فسرَّ بذلك نور الدِّين ليتوسَّع في توحيد البلاد والضَّغط من خلالها على الرُّوم؛ قال ابن الأثير رحمه الله : "سيَّر نور الدِّين محمود بن زنكيِّ عسكرًا كثيرًا إلى مصر، وجعل عليهم الأمير أسد الدِّين شيركوه بن شاذي، وهو مقدَّم عسكره، وأكبر أمراء دولته، وأشجعهم، وكان سبب إرسال هذا الجيش أنَّ شاور وزير العاضد لدين الله العلويِّ - صاحب مصر - نازعه في الوزارة ضرغام، وغلب عليها، فهرب شاور منه إلى الشَّام، ملتجئًا إلى نور الدِّين، ومُستجيرًا به، فأكرم مثواه، وأحسن إليه، وأنعم عليه، وكان وصوله في ربيع الأوَّل من السَّنة، وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه، ويكون لنور الدِّين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر، ويكون شيركوه مقيمًا بعساكره في مصر، ويتصرَّف هو بأمر نور الدِّين واختياره، فبقي نور الدِّين يُقدِّم إلى هذا الغرض رِجلًا ويؤخِّر أخرى، فتارة يحمله رعاية لقصد شاور بابه، وطلب الزِّيادة في الملك والتَّقوي على الفرنج، وتارة يمنعه خطر الطَّريق، وأنَّ الفرنج فيه، وتخوَّف أنَّ شاور إن استقرَّت قاعدته ربَّما لا يفي، ثمَّ قوى عزمه على إرسال الجيوش، فتقدَّم بتجهيزها وإزاحة عللها، وكان هوى أسد الدِّين في ذلك، وعنده من الشَّجاعة وقوَّة النَّفس ما لا يبالي بمخافة، فتجهَّز، وساروا جميعًا وشاور في صحبتهم، في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين [وخمسمئة]، وتقدَّم نور الدِّين إلى شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه، وينتقم له ممَّن نازعه فيه وسار نور الدِّين إلى طرف بلاد الفرنج ممَّا يلي دمشق بعساكره ليمنع الفرنج من التَّعرُّض لأسد الدِّين ومن معه، فكان قصارى الفرنج حفظ بلادهم من نور الدِّين، ووصل أسد الدِّين والعساكر معه إلى مدينة بلبيس، فخرج إليهم ناصر الدِّين أخو ضرغام بعسكر المصريِّين ولقيهم، فانهزم وعاد إلى القاهرة مهزومًا... وخُلع على شاور مستهلَّ رجب، وأُعيد إلى الوزارة، وتمكَّن منها" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/305).
(14) كانت هذه المعركة من المعارك الحاسمة التي حدَّثت فيها أحداث تؤخذ منها العبر، وتُستقى من الدُّروس؛ ومنها ما وقع من فخر الدِّين أرسلان أنَّه قرَّر القعود عن الاستجابة لنداء الملك العادل نور الدِّين محمود، ثمَّ أُجبر على المسارعة في الاستجابة بعد أن أرسل نور الدِّين إلى العلماء والفقهاء يُطلعهم بما يُلاقيه المسلمون من شدَّة الرُّوم، ويحثُّهم على حثِّ النَّاس على الخروج والجهاد والمشاركة، فما كان من الزُّهَّاد والعبَّاد إلَّا أن سارعوا في توجيه النَّاس فاستجابوا لهم، وأصبحوا وهم يلعنون فخر الدِّين لتقاعسه عن الاستجابة؛ فخشي الأخير على عرشه وثورة النَّاس عليه فعزم على الخروج؛ ويُستفاد من هذا أنَّ للعلماء قوَّة يُمكن استثمارها في نصرة الإسلام في وقت الأزمات، وأنَّ من السَّاسة والقادة من لا يعنيه أمر الإسلام وقضاياه، وأنَّه يستجيب بالضُّغوط؛ قال ابن الأثير رحمه الله: "فتح نور الدِّين محمود بن زنكيِّ قلعة حارم من الفرنج... واتَّفق مسير بعض الفرنج مع ملكهم إلى مصر، فأراد أن يقصد بلادهم ليعودوا عن مصر، فأرسل إلى أخيه قطب الدِّين مودود - صاحب الموصل وديار الجزيرة - وإلى فخر الدِّين قُرَا أرسلان - صاحب حصن كيفا - وإلى نجم الدِّين ألبي - صاحب ماردين - وغيرهم من أصحاب الأطراف يستنجدهم، فأمَّا قطب الدِّين فإنَّه جمع عسكره وسار مجِدًّا، وفي مقدِّمته زين الدِّين عليٌّ أمير جيشه، وأمَّا فخر الدِّين - صاحب الحصن - فبلغني عنه أنَّه قال له ندماؤه وخواصُّه: "على أيِّ شيء عزمت؟ فقال: على القعود؛ فإنَّ نور الدِّين قد تحشَّف من كثرة الصَّوم والصَّلاة، وهو يُلقي نفسه والنَّاس معه في المهالك" فكلُّهم وافقه على هذا الرَّأي، فلمَّا كان الغد أمر بالتَّجهُّز للغزاة، فقال له أولئك: "ما عدا ممَّا بدا؟ فارقناك أمس على حالة، فنرى اليوم ضدَّها؟" فقال: "إنَّ نور الدِّين قد سلك معي طريقًا إن لم أُنجده خرج أهل بلادي عن طاعتي، وأخرجوا البلاد عن يدي؛ فإنَّه قد كاتب زهَّادها وعبَّادها والمنقطعين عن الدُّنيا، يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج، وما نالهم من القتل والأسر، ويستمدُّ منهم الدُّعاء، ويطلب أن يحثُّوا المسلمين على الغَزاة، فقد قعد كلُّ واحد من أولئك، ومعه أصحابه وأتباعه، وهم يقرؤون كتب نور الدِّين، ويبكون ويلعنونني، ويدعون عليَّ، فلابدَّ من المسير إليه، ثمَّ تجهَّز وسار بنفسه" وأمَّا نجم الدِّين فإنَّه سيَّر عسكرًا، فلمَّا اجتمعت العساكر سار نحو حارم فحصرها، ونصب عليها المجانيق، وتابع الزَّحف إليها، فاجتمع مَن بقي بالسَّاحل من الفرنج، فجاءوا في حدِّهم وحديدهم، وملوكهم وفرسانهم، وقسِّيسيهم، ورهبانهم، وأقبلوا إليه من كلِّ حدب ينسلون، وكان المقدَّم عليهم البرنس بيمُند - صاحب أنطاكية - وقمَّص - صاحب طرابلس وأعمالها - وابن جوسلين - وهو من مشاهير الفرنج – والدُّوك - وهو مقدُّم كبير من الرُّوم - وجمعوا الفارس والرَّاجل، فلمَّا قاربوه رحل عن حارم إلى أرتاح طمعًا أن يتبعوه، فيتمكَّن منهم; لبعدهم عن بلادهم إذا لقوه، فساروا، فنزلوا على غمَّر، ثمَّ علموا عجزهم عن لقائه، فعادوا إلى حارم، فلمَّا عادوا تبعهم نور الدِّين في أبطال المسلمين على تعبئة الحرب" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/308).
(15) من الوسائل الدِّفاعيَّة التي كان يعتمدها الملك العادل نور الدِّين محمود الضَّغط على الصَّليبيِّين بالهجوم ليُشتِّتهم عن موقع آخر يريد أن يهجم من خلاله؛ قال أبو شامة الدِّمشقيُّ رحمه الله : "ووردت أخبار من ناحية ملك الروم باعتزامه على أنطاكية وقصد المعاقل الإسلامية فبادر نور الدين بالتوجه إلى البلاد الشامية لإيناس أهلها من استيحاشهم من شر الروم والإفرنج خذلهم الله تعالى فسار في العسكر صوب حمص وحماة وشيزر" - الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (1/ 385) - كما فعل غير مرَّة معهم حين أرسل حملات أسد الدِّين شيركوه إلى مصر للسَّيطرة عليها، وهذه خطَّة يُمكن أن يعتمدها المسلمون في هذه الأزمان المتأخِّرة من خلال الضَّغط السِّياسيِّ بالمقاطعة التِّجاريَّة أو الاقتصاديَّة أو الدِّبلوماسيَّة، كورقة من أوراق تشتيت العدوِّ وإضعاف تركيزه ليخفَّ عن مهاجمة المسلمين في مواقع القتال وساحات المعارك.
(16) ونلاحظ حسن اختيار قادة جيل النَّصر من يولُّونه الإمارة والقيادة؛ فنظام الملك هو من أشار على ملكشاه السَّلجوقيِّ بإسنادة الإمارة لقسيم الدَّولة، ونور الدِّين محمود هو من عيَّن أسد الدِّين شيركوه على مصر، وكذلك ولَّى صلاح الدِّين الأيوبيَّ من بعده؛ وفي هذا إشارة إلى أهمِّيَّة اختيار القادة وإسناد الولاية والزَّعامة؛ فحسن الاختيار فيها مطلوب ومرغوب؛ لأنَّ صلاح الأمَّة وفسادها من هذا الجانب، وهذا التَّسلسل الذي حصل من قادة جيل التَّمكين يدلُّ على ضرورة اختيار الأمناء، الأكفاء، الصُّلحاء، فلا وساطة ولا محسوبيَّة ولا مجاملة على حساب قضايا الأمَّة وصلاح العباد والبلاد، وهذا سرُّ تقدُّم الشُّعوب أو تأخُّرها.
(17) قال ابن الأثير رحمه الله : "في هذه السَّنة توفِّي نور الدِّين محمود بن زنكيِّ بن آقسُنقر - صاحب الشَّام وديار الجزيرة ومصر - يوم الأربعاء حادي عشر شوَّال، بعلَّة الخوانيق، ودُفن بقلعة دمشق، ونُقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق، عند سوق الخوَّاصين" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/ 393).