الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

معالجة التَّعارض الظَّاهريِّ بين الآيات والحديث تطبيقيًّا

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

وبعد: فإنَّ النُّصوص الشَّرعيَّة لا تتعارض ولا تتناقض ولا تتهادم، وما يقع من اعتراض العقل على شيء منها ليس حقيقيًّا عامًّا، بل هو متوهَّم خاصٌّ بمن وقع له؛ فالتَّعارض ظاهريٌّ حاصل في ذهن المعترض دون أثر له في الحقيقة، وسبيل زواله العلم والجمع بين النُّصوص، واستقراء القرائن التي تحتفُّ بالسِّياقات، ومعرفة ما تُحيل إليه الألفاظ من المعاني، مع التَّجرُّد من الهوى والزَّيغ بقبول الحقِّ والاستسلام له إذا بان وتجلَّى، وقوَّة الإيمان والتَّصديق= أعظم سلاح لمواجهة الشُّبهات عامَّة وما تعلَّق بوقوع التَّعارض خاصَّة؛ فالمؤمن على يقين تتزلزل الجبال الشَّوامخ ولا يتزلزل من صدق الوحيين الشَّريفين قرآنًا وسنَّة، ولا ينقص هذا اليقين في نصوصهما منفردة أو مجموعة، فلا يقع بين قرآن وقرآن، ولا بين سنَّة صحيحة وسنَّة صحيحة، ولا بين قرآن وسنَّة، ولا يُخالجه في ذلك شكٌّ أو ربية أو تردُّد.

ومن النُّصوص التي وقع فيها النَّاس لظاهر التَّعارض الموصِّل إلى اللَّبس ما ورد في الصَّحيحين من قول النَّبيِّ : «قارِبوا وسدِّدوا، واعلموا أنَّه لن ينجُو أحدٌ منكم بعمله» قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال : «ولا أنا، إلَّا أن ‌يتغمدنيَ ‌الله برحمةٍ منه وفضل» [1] فظاهره أنَّ العمل لا يُدخِل النَّاسَ الجنَّةَ، وأنَّ دخولها لا يكون إلَّا برحمة الله تعالى، وبمقارنته بالآيات القرآنيَّة الدَّالَّة على أنَّ دخول الجنَّة بالعمل؛ نحو قوله تعالى: {وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ ‌أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [الأعراف: 43] وقوله جلَّ ذكره: {أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا ‌بِمَا ‌كَانُواْ ‌يَعۡمَلُونَ} [السجدة: 19] وقوله عزَّ جاهه: {وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ ‌أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [الزخرف: 72] وقوله تقدَّس اسمه وتعالى جدُّه: {أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ ‌بِمَا ‌كَانُواْ ‌يَعۡمَلُونَ} [الأحقاف: 14] وقال الله عزَّ وجلَّ: {جَزَآءَۢ ‌بِمَا ‌كَانُواْ ‌يَعۡمَلُونَ} [الواقعة: 24] يقع التَّعارض الظَّاهريُّ؛ وظاهرها أنَّ دخول الجنَّة كان ثمرة العمل الصَّالح، فوقع اللَّبس في أذهان البعض بالمقارنة بين النُّصوص.

وإزالة هذا التَّعارض أمر يسير إذا أدركنا أنَّ القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة يتكاملان لا يتآكلان؛ فالحقُّ يخرج من مشكاة واحدة، والصِّدق لا يحصل فيه الاضطراب، بينما يقع في الكذب لأنَّ الكذَّاب ينسى فيُخالف قوله فيقع الخلل، والوحيان الشَّريفان في أعلى درجات الصِّدق والحقيقة، والجمع بين النُّصوص أولى من اطِّراحها أو ردِّها، ووجه الجمع بين النُّصوص الواردة في هذا الموضوع أنَّ الباء في الآيات سببيَّة؛ أي أنَّ أعمالهم كانت سببًا في دخولهم الجنَّة، ولا يُمكن للسَّبب أن يستقلَّ بتحقيق الغاية؛ فإذا كان العمل سببًا فإنَّ رحمة الله تعالى متحقِّقة وحاصلة في العمل ابتداءً وأثناءً وانتهاءً؛ فلولا رحمة ربِّك ما توجَّهت إلى العمل عازمًا على فعله، ومن رحمته أنَّ صبَّرك على ما يعترضك في طريق أدائه من عقبات ومعوِّقات، ومن عظيم رحمته عليك أن تقبَّله منك وجزاك عليه بما هو أهله لا بما أنت أهله، فتجاوز سبحانه وتعالى برحمته عن كلِّ ما شابه من شوائب تردُّه وتمنع قبوله وتحقيق الآثار النَّاتجة عن ذلك؛ فلولا الله ما كان العمل ولا تمَّ ولا تُقبِّل؛ وهذا الوجه في إزالة اللَّبس الحاصل من جهة أنَّ الأعمال تُدخل الجنَّة بظاهر الآيات، فيكون المعنى أنَّها سبب لا يستقلُّ بالتَّحقيق، وهو ما يقتضيه معنى الحديث الشَّريف.

وأمَّا وجه الجمع في الشِّقِّ الأوَّل من الحديث فالباء فيه: (بعمله) تعني المقابلة أو المعاوضة، وفيه نفي أن تكون الجنَّة عِوضًا عن الأعمال فتجب للعامل على سبيل الاستحقاق والإلزام والتَّحتُّم بمجرَّد العمل، وهذا غير سديد لما يلي:

1 - لأنَّه لا يجب على الله تعالى لعباده شيء؛ فإن عذَّب فبعدله، وإن رحم فبفضله؛ ومن ذلك ما جاء على لسان عيسى عليه السَّلام: {إِن ‌تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [المائدة: 118] ويقول النَّوويُّ: "‌ومذهب ‌أهل ‌السُّنَّة أنَّ الله تعالى لا يجب عليه شيء - تعالى الله - بل العالم ملكه، والدُّنيا والآخرة في سُلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذَّب المطيعين والصَّالحين أجمعين وأدخلهم النَّار كان عدلًا منه، وإذا أكرمهم ونعَّمهم وأدخلهم الجنَّة فهو فضل منه، ولو نعَّم الكافرين وأدخلهم الجنَّة كان له ذلك، ولكنَّه أخبر وخبره صِدق أنَّه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويُدخلهم الجنَّة برحمته، ويُعذِّب المنافقين ويُخلِّدهم فى النَّار عدلًا منه... والآيات الدَّالة على أنَّ الأعمال يُدخَل بها الجنَّة فلا تُعارِض هذه الأحاديث؛ بل معنى الآيات: أنَّ دخول الجنَّة ‌بسبب ‌الأعمال، ثمَّ التَّوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله؛ فيصحُّ أنَّه لم يدخل بمجرَّد العمل - وهو مراد الأحاديث -، ويصحُّ أنَّه دخل بالأعمال= أي بسببها، وهي من الرَّحمة، والله أعلم" [2]

2 - ولأنَّ الأعمال قد تردُّ في وجه العامل إذا عامل الله تعالى عباده بالعدل والقسطاس؛ فلا يسلم العمل من حظوظ النَّفس والهوى، ولو لم يوفِّق الله عبده للعمل ما كان ولا تمَّ ولا وقع عليه الجزاء، ويعفوا عن كثير، وإنَّما يقبَّل الله من المتَّقين.

3 - ولأنَّ العمل مهما عظُم لا يُساوي الجنَّة ولا يُقاربها؛ والأصل في المقابلة والمعاوضة تساوي السِّلعتين؛ ولا وجه للمقارنة بين أعمال 30 سنة - إذا صحَّت للعبد - وجنَّة عرضها السَّماوات والأرض، فلزم القول بأنَّ دخول الجنَّة برحمة الله تعالى لا عن استحقاق ومقابلة وعِوض؛ لعدم استواء الطَّرفين.

4 - ولأنَّ العبد ما قام بعمل صالح إلَّا بالجوارح والأدوات والملكات والسُّبل والوسائل التي خلقها الله تعالى في العبد أو له، وبذلك يظهر أنَّه في حاجة إلى رحمة الله تعالى ليقوم بالعمل أصلًا؛ فلم يقم القائم مُتضرِّعًا بين يديه إلَّا حين أعطاه الصِّحَّة والقدرة على الوقوف ونصب القدمين بين يديه سبحانه وتعالى في صلاة أو عبادة، ويُضاف إليه الإعانة على العبادة؛ فكثير من النَّاس ملك كامل ما يملكه العابد وربَّما تفوَّق عليه في صحَّة أو عافية أو فراغ بال أو هدوء حال ولم يُوفَّق لما وِفِّق له العبد الصَّالح؛ فظهر من هذا كمال رحمة الله تعالى بعبده أن أوجد فيه أداة العبادة، ثمَّ أعانه ويسَّر له؛ ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدۡ ‌يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ} [القمر: 17] وفي الصَّحيحين عن ‌البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كان النَّبيُّ  ينقل التُّراب يوم الخندق، حتَّى أَغمر بطنَه، أو اغبرَّ بطنُه، يقول : «والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا، فأنزلن ‌سكينة ‌علينا، وثبِّت الأقدام إن لاقينا، إنَّ الأُلَى قد بغَوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا، أبينا، أبينا» يرفع بها صوته " [3]

5 - ولأنَّ العامل يعمل السَّيِّئات كما يعمل الحسنات، ولو حساب الله تعالى عباده الذين: {خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا} لأهلكهم بذنوبهم عن استحقاق وأهليَّة ولا يكون ظلَّامًا لهم، فظهر أيضًا أنَّ دخول الجنَّة بفضل ورحمة من الله تعالى لا عن استحقاق؛ قال تعالى: {سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ ‌أُعِدَّتۡ ‌لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ} [الحديد: 21] فذكر الله تعالى في نهاية آية الجنَّة أنَّها بفضله تعالى لا بالاستحقاق؛ فجمع الآيات واقترانها يُبيِّن للنَّاظر ما لا يظهر له بنظرةٍ قاصِرةٍ لبعض المواضع، وكذلك بيَّن قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ * ‌فَضۡلٗا ‌مِّن رَّبِّكَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [الدخان: 56-57] أنَّ البعد عن النَّار بفضل منه سبحانه وتعالى لا عن استحقاق من العباد؛ وقد جمع بين المعنيين قولُه تعالى: {فَمَن ‌زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ} [آل عمران: 185] فبناء الفعل لما لم يُسمَّ فاعله يُظهر هذا المعنى؛ أي زحزحه الله، وأدخله الله، نسأله تعالى فضله وعفوه.

ومن الأوجه الحسنة في الجمع بين النَّصَّين: أنَّ دخول الجنَّة بالرَّحمة والافتراق في درجاتها بالأعمال؛ فلا يستوي من أكثر مع من أقلَّ من العمل، وفي هذا يكون معنى التَّنافس والتَّسابق التي جاءت النُّصوص الشَّرعيَّة للتَّأكيد عليها والدَّعوة إليها.

وفي هذه المسألة وقع اختلاف المذاهب الإسلاميَّة بين جبريَّة يرون أن دخول الجنَّة لا علاقة له بالأعمال أبدًا، وإنَّما هو بالمشيئة المجرَّدة، فلا يحتاج المرء إلى العمل ليدخلها، فلم يجعلوا العمل سببًا ولا عِوضًا، وأخرى قدريَّة يرون أنَّ الأعمال ثمن الجنَّة، فلا يُحرَم منها العامل إذا عمل، وتوسَّط بينهما أهل السُّنَّة والجماعة فقالوا بسببيَّة الأعمال، وتحقُّق الأمر بالمشيئة والرَّحمة؛ لعدم اكتفاء الأسباب بتحقيق الغاية ودخول الجنَّة؛ يقول ابن القيَّم رحمه الله: "والقدريَّة الجبريَّة تنفى باء السَّببيَّة جملة وتُنكر أن تكون الأعمال سببًا في النَّجاة ودخول الجنَّة، وتلك النُّصوص وأضعافها تُبطِل قولهم، والقدريَّة النُّفاة تُثبت باء المعاوضة والمقابلة وتزعُم أنَّ الجنَّة عِوض الأعمال وأنَّها ثمن لها وأنَّ دخولها إنَّما هو بمحض الأعمال، والنُّصوص النَّافية لذلك تُبطِل قولهم، والعقل والفِطر تُبطل قول الطَّائفتين، ولا يصحُّ في النُّصوص والعقول إلَّا ما ذكرناه من التَّفصيل، وبه يتبيَّن أنَّ الحقَّ مع الوسط بين الفِرَق في جميع المسائل لا يُستثنى من ذلك شيء، فما اختلفت الفِرَق إلَّا كان الحقُّ مع الوسط، ‌وكلٌّ ‌من ‌الطَّائفتين ‌معه حقٌّ وباطل؛ فأصاب الجبريَّة في نفي المعاوَضة وأخطأوا في نفي السَّببيَّة وأصاب القدريَّة في إثبات السَّببيَّة وأخطأوا في إثبات المعاوَضة، فإذا ضممت أحد نفيَي الجبريَّة إلى أحد إثباتَي القدريَّة ونفيت باطلهما كنت أسعد بالحقِّ منهما" [4]

وعليه يكون مقصد الحديث= نفي أن تكون الجنَّة عِوضًا لازمًا عن العمل، ومقصد الآية= بيان أنَّ العمل سبب من أسباب دخول الجنَّة لا يقوى على الاستقلال والانفراد، بل يفتقر العامل معه إلى رحمة الله تعالى، وهنا تلتقي النُّصوص ويزول الاعتراض الواقع في الأذهان، ويظهر المراد من الجميع، والله تعالى أعلم.

وأمَّا ما يذكره البعض من أنَّ الحكمة من الوارد في الآيات عدم إرادة الله تعالى الامتنان على عباده, فبعيد؛ لأنَّ الله تعالى قد امتنَّ على عباده في أكثر من موقف بتذكيرهم بفضله تعالى عليهم؛ لما في ذلك من تحريك النُّفوس إليه حبًّا واشتياقًا وإقرارًا واعترافًا، ولأنَّه سبيل إلى شكر الله تعالى على ما أولى وأنعم، وهو المستحقُّ لذلك لانفراده بالإنعام والعطاء؛ فنسبة المنَّة إلى الله تعالى نسبة استحقاق؛ ومنه:

1 - الامتنان ببعثة النَّبيِّ  للمؤمنين؛ قال تعالى: {لَقَدۡ ‌مَنَّ ‌ٱللَّهُ ‌عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ} [آل عمران: 164]

2 - الامتنان بالهداية والاستقامة؛ قال جلَّ وعلا: {كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ ‌فَمَنَّ ‌ٱللَّهُ ‌عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ} [النساء: 94]

3 - الامتنان باللِّقاء بعد الفراق الطَّويل؛ قال الله: {قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ ‌مَنَّ ‌ٱللَّهُ ‌عَلَيۡنَآۖ} [يوسف: 90]

4 - الامتنان بالنَّجاة من العقوبات والمهلكات؛ قال عزَّ وجلَّ: {لَوۡلَآ أَن ‌مَّنَّ ‌ٱللَّهُ ‌عَلَيۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ} [القصص: 82]

5 - الامتنان بالإنجاء من العذاب والنَّار؛ قال الله: {فَمَنَّ ‌ٱللَّهُ ‌عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} [الطور: 27] 

6 - وكلُّ ما ورد في القرآن من قوله تعالى: {وَٱذۡكُرُواْ ‌نِعۡمَةَ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ} بتائيها المبسوطة والمفتوحة، ومن ذلك:

مواضع التَّاء المربوطة:

أ - قوله تعالى: {وَٱذۡكُرُواْ ‌نِعۡمَةَ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ} [المائدة: 7]

ب - وقوله تعالى: {وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ ‌نِعۡمَةَ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [المائدة: 20]

ج - وقوله تعالى: {وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ ‌نِعۡمَةَ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ} [إبراهيم: 6]

د - وقوله سبحانه وتعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ‌نِعۡمَةَ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9]

مواضع التَّاء المربوطة:

أ - قوله تعالى: {وَٱذۡكُرُواْ ‌نِعۡمَتَ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ} [البقرة: 231]

ب - قوله تعالى: {وَٱذۡكُرُواْ ‌نِعۡمَتَ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ} [آل عمران: 103]

ج - قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ‌نِعۡمَتَ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} [المائدة: 11]

د - قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ ‌نِعۡمَتَ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} [فاطر: 3]

فظهر من خلال هذه الآيات مجتمعة أنَّ المنَّة لله تعالى على عباده بالإيجاد، والإمداد، والإسناد، والإبعاد، والإسعاد؛ قال جلَّ ذكره: {يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [الحجرات: 17] وفي الصَّحيحين عن ‌عبدالله بن زيد بن عاصم قال: "لما أفاء الله على رسوله  يوم حُنين، قسَّم في النَّاس في المؤلَّفة قلوبهم، ولم يُعطِ الأنصار شيئًا، فكأنَّهم وجدوا إذ لم يُصبهم ما أصاب النَّاس، فخطبهم  فقال: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ‌ضُلَّالًا ‌فهداكم ‌الله بي، وكنتم مُتفرِّقين فألَّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي» كلَّما قال شيئًا قالوا: "الله ورسوله  أمنُّ" قال : «ما يمنعُكم أن تجيبوا رسول الله » قال: كلَّما قال شيئًا، قالوا: "الله ورسوله  أمنُّ" قال : «لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا، أترضون أن يذهب النَّاس بالشَّاة والبعير، وتذهبون بالنَّبيِّ  إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنتُ امرأ من الأنصار، ولو سلك النَّاس واديًا وشِعبًا لسلكت وادي الأنصار وشِعبها، الأنصار شِعار والنَّاس دِثار، إنَّكم ستلقون بعدي أَثَرَة، فاصبروا حتى تلقَوني على الحوض» [5] ويقول ابن القيِّم رحمه الله: "وله المنَّة في هذا وهذا ونعمه بالثَّواب من غير استحقاق ولا ثمن يُعاوَض عليه، بل فضل منه وإحسان، فهذا هو الحقُّ؛ فهو المانُّ بهدايته للإيمان، وتيسيره للأعمال، وإحسانه بالجزاء، كلُّ ذلك مجرَّد منَّته وفضله" [6]

والمنُّ من غير الله تعالى مذموم؛ لأنَّه عن غير استحقاق؛ فلا يملك المانُّ بما أعطى ما أعطاه؛ بل انتقل إليه عن طريق الرِّزق والعطاء؛ فشُنِّع أمر المانِّ على الخلق بما خلق الخالق لهم؛ فكيف يمنُّ أحد بما لم يُعطِ؛ لذا جاء النَّهي الصَّريح بأسلوب فصيح عن المنِّ بالصَّدقة؛ وهو تذكير من أحسنت إليه بالإحسان والعطاء، وتعديد النِّعم والهبات، وفيه كسر النَّفس، وإفساد الإخلاص، وقسوة القلب، وادِّعاء الامتلاك، وإذلال الفقير؛ لذا قال الله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ۞ ‌قَوۡلٞ ‌مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ * يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ} [البقرة: 262-264]

والله أعلم وأحكم وهو أعزُّ وأكرم

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله