وصيَّة الوداع والختام
اعلموا أنَّ العمر مهما طال فهو إلى نفاد، والمرء مهما عاش فهو إلى فناء، وأنَّ أنفع ما يُبقيه الإنسان بعد موته= ولد صالح يدعو له بخير؛ فصلاح الذُّرِّيَّة= صلاح الأجيال العاقبة، وهذا مطلب الصَّالحين عبر كلِّ زمان، ولستُ أُحرم من الأجر والمغفرة مع صلاحكم وإيمانكم، فلا تُخلَّفوا بعدي فتعملوا بمعصية الله تعالى، ولا ترجعوا بعدي عن الطَّريق الذي دللتكم عليه بصريح الكتاب والسُّنَّة؛ فهداكم الله تعالى إليه ويسَّر لكم السَّير فيه، ولو ألممتم بشيء من اللَّمم والقذورات والخبث والذُّنوب فسارعوا إلى توبة صادقة تُمح خطاياكم ولو كانت ما كانت؛ فإنَّ العبد لا يسلم من الخطأ، ولكنَّ الآبق هو من تمرَّد على الاعتراف، وأدمن الاغتراف، فلا تكونوا عن التَّوبة مُبعدين.
الوصيَّة بالاتِّحاد والاتِّفاق
أوصيكم ألَّا تختلفوا بعدي، فقوَّتكم في اتِّحادكم وائتلاف قلوبكم؛ قال الله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الأنفال: 46] فإن وقع اختلاف في الرَّأي فلا تجعلوه يصل إلى قلوبكم فيُفسد المودَّة والرَّحمة ويزرع العداوة والشِّقاق بينكم، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ} [الصف: 4] ثمَّ ارجعوا عن أهوائكم والانتصار لأنفسكم إلى قول الله ورسوله والعلماء الرَّبَّانيِّين؛ امتثالًا لقول الله عزَّ وجلَّ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} [النساء: 59] وقال سبحانه: {...وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ...} [النساء: 83] فإنَّ التَّمادي في الاختلاف دون حسم مادَّة النَّزاع يُفسد النَّفس، ويُضعف أواصر الأخوَّة، ويُذيب جبال المحبَّة، فلا تفتحوا بالاختلاف مجالًا للشَّيطان، وأغلقوا عليه المنافذ بالتَّسلُّح بالعلم والإيمان، وراجعوا أهل العلم والصَّلاح والتَّقوى؛ فعندهم لعُضال الدَّاء الدَّواء، ولعيِّ الجهل الشِّفاء؛ فهم بكتاب الله أعلم، وفهمهم لسنَّة نبيِّه الكريم ﷺ أحكم، وخبرتهم بالواقع وما يجب فيه وما لا يجب أسلم، فكونوا على مقربة منهم بالسُّؤال والمشاورة والحوار، ولا تستقلُّوا برأيكم ولو كنتم تنطقون بالحكمة وتسقونها للنَّاس؛ فإنَّ العقل يعجز عن اختيار الحقِّ إّذا كان صاحبه طرفًا في النِّزاع، فاستسلموا للحقِّ وتواضعوا له بقبوله ولو قُضي عليكم؛ قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} [النساء: 135] وقال سبحانه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} [المائدة: 8]
الوصيَّة بالقناعة والرِّضا
وأوصيكم يا بنيَّ ألَّا تطمعوا في شيء ليس لكم، فما حجبه الله تعالى عنكم ممَّا ليس لكم لو أتاكم لشقيتم به، ولا يفوتكم شيء ممَّا كتبه الله تعالى لكم ولو اجتمع عليكم مَن بأقطارها، فكونوا مع أقدار الله تعالى مستسلمين راضين، ولا يحملنَّكم فوات شيء على طلبه بحيلة أو خديعة أو مكر أو التَّلبُّس بأمر محرَّم أو فعل مجرَّم؛ فلا تكونوا لأمر الله تعالى مُخالفين ولا لقانون العباد معاندين، واستقيموا على طريق السَّلامة ولا تحيدوا عنه، فلايزال المرء بخير ما بقي على الطَّريق المستقيم، فإن اعوجَّ وانحرف انجرف.
الوصيَّة بالمحبَّة والائتلاف
إنِّي أنهاكم عن الحقد والحسد والتَّباغض والتَّدابر؛ فإنَّني لم أعرفها من نفسي ولم أنشِّئكم عليها، وليست شأنًا للصَّالحين أو المصلحين أو السَّائرين إلى الله تعالى، فهي نازعة للبركة عن الفاعل والمفعول به، فلا تورِّطوا أنفسكم في شيء منها، وارتقوا بإيمانكم عن مثل هذه التَّصرُّفات التي نُهينا عنها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَحاسدُوا، ولا تَناجشُوا، ولا تَباغضُوا، ولا تَدابرُوا، ولا يَبِعْ بعضُكم على بيع بعضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلِمه، ولا يخذُله، ولا يحقِرُه، التَّقوى هاهُنا - ويُشير إلى صدره ثلاث مرَّاتٍ - بحسب امرئٍ من الشَّرِّ أن يحقِر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ؛ دمُه، ومالُه، وعرضُه» [1] فلا تكونوا مسيئين لأحد، بل كونوا رادِّين عن عِرض إخوانكم ولا يأتيهم منكم الأذى؛ وعن أبي الدَّرداء رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَن ردَّ عن عِرض أخيه ردَّ الله عن وجهه النَّار يوم القيامة» [2]
تسلية لقلوب الأبناء
اعلموا أنَّ الأب ليس ملزمًا بترك شيء من المال لأبنائه يتوارثونه بعد موته، وليس جميع الورثة يُحسن استثمار ما آل إليه من مال وممتلكات في أمر ينفعه ويعود على المورِّث بالنَّفع، فمنهم من يُبدِّد ثروة أبيه المنقولة إليه بالإرث الشَّرعيِّ لفساده وانحرافه فلم يزده مال أبيه المخلَّف له إلَّا بعدًا وانحرافًا وضلالًا، وقد علمتُ يا بنيَّ أنَّ الله تعالى لن يترك صالحكم يهلك في الحياة بلا رعاية وعناية منه سبحانه وتعالى، فرزق الله تعالى للصَّالح والطَّالح، والبركة والإكرام من نصيب الصَّالحين دون سواهم، فإن كنتم صالحين فلستُ أخشى عليكم بعدي ولو تركتكم على البيضاء، وإن كنتم غير ذلك فلا أحبُّ أن يكون لكم منِّي ما تعملون به في معصية الله تعالى، على أنِّي كنت لكم في حياتي عونًا وراعيًا بما يسَّر الله تعالى لكم من رزق يصل إليكم من خلالي، فأنفقت عليكم في العلم والمعيشة والرِّعاية كلَّ ما وصلني من رزق دون أن أدَّخر شيئًا للغد أو للشَّيخوخة؛ لأنَّ إيماني برزق الله تعالى لا يصفه بناني ولا يقدر على تكييفه لساني، فإن متُّ يوم أموت ولم يبق لكم ممَّا ساقه الله تعالى لكم من خلالي شيئًا أُخلِّفه لكم فلا تحزنوا ولا تبتئسوا، واعلموا أنَّ رزقكم الذي كان يُساق لكم معي توقَّف بما أصابني من مصيبة الموت الأكبر، وأنَّه قد بدأت لكم مع الرِّزق مرحلة أخرى تزداد فيها أرزاقكم بأعمالكم الصَّالحة؛ فأكثروا من العمل الصَّالح يزد عطاء الله لكم.
الوصيَّة بحسن الوداع
أوصيكم إذا أنا متُّ أن تُحسنوا إليَّ بإخراجي من الدُّنيا دار الغرور إلى الآخرة دار الحقِّ على وِفق سنَّة النَّبيِّ الكريم القدوة ﷺ، فلا تختلفوا على شيء، ولا ترفعوا أصواتكم، وجهِّزوني وكفِّنوني من مال حلال، ثمَّ صلُّوا عليَّ وقدِّموا أصلحكم وأقربكم إلى الله تعالى، وأخلصوا في صلاتكم كلِّها وفي الدُّعاء خاصَّة، ثمَّ سيروا بي إلى مثواي الأخير بصمت وسكينة وهدوء، ثمَّ لحِّدوني في القبر ولا تتعجَّلوا في العودة إلى بيوتكم حتى أستأنس بكم، ولا تتركوا الدُّعاء لي في هذا المقام بالثَّبات والنَّجاة والسَّلامة، ثمَّ عودوا إلى داركم التي آلت لكم من بعدي فلا تُقرُّوا نائحة ولا لاطمة ومن تشقُّ جيوبها؛ فإنِّي بريء من كلِّ ما لا يُرضي الله تعالى من قول أو فعل أو حال، وأحسنوا إلى أمَّكم وإخوانكم وقرابتكم، فصلوا رحمكم، واذكروني في دعائكم، وحافظوا على صلاتكم، واتَّخذوا من موتي العبرة والعظة، فلا تدوم الحياة لكم، ولو دامت لكنت معكم، ولكنَّها تفنى وينفى مَن فيها: {وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤ كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ} [الأنبياء: 34-35] فننتقل منها إلى البرزخ ثمَّ إلى الآخرة: {إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠ ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ} [الزمر: 30-31] فانتفعوا بموعظة الموت فهي أبلغ موعظة، وأنفع تذكرة.
(1) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (البرِّ والصِّلة والآداب) باب: (تحريم ظلم المسلم، وخذله واحتقاره وده وعرضه وماله) برقم: (2564).
وهو في جامع العلوم والحكم، في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، لزين الدِّين عبدالرَّحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلاميِّ، البغداديِّ، ثمَّ الدمشقيِّ، الحنبليِّ (تـ:795هج) تح: شعيب الأرناؤوط، وإبراهيم باجس، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطَّبعة: السابعة، سنة: (1422هج/2001م) في: (2/673).
(2) حسن: أخرجه التِّرمذيُّ في جامعه، أبواب: (البرِّ والصِّلة) باب: (ما جاء في الذَّبِّ عن عرض المسلم) برقم: (1931) وقال التِّرمذيُّ: "حديث حسن".