الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أهمِّيَّة علم المتشابهات القرآنيَّة

إنَّ إتقان تشابُه القرآن الكريم أكبر دليل على يقظة الحافظ واهتمامه، وهذا أمر يزين الحافظ، وعدمه يشينه، ولقد كان شيخنا ابن أبي الحسن ينبِّه على أمر الاعتناء بالتَّشابه فيقول [1]:

وَعَلَيكَ بِالمتَشَــابِهَــاتِ فَإِنَّهَـا عَونٌ لِنَقشِ الذِّكرِ في الأَذهَانِ

إِنَّ التَّشَابُهَ في القَرَانِ كَرَامَةٌ لِلحَــافِظِ المتَدَبِّـرِ اليَقظَـــانِ

والمعنى أنَّ الشَّيخ حفظه الله يُنبِّه  طلَّابه إلى أمر في غاية الجلالة والنَّفاسة قصَّر فيه كثير مـن الحفَّاظ فأودى بهم إلى هوَّة سحيقة من النِّسيان والتَّفلُّت، فكانت الوصِّية الاعتناء والاهتمام بعلم المتشابهات؛ لأنَّه يُعين على نقش الآيات علـى صفحات القلب حتى يصير الحافظ مُستظهرًا لها، يستطيع أن يقرأ من حفظه من أيِّ موضع وفي أيِّ وقت، والاستظهار يحتاج إلى جهد من الحافظ ليصل إليه، فيحتاج إلى أمور كثيـرة تظهر من خلال المواصلة والاستمراريَّة.

ومعنى قوله: (عـون لنقش الذِّكر في الأذهان) أنَّ العلم بالمتشابهات يُعين على تثبيت المحفوظ في الصُّدور، فيتمكَّن الحافظ من القرآن الكريم تمكُّنًا يعجب له النَّاس، فتراه إذا سُئل أجاب، وإذا أجاب أجاد، وإذا أجاد أفاد، ولا يكاد يلحن في القرآن إلا نادرًا؛ فليس على القرآن الكريم كبير، لكن قد يصل الإنسان باجتهاده وحرصه ومتابعته وتوفيق الله له إلى مرتبة الثَّبات والاستظهـار، وهذا من باب تيسير الله تعالى لكتابه، وإلَّا فما قام بحقِّ القرآن العظيم بشرٌ، وما دفع مهـرَه أحدٌ - وما يقدر -، لكنَّ الله تعالى يُكرم ويُعطـي، ويُنعِم ويُـرضِي، ويتفضَّل على البشر بما لا يستحقُّونه بأعمالهم؛ لأنَّه لا يتعامل معهم بميـزان أعمالهم، ولو فعل ما استحقُّوا بأعمالهم شربة ماء، ولا كِسرة خبز؛ ولكنَّه يتعامل معهـم بفضله وكرمه الذي لا ينقطع ولا ينفد، فالحمد لله على تيسيره الأمور، والشُّكر له علـى مِننه التي تدور، ومن أجلِّها إنزاله للقـرآن المجيد شارحًا للصُّدور، وجالبًا للحُبور، ومنـوِّرًا للقبور، وقائدًا يـوم النُّشور، وسببًا في دخول جنَّة الغفور، فيَا لسعادة من حصَّل القرآن الكريم حفظًا وإتقانًا، وفهمًا وتدبُّرًا، ثمَّ أراد أن يكـون من أهله الحقيقيِّين الذين يهتمُّون بتحصيل صِغار العلم قبل كباره؛ ليقوموا بفرض الكفاية؛ ليسقط عن عموم الأُمَّة الميمونة، وهذا وربِّي لَمِن أدلِّ الدَّلائل على حفظ الله عزَّ وجلَّ لكتابـه الكريم، قال تعالى: {إِنَّا نَحۡنُ ‌نَزَّلۡنَا ‌ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: 9] وقال تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ ‌وَٱلۡحُكۡمَ ‌وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ} [الأنعام: 89]

ومعنى قول الشَّيخ - أيَّده الله تعالى -:

إِنَّ التَّشَابُهَ في القَــرَانِ كَـــرَامَةٌ لِلحَـــافِظِ المتَــدَبِّــرِ اليَقظَــانِ

أنَّ العلم بالمتشابهات يُعدُّ من كـرامات حافـظ القرآن وممَّا اختصَّه الله تعالى به، فصاحب القرآن الكريم من أهل الله وخاصَّته؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ لله أهليـن من النَّاس» قيل: من هم يا رسول الله؟ قال ﷺ: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصَّته» ([2]) وهو مُكرَّم لكونه يحمل كلام الله تعالى في صدره، وهذا أمـرٌ شريفُ لمن تدبَّره، فحُقَّ لمن حصَّل كتاب الله تعالى ألَّا يُشغل بالنَّوم عن تلاوته ومُدارسته، وألَّا يُشغل بالطَّعام والشَّراب عن تعليمه ومُجالسته، وألَّا يُشغل بما يُلهيه عن فهمه ومُؤانسته، فإنَّه ما كُرِّم ابتداءً إلَّا لكونه حافظ القرآن وأتقنه، وكلَّما ازداد إتقانه ازداد إكرامه؛ قال تعالى: {ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ} [العلق: 3] فقدر حافظ القرآن الكريم وفضله معلوم، وأعلى منه الحافظ المتدبِّر الذي ينتبه للمعنى، ويتيقَّظ للَّفظ، فيفهم عـن الله مراده، فتجده يسارع في إرضاء ربه وخالقه؛ لأنَّه فهم لـمَّا تدبَّر، وما تدبَّر - في الغالب - إلَّا لـمَّا حفظ.


(1) الأبيات من نظم: (عقود الجمان في آداب حامل القرآن) لشيخنا ابن أبي الحسن، وهو مطبوع.

(2)  حسن: رواه النَّسائيُّ في سننه، كتاب: (فضائل القرآن) باب: (أهل القرآن) برقم: (7977) وابن ماجه في سننه، باب: (من تعلَّم القرآن وعلَّمه) برقم: (215)، والدَّارميُّ في مقدِّمة السُّنن، باب: (فضل من قرأ القرآن) برقم: (3369) وإسناده ضعيف؛ فيه الحسن بن أبي جعفر، ذكره ابن حجر فيمن ضُعِّف حديثه مع عبادته وفضله، وضعَّفه الذَّهبيُّ، لكنَّه توبع من غيره، وأحمد في مسنده، مسند: (أنس بن مالك) برقم: (12292) والبيهقيُّ في مقدِّمة الشُّعب، باب: (تعظيم القرآن) فصل: (في تنوير موضع القرآن) برقم: (2434) وسنده حسن؛ فيه عبد الرَّحمن بن بديل العقيلي وثَّقه الذَّهبيُّ، وقال ابن حجر: لا بأس به.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله