الإجازة العامَّة بالقرآن الكريم في الميزان
ثمَّ اعلم - أدام الله بهجتك، وحرس مهجتك - أنِّي لا أُجيز بالعامِّ، ولا أسند العوامَّ؛ وإنَّما أدين لله تعالى بأنَّ الأولى في هذه الأزمان المتأخِّرة أن يُجاز بالخاصَّة؛ أي بكلِّ كتاب يقرأ على حده، وذلك لانعدام شرط الضَّبط والإتقان لعموم المرويَّات عند كثير من المجازين، بل والمجيزين! وهذا مطعن في الرِّواية، وبه تردُّ الإجازة؛ لأنَّ أهل العلم قد اشترطوا لصحَّة الرِّواية بالإجازة كمال الضَّبط والتَّثبُّت في طرفي الإجازة، أضف إلى هذا أنَّ كثيرًا ممَّن أُجيز بالعامَّة صار يفخر بها على أقرانه على الرَّغم من قلَّة بضاعته، وفساد صناعته، وقُبح صِياغته، والأولى ألَّا يُجاز الطَّالب المتَّصف بهذه الصِّفات إلَّا فيما قرأ ودرس، من باب الجمع بين الرِّواية والدِّراية؛ ليكون على الشَّرط الذي اتَّفق عليه، وكلَّما قلَّ المدروس ووقع الاعتناء به كان أثبت وأتقن.
رأي آخر
وأمَّا من لم يرَ بالإجازة العامَّة بأسًا فإنَّه لا يجوِّزها في علوم التَّلقِّي؛ وهي العلوم التي لا يتحقَّق العلم بها إلَّا بالتَّلقِّي من أفواه العارفين لها؛ كالقراءات القرآنيَّة وما يتعلَّق بها من مسائل؛ وإنَّما تشدَّدوا في هذا لأنَّ احتماليَّة تطرُّق الخطأ ثابتة؛ فقد يكون المجاز غير ضابط للَّفظ القرآنيِّ، في حين أنَّ الإجازة تُعطيه الحقَّ في روايته بالسَّند المتَّصل إلى مقام النُّبوَّة الشَّريف، فينتج عن هذا بلاء كبير، ويتحقَّق قول النَّبيِّ ﷺ: "إذا وُسِّد الأمر لغير أهله فانتظر السَّاعة"
اتِّصال الأسانيد
وأمَّا قولهم: "إنَّ الهدف من الإجازة بالعامَّة اتِّصال السَّند عبر الأزمان والعصور" فالأمر ليس على إطلاقه، وإنَّما يصحُّ هذا مع عالم ثبت علمه، واستفاض في العالمين فضله، فلا مانع أن يُجاز مثل هذا بالعامَّة من هذا القبيل؛ لتوفُّر شرط الضَّبط والإتقان والتَّثبُّت لما يرويه ويَقريه، بل هو أولى بالإجازة من غيره، وإلَّا فما فائدة اتِّصال السَّند عن طريق طالب جاهل لما يرويه، أو مبتدع في الدِّين ما ليس فيه، أو متكلِّم في أهل العلم بالتَّجريح والتَّقبيح والتَّسفيه، بل قد يكون اتِّصال السَّند بمثل هذا الطَّالب سببًا في لعن كلِّ مَن وصل السَّند إليه عن طريقه؛ لأنَّهم أَسندوا غير الفهيم، وأدخلوا في العلم كلَّ لئيم.
الفرق بين الإجازة، والشَّهادة
إنَّ الإجازة إذن من الشَّيخ للطَّالب بالرِّواية عنه، وعليه فإنَّها تكون بالقراءة لنفسه، والإقراء لغيره؛ حتى تكون إجازة، فإن كانت بالقراءة دون الإقراء فهي التَّزكية أو الشَّهادة، وإطلاق لفظ الإجازة عليها من باب التَّجوُّز، أو لتحقُّق النَّقل عن الشَّيخ المجيز بالقراءة دون الإقراء.