اللَّحن والخطأ في تلاوة القرآن الكريم
اللَّحن لغة: هو الميل عن الجادَّة.
واصطلاحًا: هو الخطأ والميل عن الصَّواب في تلاوة القرآن الكريم؛ وهو ثلاثة أنوع:
النَّوع الأوَّل: اللَّحن الجليُّ:
وهو خطأ يطرأ على الألفاظ فيخلُّ بعرف القراءة؛ سواء أخلَّ بالمعنى، أم لم يخلَّ؛ وسمِّي جليًّا لظهوره؛ فيشترك في معرفته المتخصِّصون وغيرهم.
وينقسم اللُّحن الجليُّ إلى قسمين:
القسم الأوَّل: اللَّحن الجليُّ الذي يُخلُّ بعرف القراءة وبالمعنى معًا: وهو ما كان الخطأ فيه من جهة الإعراب المؤثِّر على المعاني، أو تداخل مخارج الحروف، أو التَّفريط في الصِّفات المميِّزة للحرف ممَّا ينتج عنه إبدال بين الحروف المتشابهة.
فأمَّا ما كان من جهة تغيير الحركة الإعرابيَّة؛ كإبدال حركة حرف بحركة أخرى؛ فكقوله تعالى: {أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ} بضمِّ التَّاء ممَّا يحوِّل المعنى إلى نقيض المراد؛ لأنَّه يفيد أنَّ التَّاء للمتكلِّم وليس للمخاطَب؛ وعليه يترتَّب قلب المعنى رأسًا على عقب؛ لأنَّه يُفيد أنَّ القارئ هو المنعم؛ وهذا مخالف للمراد بلا مرية! وقد يتحوَّل المعنى القرآنيُّ مع اللَّحن الجليِّ من مراده إلى ما في بعضه كفر؛ لكنَّ صاحبه لا يكفر بمجرَّد وقوعه منه؛ لجهله، وعدم قصده.
وأمَّا ما كان من جهة تداخل مخارج الحروف؛ كإبدال حرف بحرف آخر؛ كقوله تعالى: {قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ} فإبدال حرف الثَّاء بالسِّين يحوِّل المعنى إلى ما لا يُراد قطعًا؛ إذ يدلُّ على التَّحطيم والتَّدمير، بينما المراد: الزِّيادة والبركة!.
وأمَّا ما كان من جهة التَّفريط في الصِّفات المميِّزة للحروف؛ كإبدال حرف بحرف آخر بجامع اقترابهما في المخرج؛ مثل إبدال الطَّاء تاء في قوله تعالى: {يَطۡبَعُ} فبالإبدال تغيَّر المعنى عن المراد؛ إذا أفاد معنى المتابعة، بينما المراد هو الختم والطَّبع على القلب.
القسم الثَّاني: اللَّحن الجليُّ الذي يُخلُّ بعُرف القراءة دون الإخلال بالمعنى: وهو ما كان الخطأ فيه من ناحية الإعراب غير المؤثِّر على المعاني، أو من ناحية زيادة تقع في بعض الكلمات أو نقص يطرأ عليها.
فأمَّا ما كان من جهة تغيير الحركة الإعرابيَّة غير المؤثِّرة في المعنى؛ فمثل إبدال حركة الرَّفع بحركة النَّصب في قوله تعالى: {قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ} فيقرأها: "الكافرين" فهذا الخطأ الإعرابيُّ لم يضرَّ بالمعنى؛ وإنَّما أحدث خللًا في عُرف القراءة، وشرخًا في جدار الفصاحة؛ وهذا الضَّرب من اللَّحن ممنوع لما فيه من التَّغيير في لغة العرب التي أنزل بها القرآن الكريم، وموافقتها ركن من أركان القراءة الصَّحيحة.
وأمَّا ما كان من ناحية زيادة تقع في بعض الكلمات؛ فمثل زيادة حرف الميم في قوله تعالى: {ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ} موضع المجادلة؛ فيقرأه القارئ: "ذلكم" وهذا خطأ منتشر على ألسنة العامَّة من القرَّاء؛ لذا وجب الحذر منه؛ وهذا الضَّرب من اللَّحن ممنوع ومحرَّم لما فيه من التَّحريف في القرآن الكريم بزيادة حرف غير ثابت.
وأمَّا ما كان من نقص يطرأ على بعض الكلمات؛ فمثل نقص حرف الألف في قوله تعالى: {نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ} موضع الحجر؛ فيقرأه القارئ: "نزلن" فيشتبه (نا) الدَّالة على العظمة بنون النِّسوة؛ وهذا خطأ منتشر؛ وسببه نقص مقدار المدِّ الطَّبيعيِّ؛ وهذا الضَّرب من اللَّحن ممنوع كسابقه لما فيه من إنقاص ما ورد؛ وهذا فيه نوع من التَّعدِّي بالتَّحريف، وإنقاص مقادير المدود الطَّبيعيّة عن مقاديرها المقرَّرة من قبيل اللَّحن الجليِّ؛ لأنَّ منه ما يؤثَّر على المعاني، كما أنَّ فيه إضرارًا بذات الحرف.
فائدة: ليس معنى أنَّ اللَّحن لا يُخلُّ بالمعنى أنَّه مقبول، ويُتجوَّز فيه؛ فإنَّ اللَّحن خطأ غير مقبول؛ سواء أضرَّ بالمعاني، أم بالمباني، أم لم يحصل معه ضرر.
النُّوع الثَّاني: اللَّحن الخفيُّ:
وهو خطأ يطرأ على الألفاظ فيُخلُّ بعرف القراءة والأداء؛ دون أن يُخلَّ بالمعنى؛ وسمِّي لحنًا خفيًّا لانفراد المتخصِّصين في معرفته دون غيرهم.
ومثال اللَّحن الخفيِّ في القراءة: ترك أيِّ حكم من الأحكام التَّجويديَّة؛ كترك الغنَّة في الحرف الأغنِّ، وإهمال المدِّ في الحرف المدود، والوقف على ما ينبغي الوقوف عنده، والابتداء بما يحسن البدء به ممَّا يجمل به الأداء والصَّوت.
ومن صور اللَّحن الخفيِّ: حصول تأثُّر بين الحروف المختلفة في الصِّفات بسبب التَّجاور؛ كأن يتأثَّر المرقَّق بالمفخَّم والعكس؛ وهو ما يُمكن تسميته بلحن التَّجاور؛ وعلاجه أن يخلِّص القارئ الحروف من بعضها، ومن خلاله تظهر مهارته؛ ولهذه الصُّورة في القراءة ستَّة احتمالات:
الاحتمال الأوَّل: وقوع حرف مرقَّق بين مفخَّمين؛ وهنا يغلِب على اللِّسان تفخيم المرقَّق الواقع بين عدوَّيه؛ نحو: {خَلَقَ} و: {ظَهَرَ} و: {صَلۡصَٰلٖ} لذا وجب تخليص الحروف الملتقية من بعضها خشية اللَّحن؛ وإنَّما يحصل التَّخليص بأن يقرأ القارئ حروف الكلمة دون اعتبار بما قبلها أو بعدها إلَّا فيما يلزم فيه الاعتبار.
الاحتمال الثَّاني: وقوع حرف مفخَّم بين مرقَّقين؛ وهنا يغلِب على اللِّسان ترقيق المفخَّم الواقع بين عدوَّيه؛ نحو: {مُّخۡتَلِفٌ} و: {نَقۡتَبِسۡ} والصَّواب إعطاء الحرف حقَّه تفخيمًا من غير تأثُّر بالسَّابق واللَّاحق.
الاحتمال الثَّالث: وقوع حرف مفخَّم قبل حرف مرقَّق؛ وغالب النَّاس يميلون إلى تفخيم المفخَّم لكن مع التَّهاون في مرتبة تفخيمه؛ نحو: {خَتَمَ} و: {ظَلَمُواْ} والمتقن يضع كلَّ حرف في مرتبته الصَّحيحة بدون زيادة أو نقصان.
الاحتمال الرَّابع: وقوع حرف مرقَّق قبل حرف مفخَّم؛ وهنا يقع كثير من النَّاس في الخطأ فيُفخِّمون المرقَّق؛ نحو: {نَصۡرُ} والصَّواب الحرص الشَّديد على إعطاء الحرف حقَّه من التَّرقيق، بحيث لا يتأثَّر بغيره.
الاحتمال الخامس: توالي المتَّفقات ترقيقًا؛ بأن يتوالى حرفان مرقَّقان؛ نحو: {شَآءَ}.
الاحتمال السَّادس: توالي المتَّفقات تفخيمًا؛ بأن يتوالى حرفان مفخَّمان؛ نحو: {ضَرَبَ} ولا إشكاليَّة في هذين الاحتمالين الأخيرين عند النَّاس في الغالب.
النوع الثَّالث: اللَّحن الأخفى:
وهو ما يقع في التِّلاوة من أخطاء تخصُّصيَّة بحتة لا يتمكَّن من ملاحظتها عامَّة القرَّاء؛ بل يعرفها خاصَّة الخاصَّة من المتخصِّصين في القراءة والإقراء= وهو ما يُمكن تسميته بفنِّيَّات التِّلاوة.
ومثال اللَّحن الأخفى في القراءة: الزِّيادة والنُّقصان، والإفراط والتَّفريط في الحكم التَّجويدي؛ كالنَّقص والزِّيادة في مقادير الغنَّة، أو المدِّ، أو أزمنة الحروف، أو الوقف أو الابتداء بما لا يُراد.
فائدة: اللَّحن الجليُّ هو ما تعلَّق بالإعراب، أو المخارج، أو الصِّفات، وأمَّا اللَّحن الخفيُّ فهو ما تعلَّق بالأداء القرآنيِّ، والأحكام التَّجويديَّة الظَّاهرة التي لا تخفى على الدَّارسين، وأمَّا اللَّحن الأخفى فهو ما تعلَّق بالأحكام التَّجويديَّة الخفيَّة الفنيَّة التي لا سبيل إلى معرفتها إلَّا للنُّخبة من أهل التَّخصُّص؛ لحاجتها إلى خبرة ودربة وإجادة.
واعلم - رعاك الله - أنَّ السَّلامة من اللَّحون جلِّها وخفيِّها وأخفاها لا يتأتَّى بمجرَّد الدِّراسة والمعرفة العقليَّة، بل يحتاج إلى ممارسة ودربة وقراءة على الشُّيوخ من الحذَّاق المهرة؛ فإنَّهم أكثر النَّاس إدراكًا للأخطاء دقيقها وجليلها، وفوق ذلك يُعلِّمون الطَّالب الطُّرق السَّليمة للأداء، وكلَّما كثرت خبرة الأساتذة تمكَّنوا من إفادة الطُّلَّاب بالطُّرق المختصرة لمعالجة الأخطاء، ولو اعتمد الطَّالب القراءة الذَّاتيَّة فإنَّه لا يقف على أكثر أخطائه، ولو وقف عليها فإنَّه لا يقدر على الإصلاح الأيسر الذي لا يُبذَل فيه مجهود زمنيٌّ وعضليٌّ؛ فالعاقل من ذهب لأهل العلم وجلس بين أقدامهم.