الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تَبيِينُ الجَازِمِ، وَتَوجِيهُ الحَازِمِ، لِمَوضِعِ الوَقفِ اللَّازِمِ

(تَحلِيلُ مَوضِعِ آيَةِ التَّزيِينِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ)

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

وبعد: فقد وجَّه إليَّ بعض الفضلاء [1] سؤالًا مضمونه: صلَّيت بالنَّاس بموضع الوقف اللَّازم من آية التَّزيين في سورة البقرة [2]، وكنت عازمًا على الوقف على موضع اللُّزوم فيها، ثمَّ لم أنتبه له فوصلته حتى بلغت تمام الآية، فما التَّوجيه الأنسب أرشدكم الله؟

وللجواب أقول مستعينًا بالله تعالى:

اعلم - أدام الله بهجتك، وحرس مهجتك - أنَّ الوقفيِّين [3] من العلماء مختلفون في موضع الوقف اللَّازم من قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا ‌وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ} [البقرة: 212] بين: [اللُّزوم، والكفاية [4]، والحسن [5]] لاختلافهم في الواو الدَّاخلة على الاسم الموصول من: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ} [6] فهم فيها على رأيين، على كلِّ رأيٍّ منهما يتعيَّن حكم يختلف عن الآخر؛ فالأحكام الوقفيَّة تدور مع التَّأويل الإعرابيِّ وجودًا وعدمًا؛ فقد يلزم الوقف على تأويل، ويحسن على آخر:

الرَّأي الأوَّل: الواو استئنافيَّة لا تعلُّق لها بما بعدها، وجملة: {وَيَسۡخَرُونَ [7] مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ} حاليَّة = وتقديرها وهم يسخرون، وعليه يعدُّون الوقف لازمًا، وممَّن يرى ذلك السَّجاونديُّ [8] رحمه الله قال في علله: "ولو وصل صار: {فَوۡقَهُمۡ} ظرفاً لـ: {وَيَسۡخَرُونَ}، أو حالًا لفاعله، وقُبْحُهُ ظاهرٌ" [9]

الرَّأي الثَّاني: الواو عاطفة عطف جملة على جملة، وهؤلاء مختلفون في نوعي التَّعلُّق بالعطف في الآية الكريمة على قولين يتعيَّن على كلِّ قول منهما حكم:

الأوَّل: التَّعلُّق تامٌّ لفظًا ومعنًى، وعليه يجعلون الوقف حسنًا، والقائلون به يُجوِّزون الوقف على الجملة الأولى، ويستحسنون البدء الاستقلاليَّ بالجملة الثَّانية لإمكانيَّة الاستغناء، وبه يقول الإمام أبو جعفر النَّحَّاس [10] رحمه الله في ائتنافه: "قوله تعالى: {وَيَسۡخَرُونَ ‌مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ} وقف حسن، ثمَّ يبتدئ: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ} تامٌّ" [11] والإمام ابن الأنباريِّ [12] رحمه الله في إيضاحه: "والوقف على قوله تعالى: {مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ} حسن، وكذلك: {وَيَسۡخَرُونَ ‌مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ} وتبتدئ: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ} ثمَّ تقف على: {ٱلۡقِيَٰمَةِۗ}" [13] والإمام الأشمونيُّ [14] رحمه الله في مناره حيث قال: "قوله: {ءَامَنُواْۘ} حسن، ومثله: {يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ}" [15] وهذا الخلاف الحاصل في هذه المسألة من مسائل الوقف اللَّازم تُشير إلى أنَّ مواضع الوقف اللَّازم غير مُجمع على لزومها، فيختلف فيها العلماء لعوامل متعدِّدة؛ كاختلافهم في الإعراب والمعنى ونسبة حصول الإيهام وفساد المراد، ويُمكن تقسميها إلى قسمين:

1 - ما اختُلف فيه بين اللُّزوميَّة والحسن، مع وجاهة اللُّزوم: وهي المواضع التي يحتمل وصلها ما لا يليق بالله تعالى أو يُثبت ما يُخالف أصلًا من أصول العقيدة، فتكاد تنعقد على لزوميَّتها كلمة الوقفيِّين قولًا أو عملًا؛ مثاله قوله تعالى: {فَلَا ‌يَحۡزُنكَ ‌قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ} [يس: 76]  فالوقف لازم راجح اللُّزوم عند أكثر أهل العلم؛ لئلَّا يُنسب إلى الكافرين ما لا يجوز نسبته إلَّا لله تعالى، مع مخالفة المراد، فهم لم يقولوا ذلك، ومن قال من العلماء بغير اللُّزوم فعلى اعتبار الحكاية لا النِّسبة.

2 - ما اختُلف فيه بين اللُّزوميَّة والحسن، مع وجاهة الاختلاف: وهي المواضع التي لا يتأثَّر فيها المعنى في حقيقة الواقع، فالتَّوهُّم معه بعيد، والقول بالفاسد غير وارد، ولكنَّ الوقف من أجل الحفاظ على رونق القراءة وجمال النَّصِّ بفصل ما يحتمل وصله الإيهام لاستقلاليَّة المعاني، وسلامة المراد، مثاله قوله تعالى: {وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ ‌وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ} [آل عمران: 7] فلا يخفى الخلاف الوجيه الواقع في هذه المسألة بين المفسِّرين، والذي اختلفت بسبه كلمة الوقفيِّين [16] بين التَّمام [17] والحسن لاختلافهم في نوع الواو في قوله: {وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ ‌وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ} فمن جعلها استئنافيَّة وقف [18]، وهو الرَّاجح عند الجمهور [19] لاختصاص الله تعالى بعلم التَّأويل، ومن جعلها عاطفة وصل.

الثَّاني: التَّعلُّق ناقص لفظًا لا معنًى، وعليه يجعلون الوقف كافيًا، فيُجوِّزون الوقف، ولا يستحسنون البدء الاستقلاليَّ، وبه يقول أبو عمرو الدَّاني [20] رحمه الله في المكتفى: "قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ} كاف" [21]

ويترجَّح الوقف اللَّازم لما يلي:

1 - لرفع الإيهام الحاصل بالوصل بجعل السُّخرية [22] شاملة للمؤمنين والمتَّقين، وهذا وإن جاز لغة إذا اعتبرت الواو عاطفة لا استئنافيَّة، إلَّا أنَّه غير مراد من الآية؛ فالمفسِّرون مُطبقون على أنَّ المراد ارتفاع منزلة المتَّقين على الكافرين يوم القيامة، فهي بمثابة جملة ردٍّ على سخريَّة الكافرين من المؤمنين، فيتأيَّد الوقف والاستئناف اللَّازمان.

2 - للتَّفرقة بين مقامين:

أ - مقام الدُّنيا الذي فيه التَّزيين [23] والسُّخرية للكافرين، وما فيها من مقابلة تمسُّك الكافرين بها فيسخرون من أهل الإيمان، الذين لا يُبالون بالدُّنيا بل يسعون إلى ما عند الله تعالى من الجزاء الحسن.

ب - مقام الآخرة الذي يمتاز فيه المتَّقون عند ربِّهم يوم القيامة على الكافرين؛ لأنَّهم قوم عملوا للآخرة وسعوا لما فيها من حسن الجزاء، فنالوا الفضل العظيم، وخاب سعي الكافرين الذين تكبَّروا على المؤمنين.

وختامًا: أوصي بتدريس علم الوقف والابتداء لكلِّ متصدِّر للإمامة والمحراب والدَّعوة والتَّعليم؛ للحاجة الماسَّة إليه في القراءة والأداء وحسن التَّبليغ، فمن علم تجنَّب الوقوع في الخلل، والجماهير معلَّقون برقاب المتصدِّرين، ويترقَّبون الفائدة من مجالسة المتصدِّرين، فليحرص أهل العلم على التَّكوين المعرفيِّ لطلَّابهم قبل تصديرهم للتَّعليم والتَّبليغ والنَّشر.

والله أعلم وأحكم، وهو أعزُّ وأكرم

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله