ب - مقام الآخرة الذي يمتاز فيه المتَّقون عند ربِّهم يوم القيامة على الكافرين؛ لأنَّهم قوم عملوا للآخرة وسعوا لما فيها من حسن الجزاء، فنالوا الفضل العظيم، وخاب سعي الكافرين الذين تكبَّروا على المؤمنين.
(1) السَّائل الكريم أحد أساتذة الجامعات المجتهدين، ومن شدَّة حرصه على العلم يسأل ويتعلَّم ويتواضع للعلم والسُّؤال، وهذا من التَّوفيق والإيمان، فمن أعظم آفات العلم الكبرُ بطر الحقِّ وغمط النَّاس؛ فإنَّه يحول بين المرء وبين السُّؤال والمناقشة والاعتراف بالخطأ، وما هضم رجلٌ نفسَه إلَّا ارتقى درج المجد وسُلَّم الإيمان، وما تعالت النَّفس إلَّا سقطت في أودية الهلاك فهلكت بالعجب أو الرِّياء أو الغرور، فليعتبر طلُّاب العلم بذلك، وليُدركوا حقيقة العلم الدَّالَّة على أنَّه لم يجمع العلَم أحدٌ، ولم يُحرَم منه أحدٌ، فحرص العقلاء في كلِّ زمان ومكان على التَّكامل مع النَّاس في باب العلم وتناقل المعرفة؛ فينفع الآخرين بما عنده من درر علومه، وينفعه الآخرون بما عندهم من جليل معارفهم ممَّا ليس عنده، فمن علم حجَّة على من لم يعلم، والتَّكامل المعرفيُّ بوابة الانتقال من الجهل والضَّلالة إلى العلم والهداية، ومفتاحها السُّؤال والتَّلقِّي والتَّتلمُذ والمشافهة، والموفَّق هو من تواضع للعلم، وانكسر للمعرفة، وهُدي إلى هضم النَّفس، ولم يجعل حاجزًا بينه وبين الانتفاع بكلِّ عليم في بابه الذي يُحسنه، ولو كان صغير السِّنِّ، أو بعيد الشُّقَّة، أو ضعيف الجاه، أو قليل المال، أو معدودًا في غبراء النَّاس، ليس محسوبًا من أشرافهم نسبًا ووجاهة، والمتتبِّع لأهل العلم في الأزمان الغابرة يراهم ممَّن فقدوا كثيرًا من أركان الوجاهة المجتمعيَّة الماليَّة أو النَّسبيَّة أو القبليَّة أو الوظيفيَّة، وبقيت علومهم شاهدة على صدقهم في تحصيلها، وتواضع أهل زمانهم لهم بالأخذ والتَّلقِّي والتَّحمُّل عنهم؛ وإذا انهدم ركن من هذين الرُّكنين ضاعت العلوم؛ فالمعرفة مفقودة بين مُرائي ومُعرِض.
(2) المراد به موضع الوقف اللَّازم الوارد في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ} [البقرة: 212]
(3) مصطلح أردتُّ به علماء الوقف والابتداء على وجه الاختصار، وغلَّبت الوقف على الابتداء؛ لكونه محلُّ التَّميُّز والجهد.
(4) الوقف الكافي: هو الوقف على ما أفاد معنًى في ذاته وتعلَّق بما بعده معنًى - بوجه من أوجه التَّعلُّق المعنويِّ - لا لفظًا؛ يقول ابن الجزريِّ رحمه الله : "وهو الذي انفصل ممَّا بعده في اللَّفظ، وله به تعلُّق في المعنى بوجه" التَّمهيد في علم التَّجويد، ص: (171).
وسمِّي كافيًا لاكتفائه عمَّا بعده بما أفاده من معنًى في نفسه، ولا يعني تعلُّقه المعنويُّ ضرورة الوصل، بل يكفي الوقف، ويجوز الوصل ليبلغ حدَّ التَّمام، وعليه فالوقف الكافي جزء من الوقف التَّامِّ، أي أنَّ الاكتفاء به جائز ومقبول، والارتقاء به إلى درجة التَّمام عن طريق وصله بما بعده؛ فالوقف الكافي هو ما يُكتفَى فيه بالوقف على ما ارتبط بما بعده في المعنى - كأن يكون الوقف على ما وقع بعده إشارة إليه في محلِّ الابتداء - ويكون البدء بما بعده استقلالًا، لانقطاع التَّعلُّق اللَّفظيِّ، ولا حرج في البدء مع التَّعلُّق المعنويِّ لدوام اتِّصال القراءة وعدم انقطاعها بقيام القارئ أو الرُّكوع.
يُعدُّ الوقف الكافي أكثر أنواع الوقف الاختياريِّ الجائز في القرآن الكريم؛ لقوَّة الارتباط بين الكلمات والجمل في المعنى فيما يُعرَف بالتَّناسب بين الكلمات والآيات والسُّور، فالاتِّصال الوثيق بين الكلمات أدَّى إلى حصول التَّعلُّق المعنويِّ بينها، فكثر الوقف الكافي الذي يكون فيه تعلُّق معنويٌّ بين الكلمات؛ للدَّلالة على الوحدة الموضوعيَّة والبنائيَّة في القرآن الكريم، وهذا لون من ألوان الإعجاز القرآنيِّ، ففيه تماسك وانسجام وارتباط بين جزئيَّاته ووحدة بنائه الكلمات والجمل، بخلاف الوقف التَّامِّ ففيه استقلاليَّة أقرب إلى التَّمام والاستغناء والاكتفاء بالوقف، مع وجود رابط وخيط يربط بينه وبين ما بعده يُدرك بالتَّدبُّر والتَّفكُّر والنَّظر، ولكنَّه لـمَّا كان خفيًّا يُرى بالإمعان كان الوقف تامًّا لخفاء الرَّابط المعنويِّ بين الجملتين، وكافيًا فيما ظهر فيه خيط الرَّابط المعنويِّ؛ للتَّفرقة بين الوقفين، وقد يقع وقف كاف أقرب إلى التَّمام منه إلى الكافي.
ومن مواضع الوقف الكافي في القرآن الكريم أن يقع بعدها بل الإضرابيَّة، لما في البدء بها من انقطاع السَّابق عن اللَّاحق فهي تعني كأنَّ الأوَّل السَّابق منفيٌّ مسكوت عنه، وأنَّ الحكم بالإثبات والإقرار للجملة اللَّاحقة، وأمَّا الوقف على ما قبل حرف الإضراب فلما فيه من معنى اختلاف الحكم والمقام.
ويحسن الوقف على مواضع الوقف الكافي في القرآن الكريم لاسيَّما إذا طالت الفاصلة القرآنيَّة أو بعُدت مواضع الوقف وغلب على الظَّنِّ عدم القدرة على مواصلة القراءة إلى موضع الوقف التَّامِّ لضيق النَّفَس ونحوه، ويصحُّ الابتداء بما بعده استقلالًا دون الحاجة إلى إعادة شيء من كلمات الجملة السَّابقة؛ لعدم التَّعلُّق اللَّفظيِّ الذي يحمل على تصحيح البدء بوصل المتعلِّقات من خلال إعادة أقرب كلمات يتمُّ بها الإعراب، واتِّصال القراءة يُغني عن الحاجة إلى تكرار الكلمات والحروف.
(5) الوقف الحسن: هو الوقف على ما أفاد معنًى صحيحًا في ذاته لكنَّه متعلِّق بما بعده لفظًا ومعنًى، فلا يصحُّ البدء بما بعده استقلالًا لقوَّة التَّعلُّق بين البدء وما قبله من جملة الوقف، يقول ابن الجزريِّ رحمه الله : "وهو الذي يحسن الوقف عليه، لأنه كلام حسن مفيد، ولا يحسن الابتداء بما بعده، لتعلُّقه به لفظًا ومعنًى" التَّمهيد في علم التَّجويد، لابن الجزريِّ، ص: (174).
وأكثر وقوفات القرآن الكريم حسنة تحمل معنًى حسنًا صحيحًا في ذاتها؛ فالنَّصُّ القرآنيُّ جميل المعنى، عظيم المبنى، جليل السِّياق، حلو المذاق، ليس في كلام العرب - مع قوَّته - ما يُضاهيه أو يُجاريه أو يُحاكيه، واشتمال الكلام القليل على المعنى المفيد من أصول الكلام البليغ، وهذا في شأن كلِّ كلام فصيح، وهو في أفصح الكلام أظهر وأكثر، ففيه كنوز المعاني تكشفها أقلُّ وحدة من المباني، ومازال القرَّاء يقفون على درر الوقوف، ويُظهرون ما خفي من معانيه في الكهوف، ورُبَّ قارئ ضيِّق النَّفس وقف على كلمات تُؤدِّي من المعاني ما لم يتحقَّق بعضُه لقارئ طويل النَّفس؛ فالعِبرة بتمام المعاني لا اكتمال المباني؛ ولهذا يصحُّ الوقف على كلِّ ما أفاد معنًى في ذاته، ولكنَّه لا يحسن البدء بما بعده استقلالًا، بل لابدَّ من اختيار الكلمة التي يتَّصل بها السِّياق بالسِّباق واللِّحاق ليكتمل المعنى ويتَّصل اللَّفظ، وهي الكلمة المزدوجة التي يصحُّ الوقف عليها والبدء منها، وأعقل القرَّاء من وقف على ما يبدأ بما بعده، فإن لم يكن وقف على ما يبدأ به، فإن لم يكن وقف على ما يبدأ بما قبله بكلمة، فإذا زادت الكلمات بإعادة أكثر كلمات الوقف السَّابق فهذا دليل على ضعف القارئ في تحديد الكلمة المناسبة للوقف أو للبدء؛ فلا ينبغي الإكثار من الكلمات المعادة في الوقف والبدء، وتقليل الكلام أنفع للنَّفَس والسِّياق والمعنى.
ويصحُّ البدء بما بعد الوقف الحسن إذا كان رأس آية؛ لأنَّه يُغتفر في بدايات الآيات ما لا يُغتفر في أوساطها، فإذا وقع موضع بعد الوقف الحسن كلمة متعلِّقة بما بعدها لفظًا ومعنًى في أوَّل الآية جاز البدء بها لكونه وقعت في أوَّل الآية؛ كالبدء بحرف الاستثناء: (إلَّا) - فمع تعلُّقه بما قبله لفظًا ومعنًى وعدم جواز البدء به استقلالًا في وسط الآية - إذا وقع في بداية الآية.
وبين الوقف الحسن والبدء القبيح علاقة ظاهرة، فجلُّ البدء القبيح ناتج عن البدء بكلمة لها تعلُّق ظاهر بما قبلها، فبترها عن سباقها يُحدث فسادًا في سياقها، وسبيل السَّلامة من قُبح البدء معاودة قراءة ما يحسن به البدء بوصل جملة البدء ببعض كلمات جملة الوقف المتعلِّقة بما بعدها، ولو بدأ القارئ بما بعد الوقف الحسن فهو واقع في مخالفة الأَولى للبدء بما له تعلُّق لفظيٌّ ومعنويٌّ بسابقه، أو واقع في البدء بقبيح إذا أفاد البدء ما يُوهم خلاف المراد؛ كالبدء بقوله: {يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ} [الممتحنة: 1] فالوقف على كلمة: {الرَّسول} حسن لإفادة معنى إخراج كفَّار مكَّة للرَّسول، ولكنَّه لا يجوز البدء به لما يُفيده من معنى النَّهي عن الإيمان بالله، وهذا غير مراد من السِّياق، وهذا نوع من التَّحريف المعنويِّ لإفادته ما لا يُراد من المعاني.
(6) ووجه الفوقيَّة للمؤمنين على الكافرين مجازاتهم من جنس أعمالهم؛ فإنَّ الكافرين سخروا من المؤمنين في الدُّنيا، واحتقروهم وهوَّنوا من شأنهم، فكانت لهم الغلبة في الدُّنيا القصيرة البالية، فلمَّا حقَّت الحاقَّة، وقرعت القارعة، وقامت القيامة، تبدَّلت الأحوال، فانتقل الكافرون من الدُّنيا التي ارتفعوا فيها على المؤمنين إلى السُّفول في كلِّ شيء؛ فهم الأسفل في الدركة والمنزلة والموقع والمكانة والقدر والجزاء، وارتقى المؤمنون عليهم في كلِّ شيء؛ قال ابن كثير رحمه الله : "فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقرُّوا في الدَّرجات في أعلى عليِّين، وخُلِّد أولئك في الدَّركات في أسفل سافلين" تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (1/ 424).
ولم يتعيَّن متعلِّق الفوقيَّة بل أُطلق ليُفيد العموم ؛ فالمتَّقون فوق الكافرين في كلِّ شيء، وما أجمل تعبير الطَّاهر بن عاشور رحمه الله حين قال: "والفوقيَّة هنا فوقية تشريف وهي مجاز في تناهي الفضل والسِّيادة كما استعير التَّحت لحالة المفضول والمسخَّر والمملوك، وقيِّدت بيوم القيامة تنصيصًا على دوامها؛ لأنَّ ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية... وقوله: {وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ} تذييل قصد منه تعظيم تشريف المؤمنين يوم القيامة؛ لأنَّ التَّذييل لابدَّ أن يكون مرتبطًا بما قبله، فالسَّامع يعلم من هذا التَّذييل معنى محذوفًا تقديره: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ} فوقيَّة عظيمة لا يُحيط بها الوصف؛ لأنَّها فوقيَّة منحوها من فضل الله، وفضل الله لا نهاية له، ولأنَّ من سخريَّة الذين كفروا بالذين آمنوا أنَّهم سخروا بفقراء المؤمنين لإقلالهم" التَّحرير والتَّنوير، للطَّاهر، (2/ 297).
(7) والتَّعبير عن السُّخرية بالفعل المضارع: {وَيَسۡخَرُونَ} للدَّلالة على الاستمراريَّة والدَّيمومة من الكافرين؛ فلا يتوقَّفون عن السُّخرية والإيذاء كلَّما رأوا المؤمنين؛ وبه يُصرِّح قولُه تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ ٢٩ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ} [المطففين: 29-32] وهذه عادتهم في كلِّ زمان ومكان مع عموم أهل الإيمان؛ وهي سمة في المكذِّبين للرُّسل عبر الأعصار؛ قال تعالى: {وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} [الأنعام: 9] وقد فعلوها مع نوح عليه السَّلام قال تعالى: {وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ} [هود: 38]
فالسُّخرية والاستهزاء بالنَّاس من أظهر الصِّفات المتفشِّية في الكفرة والمعاندين عبر الأزمان؛ لما يُقرُّه الكفر في قلوبهم وجوارحهم وطِباعهم من العِناد والتَّعالي على النَّاس؛ فظهر منهم في حقِّ الأنبياء والمرسلين عليهم السَّلام ؛ وقد سار أهل الجاهليَّة على مذهب آبائهم وأجدادهم من الكفَّار عبر التَّاريخ؛ من السُّخرية والاستهزاء من المؤمنين فقد كانوا يضحكون منهم إذا مرُّوا بهم، وهذا يدلُّ على حجم الابتلاء الذي يتعرَّض له المؤمنون من إصرار الكافرين على إيذائهم والسُّخرية منهم، وقد تتطوَّر السُّخرية والاعتداءات المعنويَّة لتصل إلى الهجوم والاعتداءات الجسديِّة في أزمان قوَّة الكفر واستئساد الخِراف واستضعاف الأسود، والتَّاريخ يعجُّ بالقصص والمواقف التي مرَّت بها جماعة المؤمنين من عُصبة الكفر والحِقد الدَّفين؛ وفي جميع فصول مجريات الأحداث في عموم الأزمان كانت العاقبة للمتَّقين؛ يقول الطَّاهر بن عاشور رحمه الله : "لما اقتضت الأخوَّة أن تَحسُن المعاملة بين الأخوين، كان ما تقرَّر من إيجاب معاملة الإخوة بين المسلمين يقتضي حسن المعاملة بين آحادهم، فجاءت هذه الآيات منبِّهة على أمور من حسن المعاملة قد تقع الغفلة عن مراعاتها؛ لكثرة تفشِّيها في الجاهليَّة لهذه المناسبة... وقد تعرَّضت الآيات الواقعة عقب هذا النِّداء لصنف مهمٍّ من معاملة المسلمين بعضهم لبعض ممَّا فشا في النَّاس من عهد الجاهليَّة التَّساهل فيها، وهي من إساءة الأقوال، ويقتضي النَّهي عنها الأمر بأضدادها؛ وتلك المنهيَّات هي السُّخرية، واللَّمز، والنَّبز" التَّحرير والتَّنوير، للطَّاهر بن عاشور، (26/246).
ووجه سخرية الكافرين من المؤمنين أنَّهم يسخرون من طلب المؤمنين للآخرة والأجر العظيم في الآجل، ويتركون التَّلذُّذ بالزِّينة والمتع والشَّهوات المزيَّنة في الدُّنيا، ممَّا جعلهم فقراء لا مال لهم ولا متاع؛ لأنَّهم لا يحرصون على جمعه من غير موار حلِّه، فيسخر الكافرون من فقرهم وعوزهم مع تمسُّكهم بالآخرة؛ قال القرطبيُّ رحمه الله : "قوله تعالى: {وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ} إشارة إلى كفَّار قريش، فإنَّهم كانوا يُعظِّمون حالهم من الدُّنيا ويغتبطون بها، ويسخرون من اتِّباع محمَّد ﷺ ؛ قال ابن جريج: في طلبهم الآخرة. وقيل: لفقرهم وإقلالهم، كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم، رضي الله عنهم " الجامع لأحكام القرآن، للقرطبيِّ، (3/ 29).
ولا يمنع أنَّ الكافرين يسخرون من المؤمنين لشعورهم بالغيرة منهم أن هُدوا إلى الحقِّ الذي حادوا عنه؛ قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ} [البقرة: 109] وقال سبحانه: {قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ} [المائدة: 59] وقال تعالى: {وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ} [البروج: 8] فقد حرص أهل الكفر على إيذاء أهل الإيمان في كلِّ زمان ومكان؛ لشعورهم بالغيرة منهم بسبب إيمانهم بالله تعالى الذي أكرمهم بلذَّة لا تجلبها لهم أموالهم ولا يجدونها في حياتهم، فسعوا إلى إفساد حياتهم عليهم بالسُّخرية والإيذاء؛ قال الطَّاهر بن عاشور رحمه الله : "وهذه حالة أعجب من التي قبلها وهي حالة التَّناهي في الغرور؛ إذ لم يقتصروا على افتتانهم بزهرة الحياة الدُّنيا حتى سخروا بمن لم ينسِج على منوالهم من المؤمنين الذين تركوا كثيرًا من زهرة الحياة الدُّنيا لما هداهم الدِّين إلى وجوب ترك ذلك في أحوال وأنواع تنطوي على خبائث" التَّحرير والتَّنوير، للطَّاهر بن عاشور، (2/ 296).
(8) السَّجاونديُّ رحمه الله: هو أبو عبد الله محمد بن طيفور الغزنويُّ السَّجاونديُّ المقرئ المفسِّر النَّحويُّ الوقفيُّ الكبير رحمه الله ، كان مشتغلًا بالنَّحو والقراءات والوقف؛ له كتاب في تفسير القرآن الكريم، وكتاب في علل القراءات؛ قال القفطيُّ: "صنَّف كتابًا في تفسير القرآن العزيز سمَّاه عين التَّفسير، ذكر فيه النَّحو وعلَّل القراءات والأبيات ومعانيها واللُّغة إلى غير ذلك من معانى التَّفسير في مجلَّدات أعدادها قليلة، وفوائدها كثيرة جليلة، واختصر ولده هذا التَّفسير، وسمَّاه إنسان العين" إنباه الرُّواة، للقفطيِّ، (3/ 153).
وهو مرجع في علم الوقف له كتاب: (علل الوقوف) قال عنه الذَّهبيُّ رحمه الله : "له كتاب: (الوقف والابتداء) في مجلَّد كبير يدلُّ على تبحُّره، ولم يبلغني على من قرأ، ولا من أخذ عنه" - تاريخ الإسلام، للذَّهبيِّ (12/ 206) – وقال ابن الجزريِّ رحمه الله : "إمام كبير محقِّق مقرئ نحويٌّ مفسِّر، وكان من كبار المحقِّقين" غاية النِّهاية في طبقات القرَّاء، لابن الجزريِّ، (2/ 157).
(9) علل الوقوف، للسَّجاونديِّ، (1/ 168).
(11) القطع والائتناف، لأبي جعفر النَّحَّاس، ص: (97).
(12) ابن الأنباريِّ رحمه الله: العلَّامة أبو بكر محمَّد بن القاسم بن محمَّد بن بشَّار بن الحسن المعروف بابن الأنباريِّ، المقرئ النَّحويُّ البغداديُّ، قال الذَّهبيُّ رحمه الله : "الإمام، الحافظ اللُّغويُّ ذو الفنون، أبو بكر محمَّد بن القاسم بن بشَّار بن الأنباريِّ، المقرئ النَّحويُّ" - سير أعلام النُّبلاء، للذَّهبيِّ، (15/ 274) - وكان من أئمَّة العلم والحفظ والرِّواية والنَّقل؛ قال عنه ابن الجزريِّ رحمه الله : "الإمام الكبير والأستاذ الشَّهير... قال أبو عليٍّ القالي: كان ابن الأنباريِّ يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدًا في القرآن وكان ثقة صدوقًا، وكان أحفظ من تقدَّم من الكوفيِّين... وقال الدَّانيُّ فيه: إمام في صناعته مع براعة فهمه وسعة علمه وصدق لهجته" - غاية النّهاية في طبقات القرَّاء، لابن الجزريِّ، (2/ 230) - وقال ابن العماد الحنبليُّ رحمه الله : "الإمام العلَّامة ابن الأنباريِّ أبو بكر محمَّد بن القاسم بن بشَّار النَّحويُّ اللُّغويُّ، صاحب المصنَّفات... وقال محمَّد بن جعفر التَّميميُّ: ما رأينا أحفظ من ابن الأنباريِّ، ولا أغزر بحرًا، حدَّثوني عنه أنَّه قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقًا" شذرات الذَّهب في أخبار مَن ذهب، لابن العماد، (4/ 152).
(13) إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباريِّ، (1/ 549).
(14) الأشمونيُّ رحمه الله: أحمد بن محمَّد بن عبد الكريم بن محمَّد بن أحمد بن عبد الكريم الأشمونيُّ، الشَّافعيُّ، فقيه، مقرئ، له من التَّصانيف: منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، والقول المتين في بيان أمور الدين، تندر ترجمته في كتب التَّراجم، والمعلومات المتاحة عنه قليلة، والتَّاريخ والتَّراجم والسِّير من الأمور التي لا يُقبل فيها الاجتهاد والتَّأليف من غير روايات منقولة عن الثِّقات، وممَّن أشار إليه: معجم المؤلِّفين، لعمر رضا كحَّالة (2/ 121).
فائدة: وقلَّة مادَّة ترجمته رحمه الله في كتب التَّراجم أوقع البعض في خطأ علميٍّ ظاهر، حيث نسبوا كتابه: (منار الهدى في بيان الوقف والابتدا) إلى الإمام عليِّ بن محمَّد بن عيسى، أبي الحسن، نور الدِّين الأشمونيِّ، وهو نحويٌّ، من فقهاء الشَّافعيَّة، شارح الألفيَّة؛ قال عنه ابن العماد الحنبليُّ: "نور الدِّين أبو الحسن عليٌّ الأشمونيُّ الشَّافعيُّ الفقيه الإمام العالم العامل الصَّدر الكامل المقرئ الأصوليُّ" - شذرات الذَّهب في أخبار من ذهب، لابن العماد، (10/ 229) – وممَّن وقع في هذا الخطأ مطبعة مصطفى البابي الحلبيِّ حين طبعت كتاب: (منار الهدى) قالت: "أحمد بن عبد الكريم بن محمَّد بن عبد الكريم الأشمونيُّ الشَّافعيُّ المقرئ الفقيه، من علماء القرن الحادي عشر، صاحب منار الهدى وهو من أشهر كتب المتأخِّرين، وله القول المتين في أمور الدِّين، لم يُظفر له بترجمة كافية، له مجموعة من الإنجازات والمؤلفات أبرزها: (شرح الأشمونيِّ على ألفيَّة [ابن] مالك المسمَّى منهج السَّالك إلى ألفيَّة ابن مالك) و: (منار الهدى في بيان الوقف والابتدا، ومعه المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء) ط: الحلبيِّ" النَّاشرين: مطبعة مصطفى البابي الحلبيِّ على موقعهم: https://books-library.com/@Ahmad-Ibn-Abdulkareem-al-Ashmouni
والفرق بينهما كبير؛ فالأشمونيُّ النَّحويُّ من أعلام القرن التَّاسع، والأشمونيُّ المقرئ الوقَّاف من علماء القرن الحادي عشر، فبينهما مفاوز زمنيَّة، وإن كانا من أشمون مصر، وندرة المادَّة التَّاريخيَّة عن المترجَم له لا ينبغي أن تحمل على التَّلفيق ونسبة جهوده لغيره من المشهورين، بل توجب المزيد من التَّحرِّي والبحث عن ترجمته في كتب جيله والأجيال التَّالية لجيله، مع الصِّدق في النَّقل والأمانة في نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه مع الاكتفاء بما ورد من مادَّة ترجمته في كتب التَّراجم؛ فالنَّقل بالأمانة.
(15) منار الهدى في بيان الوقف والابتدا، للأشمونيِّ، (1/ 104).
(16) قال الأشمونيُّ رحمه الله : "قوله تعالى: {وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ} تامٌّ إن كان: {وَٱلرَّٰسِخُونَ} مبتدأ خبره: ﵟيَقُولُونَ} على أنَّ الرَّاسخين لم يعلموا تأويل المتشابه، غير تامٍّ إن كان معطوفًا على الجلالة، وإنَّ الرَّاسخين يعلمون تأويل المتشابه" منار الهدى في بيان الوقف والابتدا، للأشمونيِّ، (1/ 26).
(17) قال ابن الأنباريِّ رحمه الله : "والوقف على: {وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ} تامٌّ لمن زعم أنَّ الرَّاسخين في العلم لم يعلموا تأويله، وهو قول أكثر أهل العلم" - إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباريِّ، (2/ 565) - وبمثل قوله قال أبو عمرو الدَّانيُّ رحمه الله وزاد عليه: "وهو قول أكثر أهل العلم من المفسِّرين والقرَّاء والنَّحويِّين" المكتفى في الوقف والابتدا، للدَّانيِّ، ص: (37).
(18) قال القرطبيُّ رحمه الله : "ومذهب أكثر العلماء أنَّ الوقف التَّامَّ في هذه الآية إنَّما هو عند قوله تعالى: {وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ} وأن ما بعده استئناف كلام آخر" الجامع لأحكام القرآن، للقرطبيِّ، (4/ 16).
(19) قال ابن النَّحَّاس رحمه الله : "مختلف فيه فمن العلماء من قال هو التمام ومنهم من قال {والراسخون} معطوف فلا يتم الكلام قبله، فممَّن روينا عن أنَّه قال: (وما يعلم تأويله إلا الله) تامٌّ وما بعده منقطع منه نيِّف وعشرون رجلًا من الصَّحابة والتَّابعين والقرَّاء والفقهاء وأهل اللُّغة، ومن الصَّحابة رضي الله عنهم ثلاثة" القطع والائتناف، لابن النَّحَّاس، ص: (124).
(20) الدَّانيُّ رحمه الله: عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموىُّ المقرئ الدَّانىُّ، المعروف بابن الصَّيرفىِّ، المقرئ شيخ زمانه، وعلَّامة أوانه، وصدر عصره ومكانه؛ قال عنه ابن الجزريِّ رحمه الله : "الإمام العلَّامة الحافظ أستاذ الأستاذين وشيخ مشايخ المقرئين... ومن نظر كتبه علم مقدار الرَّجل وما وهبه الله تعالى فيه فسبحان الفتَّاح العليم" غاية النِّهاية في طبقات القرَّاء، لابن الجزريِّ، (1/ 503) - كان من أهل قرطبة؛ كانت له عناية بالحديث وطرقه ورواياته، وبالقرآن وأسانيد وقراءاته، وله مؤلَّفات كثيرة، كلُّها حسنة مباركة في أبوابها، وكان متفنِّنًا في العلوم، رحل وسمع وروى وروي عنه، ذا دين وورع وأخلاق مشهود لها، قال عنه الذَّهبيُّ رحمه الله : "إلى أبي عمرو المنتهى في تحرير علم القراءات وعلم المصاحف مع البراعة في علم الحديث والتَّفسير والنَّحو وغير ذلك" - سير أعلام النُّبلاء، للذَّهبيِّ، (13/ 319) - وكان ذا دين وعلم وأخلاق مشهود لها؛ قال القفطيُّ رحمه الله : "وكان حسن الخطِّ جيِّد الضَّبط، من أهل الفضل والعلم والذَّكاء والفهم، متفنِّنًا في العلوم، جامعًا لها، مُعتنيًا بها، وكان ديِّنًا فاضلًا ورعًا مجاب الدَّعوة" إنباه الرُّواة على أنباه النُّحاة، للقفطيِّ، (2/ 342).
(21) المكتفى في الوقف والابتدا، لأبي عمرو الدَّاني، ص: (31).
(22) إنَّ أسلوب السُّخرية وتسفيه الآخرين، والتَّنقُّص من أقدارهم بالسَّبِّ، والشَّتم، والطَّعن، والاستهزاء، ممَّا يُفسد المجتمع ويُقوِّض أركانه؛ ذلك لأنَّ السَّاخر المستهزئ يتعالى على النَّاس، ويُخاطبهم بسيِّء الكلام، فينتج عن هذا كره وعداوة بين الأفراد، وقد يصل الأمر إلى شيوع المشاجرات بين الطَّرفين، ممَّا يترتَّب عليه سقوط المودَّة، وفساد الصِّلة، وانتشار صفة السُّخرية في المجتمع، لاسيَّما في شريحة الشَّباب الذين يُكثرون من المزاح والضَّحك من خلال اعتماد صفة السُّخرية في بيئاتهم وبين زملائهم، وكثيرًا ما سمعنا عن جرائم القتل التي بدأت بمزاح وسخرية تطوَّرت حتى وقعت الجريمة، وهذا ممَّا يُشيع الفاحشة في المجتمعات، من أجل هذا كان النَّهي عن السُّخرية، واللَّمز، والغمز، والتَّنابز بالألقاب؛ فاعتياد مثل هذه الصِّفات مفسد للإنسان.
والنَّهي عن السُّخرية والاستهزاء يعمُّ كلَّ ما يندرج تحت هذه الصِّفات المذمومة من قول أو فعل، فلا يجوز الاستهزاء من أحد لأيِّ سبب كان؛ لأنَّ السُّخرية تحمل معنى الكبر والتَّعالي في حقِّ الفاعل، ومعنى الاحتقار والازدراء في حقِّ المفعول به، وقد يكون أفضل عند الله تعالى من أمثال السَّاخر المستهزئ؛ لذا قال سبحانه: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّ] [الحجرات: 11] يقول القرطبيُّ رحمه الله : "وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رثَّ الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبق في محادثته، فلعلَّه أخلص ضميرًا وأنقى قلبًا ممَّن هو على ضدِّ صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقَّره الله، والاستهزاء بمن عظَّمه الله؛ ولقد بلغ بالسَّلف إفراط توقِّيهم وتصوُّنهم من ذلك" الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبدالله القرطبيِّ، (16/325).
فالسُّخرية من النَّاس تُعرِّض المرء للاستخفاف بمن قد يكون معدودًا من أولياء الله الصَّالحين؛ وبذلك يستوجب السَّاخر العقاب الشَّديد من الله تعالى لأنَّه آذى وليًّا من أوليائه؛ ففي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله قال: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب» - متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الرِّقاق) باب: (التَّواضع) برقم: (6502) - ويقول الطَّبريُّ رحمه الله : "والصَّواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنَّ الله عمَّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السُّخرية، فلا يحلُّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك" جامع البيان، لأبي جعفر الطَّبريِّ، (21/366).
(23) إنَّ من أعظم أعمال الشَّيطان التَّزيين للمعصية وتجميلها في عُيون النَّاس؛ حتى يتحقَّق لهم الضَّلال والانحراف بالوقوع في الحرام؛ فالمرء إذا رأى المعصية على حالها لم يطمع فيها إلَّا دنيء النَّفس فاسد الذَّوق، لكنَّه يُضلُّ الصَّالحين والمؤمنين بتزيين المعصية وإظهارها على غير ما هي عليه؛ فالشَّيطان في عداوة وحرب؛ والحرب خُدعة، قال تعالى: {وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ} [النمل: 24] وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} [الحجر: 39] فإنَّ الشَّيطان يُغري الإنسان بالمعصية ويُزيِّنها له، ويُخفِي عنه عواقبها ويُهوِّنها عليه حتى يُوقعه في شركها، فإذا باشرها العبد تخلَّى عنه الشَّيطان؛ قال تعالى: {وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} [إبراهيم: 22] وقال سبحانه: {كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الحشر: 16] وتزيين الشَّيطان المعصية على نوعين:
أ - تحسين القبيح: فمن حبائل الشَّيطان ومكائده أن يعمد إلى تزيين القبيح من الشَّهوات عن طريق تحسينه ودعوة المرء إلى فعله، فيُزيِّن له النَّظر إلى المرأة في الحرام ويُعميه عن إدراك عاقبته الوخيمة؛ ففي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشَّيطان» صحيح: أخرجه التِّرمذيُّ في جامعه، أبواب: (الرَّضاع) باب: (باب) برقم (1173) وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وابن خزيمة في صحيحه، كتاب: (الإمامة في الصَّلاة وما فيها من السُّنن) باب: (اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد) برقم: (1685) وقال الهيثميُّ رحمه الله : "رواه الطَّبرانيُّ في الكبير ورجاله موثقون" مجمع الزَّوائد، لأبي الحسن الهيثميِّ، (2/35) وصحَّحه الألبانيُّ في التَّعليق الرَّغيب (1/136) وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السَّبيل، له أيضًا، ع: زهير الشَّاويش، ط.2، بيروت، المكتب الإسلاميِّ، سنة: 1405هـ/1985م، (1/303)، وصحيح الجامع (6690).
والمعنى أنَّ الشَّيطان يزيِّن المرأة للرِّجال، ويدعوهم للتَّطلُّع والتَّشرُّف إليها= واستشرفتُ الشَّيء إذا تطلَّعتُ عليه، قال الطِّيبيُّ رحمه الله : "يعني: ما دامت في خدرها لم يطمع الشَّيطان فيها وفي إغواء النَّاس بها، فإذا خرجت طمع وأطمع؛ لأنَّها حبائل الشَّيطان؛ فإذا خرجت جعلها مصيدة يُزيِّنها في قلوب الرِّجال ويُغريهم عليها فيُورطهم في الزِّنى، كالصَّائد الذي يضع الشَّبكة ليصطاد ويُغري الصَّيد إليها بما يوقعه فيها" الكاشف عن حقائق السُّنن، لشرف الدِّين الحسين بن عبدالله الطِّيبي، تح: د. عبدالحميد هنداوي، ط.1، السعودية، مكتبة نزار مصطفى الباز، سنة: 1417هـ، (7/2273).
والله تعالى يقول: {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ} [الأنعام: 121] فهم أعوانهم ينصرونهم ويُمجِّدونهم، ويعملون لإغواء النَّاس مع؛ فللشَّيطان أعوان من الإنسان يُعينونه على إتمام هذه الجريمة النَّكراء؛ كالإعلام، والعاملين في مجال الإعلانات، والسِّينما، والدِّراما؛ والتَّجميل؛ فهم يُروِّجون المرأة كسلعة حتى ينحرف الرِّجال ويفسدون بتتبُّعها؛ "فيكون المراد بالشَّيطان= شيطان الإنس، وسَّماه به على التَّشبيه بمعنى: أنَّ أهل الفسق إذا رأوها بارزة طمحوا بأبصارهم نحوها، والاستشراف فعلهم، لكن أُسند إلى الشَّيطان لما أشرب في قلوبهم من الفجور، ففعلوا ما فعلوا بإغوائه وتسويله وكونه الباعث عليه" فيض القدير، للمناويِّ، (6/266).
ولا يتوقَّف الشَّيطان عند حدِّ الإغواء بالنَّظر المحرَّم؛ بل يتمادى مع المرء في التَّزيين والإغواء حتى يجعله يستحسن القبيح ولا يرى في فعله ما يستوجب الخجل، ثمَّ ينتقل به إلى مرحلة متقدِّمة حين يُزيِّن له مواقعة المرأة بإتيان الفاحشة؛ فإذا ظفر منه بذلك لا يتوقَّف حتى يفيق ويُندِّمه على اقتراف الإثم؛ ليصل به إلى القنوط واليأس من رحمة الله تعالى؛ فإن ظفر بذلك فقد فاز، وخاب المرء وخسر لتمكُّن الشَّيطان منه.
ب - تقبيح الحسن: وهذا ممَّا يعتمد عليه الشَّيطان في التَّزيين والإغواء بأن يُقبِّح الحسن للإنسان ليزهد في فعل الطَّاعة؛ فيدعوه إلى ترك الإنفاق والتَّصدُّق بحجَّة المحافظة وعدم إهدار المال من خلال إقناعه للإنسان بأنَّه في حاجة إليه، فالحقوق عليه كثيرة، ومُتطلَّبات الحياة لا تكاد تنتهي؛ لذا فإنَّ المحافظة على المال للاستعانة به على نوائب الدَّهر أولى من إنفاقها وتوزيعها على الغير؛ قال الله: {ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} [البقرة: 268] وبذلك الأسلوب يتمكَّن الشَّيطان من تقبيح الطَّاعة وبغض العبد لها، وهذا الجانب مع سابقه يُحقِّق الهدف الأعظم للشَّيطان، والمتمثَّل في الإفراط في المعصية والحرام، والتَّفريط في الطَّاعة والحلال؛ فيُصبح المرء عبدًا للشَّيطان؛ يمتثَّل أمره، ونهيه؛ فحين يتملَّك الشَّيطان منه بالغواية يُصبح أسيرًا عنده كالعبوديَّة التَّامَّة؛ قال تعالى: {أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠ وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١ وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ} [يس: 60-62]
وممَّا يدلُّ على خُبث ومكر الشَّيطان تدرُّجه مع المرء في طريق الانحراف والإفراط؛ فطريقته في الإغواء ليست واحدة مع كلِّ ضحاياه؛ لأنَّ النَّاس متفاوتون في الإيمان قوَّة وضعفًا، وزيادة ونقصًا، من هنا اختلفت وسيلته في الإغواء مع كلِّ فرد على حسب كمال إيمانه ونقصانه، فليست طريقته في إضلال الطَّائع المتمسك بدينه كطريقته مع العاصي المتفلِّت من معاني الإيمان، لكنَّه يتميَّز بطول البال، وعدم الملل من ضحيَّته حتى يُحقِّق معها ما قصده من الغواية ولو على المدى البعيد، عن طريق المحاولات المتكررة حتى يغنم ولو يسيرًا؛ وبهذا تظهر قوَّة تأثير الشَّيطان على الإنسان بالغواية والوسوسة والتَّزيين ليصل به إلى الإفراط في استخدام الشَّهوة، فهو من أعظم أسباب ثورانها وجموحها.