الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

فوائد حول الغربة والهجرة

فائدة 1: إنَّ مثل المغترب المهاجر كمثل صاحب دابَّة أمَّ فلاة بها عشب قليل ليُطعم دابته؛ وهو يتوغَّل فيها طمعًا في الازدياد من المتاع دون شعوره بالابتعاد عن العمران، والاقتراب من الهلاك، فيبنا هو كذلك إذ توقَّف مع نفسه للتَّفكير فيما فرَّط فيه ولأجله فعظمت حسرته حين صُدم بتوسُّطه الصَّحراء دون حصوله على ما أمَّل، فلا هو إلى العمران قريب حتى يرجع، ولا تتمكَّن دابَّته من قطع تلك الفيافي لقلَّة العُشب، مع الإجهاد والتَّعب، ولا هو عالم بمختصرات الطُّرق حتى يسلكها، ولا مدرك لما بعدها حتى يتجرَّأ عليها، فيرى نفسه مضطرًّا إلى التَّسليم للموت وانتظاره؛ فيموت وحيدًا فريدًا على الرَّغم من جمع العشب وكنز الطَّعام.

فكذلك كلُّ مغترب يسعى للبقاء في الغربة للازدياد من المال دون التفات لما يفقده ويضيِّعه على نفسه، حتى يتقدَّم به العمر وهو ما زال في الغربة؛ فتسمع عن إنسان بقي في الغربة ٤٠ سنة وحينما يعود يكون محمولًا على الأكتاف، وإن عاد سليمًا يصدمه تغير الجيل، والفجوة الكبيرة بين الأجيال، وما يتبع ذلك من تبدُّل العادات والتَّقاليد والقيم؛ وهي غربة داخل وطنه، ويُصدَم بمعاملة أولاده معه؛ لأنَّهم يرونه موردًا وصرَّافًا لا أكثر؛ حينها يتمنَّى صاحبنا أن لو مات قبلها.

فائدة 2: لا يسعى للاغتراب إلَّا أحد ثمانية أشخاص: [1]

١ - من قَلاه وطنه ورماه حتى صار فيه غريبًا مغتربًا دون مقابل للاغتراب؛ كأن تحصل الحروب الدَّاخليَّة التي تحصد رقاب الأبرياء بسبب الاختلاف بين الفصائل المتناحرة على السُّلطة أو الحكم، أو أن تصدر جملة من القوانين التي تحارب فئة من المواطنين لمخالفتهم بعض الأنظمة الوضعيَّة أو القوانين الجائرة التي تختلف مع دينهم وعقيدتهم عن طريق إلزامهم بالرُّضوخ لها؛ وله حينها عبرة في أصحاب الكهف حين اعتزلوا قومهم ولجئوا إليه حتى كُشفت الأزمة.

٢ - من أُثقل كاهلُه بالدُّيون مع غلبة الظَّنِّ عجزه عن أدائها دون اغتراب؛ وهذا غالب الدَّواعي على الهجرة والاغتراب؛ لكن على صاحبه أن يحرص على العودة المباشرة إلى موطن صباه بعد قضاء مأربه؛ لأنَّ لون المال لو لمع في عينيه فربَّما لا يعود إلى موطنه إلَّا في صورة لا يتوقعها.

٣ - مُتعلِّم أنهى علم بلده حتى لم يعد يجد فيه مبتغاه؛ فليرحل في البلاد طالبًا علم ما لم يعلم؛ وله في نبيِّ الله موسى علليه السَّلام أسوة صالحة حين ترك مكانه ورحل للخضر؛ ليتعلَّم منه ما لم يعلم.

4 - صاحب الدَّعوة حين تنتهي مهمَّته الدَّعويَّة بنجاح فهو يُهاجر لنشر الخير في مكان آخر؛ وله حينئذ في الصَّحابة الذين جابوا البلاد لفتحها ثم يجعلون على أهلها واحدا منهم أسوة.

5 - من أصبح وطنه بيئة داعية للمعصية حتى لم يعد قادرًا على المحافظة على دينه فيه؛ لأنَّ كلَّ شيء فيه يحثُّه على المعصية ويحضُّه عليها؛ فله في مريد التَّوبة آية وفائدة حين أمره العالم أن يترك أرض المعصية إلى أرض الطَّاعة كدليل قويٍّ على صدق توبته.

6 - من تحوَّلت أوطانه من دار أمن وأمان إلى دار حرب وعدوان، مع عدم قدرته على الدِّفاع والرَّدِّ عن نفسه لضعفه عن مواجهة الطُّوفان المتأجِّج؛ وله في النَّبيِّ ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم أعظم قدوة حين هاجروا من مكَّة المكرَّمة إلى المدينة المنوَّرة.

7 - صاحب الدَّعوة حين تنتهي مهمَّته الدَّعويَّة بتكذيب شديد من النَّاس حتى ما عاد لوجوده فائدة؛ وله حينها في لوط عليه السَّلام القدوة حين أمر بالهجرة، وموسى عليه السَّلام حين خرج فارًّا من فرعون.

8 - من ضُيِّق عليه في دينه في بلد أغلبها ليس على دينه، أو مذهبه ومعتقده؛ وله حينها في خليل الله إبراهيم عليه السَّلام أسوة حسنة؛ حيث هاجر من العراق لمصر بسبب صدود قومه ومخالفتهم.


(1) يُنظَر: القول المبين في وصيتي للمغتربين، للكاتب - عفا الله عنه - صـ: (8).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله