شبهة تعطيل التعلُّم والتَّعليم في رمضان:
إنَّ شهر رمضان نفحة إلاهيَّة، وهديَّة ربانيَّة؛ المَردة فيه مسلسلة، والشَّياطين فيه مغلَّة، المجتمع يتحوَّل في كلِّ مشاهده إلى محفِّز كبير على الطَّاعة، ويجد المرء فيه عونًا على تحسين البضاعة، والاستعداد بالعمل الصَّالح للسَّاعة، ومع كلِّ هذا نرى بعض المشتغلين بالقرآن الكريم تعلُّمًا وتعليمًا يُجمِّدون العمل القرآنيَّ فيه بحجَّة التَّفرُّغ الكلِّيِّ للعبادة والقراءة الذَّاتيَّة المتواصلة؛ لتحصيل الأجور الكثيرة المترتِّبة على قراءة الحروف القرآنيَّة، فرمضان موسم طاعة تُضاعف فيه الأجور، ويسهل على النَّفس فيه ما لا يسهل في غيره من شهور السَّنة.
الرَّدُّ على شبهة تعطيل التَّعلُّم للتَّفرُّغ للعبادة:
إنّ هؤلاء قد جانبهم الصَّواب في المفاضلة بين الطَّاعات، فالعابد العاقل الموفَّق في مواسم الخيرات وأوقات البركات لا يتوقَّف عن العبادات التي أثبتها قبلها، بل يصحبها مُضيفًا إليها غيرَها؛ لأنَّ الثَّبات على طاعةٍ زمنًا أولى من إنشاء طاعة جديدة مدَّة يسيرة؛ فالطَّاعة كلَّما طالت مع العابد أثَّرت فيها وأثمرت وأنتجت، بخلاف الطَّاعات الوقتيَّة السَّريعة فأثرها لا يُقارن بأثر طويلة الزَّمن والمدَّة؛ فالأزمان تُحدث في النَّفس ما لا تُحدثه الأوقات العابرة.
المعطِّل مخدوع بالتَّوقيف:
والنَّاظر بعين النَّاصح الأمين إلى واقع المجمِّدين للعمل القرآنيِّ في الشَّهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم يُدرك أنَّ الثَّبات عزيز؛ فقد يُصرف العابد إلى عمل مفضول عن عمل فاضل، ويَنتج عن هذا تثاقله عن العمل الفاضل بعد انصرام زمن الاشتغال بالعمل المفضول، وكثير ما وقفنا على شهادة هؤلاء على أنفسهم بأنَّهم لم يفعلوا ما كانوا مخطَّطين له، فلم ينتفعوا بالمدارسة التَّعليميَّة، ولم ينتفعوا كذلك بالقراءة التَّعبُّديَّة.
إنَّ محاولات الشَّيطان في إضلال الإنسان كثيرة جدًّا؛ فهو مكَّار خدَّاع يتعامل مع كلِّ أحد بما يُمكِّنه من الظَّفر به، ومن خططه الخبيثة إشغال العابد بالمفضول عن الفاضل، وبالوقتيِّ المنتهي عن الدَّائم المستمرِّ، ولاسيِّما في مواسم الطَّاعات وأزمنة البركات، فيُوهم المرءَ بقدرته على تحطيم الجبال وتفتيت الصُّخور لو تفرَّغ لكذا... وهو بذلك يُمنِّيه ويُرديه، ويخرج المرء بخُفي حُنين لم ينتفع، فالمنبتُّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى.
حال السَّلف مع التَّعليم والتَّعلُّم:
والآثار الواردة في اشتغال السَّلف بالقرآن الكريم في شهر القرآن وإغلاق الدَّكاكين، والتَّوقُّف عن مدارسة العلم لا ينسحب على القرآن الكريم؛ ففرارهم من كلِّ ما سوى القرآن الكريم إليه، إنَّه فرار تفرُّغ للقرآن الكريم بحيث لا تُزاحمه أعمال ولو كانت في العلوم الشَّرعيَّة والمعارف الدِّينيَّة، ولهذا نرى أنَّهم كانوا يفرُّون من أعمال الدُّنيا أو العلم سوى القرآن الكريم، فلم نقف على توقيف أهل القرآن لحلقاتهم، أو صرف الطُّلَّاب عن القراءة والإقراء؛ لأنَّ من جملة اصطفاء الله تعالى لأهله أن شغلهم بالقرآن الكريم طول حياتهم، فلم يحتاجوا إلى التَّفرُّغ له في أيَّام معدودة أو شهور معلومة، فحياتهم كلُّها قرآن، وهذا يُفسِّر تمنِّي العلماء المشتغلين بالعلوم الأخرى عند موتهم أن لو كانوا ممَّن اشتغلوا بالقرآن الكريم عن غيره من العلوم؛ لأنَّهم قوم قد استبان لهم عظيم فضل الله تعالى لأهل القرآن بالاشتغال بمصدر الهداية، ونبع النُّور، ومحلِّ الخير.
الجمع بين سبل الارتقاء أولى:
وليس معنى ما سبق أنَّ أهل القرآن يكتفون بما كانوا عليه قبل رمضان، بل تراهم يُسارعون في التَّنافس في الخيرات بالإكثار من القراءة والختم، ولأنَّهم ألصق النَّاس بالقرآن الكريم لمصاحبتهم له على مدار العام فهم أكثر النَّاس معرفة بكلماته وأحكامه وقراءاته ومعانيه، فيحصل لهم من الخير ما لا يحصل لمن سواهم، فنراهم يُكثرون من الختمات، وينشطون للعمل القرآنيِّ التَّعليميِّ مستثمرين النَّفحة الإيمانيَّة، والأجواء التعبُّديَّة، مستدلِّين على حالهم بما كان من مُدارسة جبريل - عليه السَّلام - للنَّبيِّ ﷺ القرآن الكريم في شهر رمضان، ومع هذا يجمعون إليه التَّعليم والإفادة؛ لأنَّه قرآن أيضًا، فالمقروء والمسموع = قرآن كريم يؤجر المرء عليه بتوفيق الله تعالى، فكانوا أكثر النَّاس ربحًا وفوزًا.
وحديث مدارسة جبريل - عليه السَّلام - للنَّبيِّ ﷺ القرآن الكريم في شهر رمضان يقطع الطَّريق على كلِّ من يُنادي بتجميد العمل القرآنيِّ التَّعليميِّ في رمضان، ففعل النَّبيِّ ﷺ قدوة وأسوة، ومخالفته عذاب وفتنة؛ فقد كان يُدارسه جبريل - عليه السَّلام - في كلِّ رمضان من العام؛ ففي الصَّحيحين عن عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كان رسول الله ﷺ أجود النَّاس، وكان أَجود ما يكونُ في رمضان حين يلقاهُ جبريلُ، وكان يلقاهُ في كلِّ ليلة من رمضانَ فَيُدارِسُه القرآن، فلَرسولُ الله ﷺ أجودُ بالخير من الرِّيح المُرسَلة" متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (بدء الوحي) باب: (كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ) برقم: (6)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الفضائل) باب: (كان النَّبيُّ ﷺ أجود النَّاس بالخير من الرِّيح المرسلة) برقم: (2308).
قراءة المحفوظ أولى من غيره:
وممَّا ينبغي أن يُدرك في هذا الأمر أنَّ الأجر ثابت لجميع حروف القرآن الكريم بعدد الحروف، بمعنى أنَّ من ختم القرآن الكريم ختمة كاملة في الأجر كمن قرأ جزءًا واحدًا ثلاثين مرَّة، ومعنى هذا أنَّ من اشتغل بمراجعة أوراده وأحزابه القرآنيَّة عن الختم فلم يفته أكثر ممَّا حقَّقه، بل إنَّ ما تحقَّق له أعظم ممَّا فاته؛ لأنَّه حصَّل أجرًا، وثبَّت حفظًا، فتفطَّن.
والله وليُّ التَّوفيق