الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الحدود في الإسلام صمَّام أمان

لقد حرص الإسلام على تقرير الحدود والعقوبات الَّتي ترتدع بها النَّفس عن التَّمادي في الإفراط في الشَّهوات، فوضع نظامًا محكمًا من العقوبات بهدف حفظ أمن وسلامة الأفراد والمجتمعات، وحارب بذلك كلَّ مظهر من مظاهر الانحراف عن الفطرة السَّويَّة من خلال تخصيص عقوبات تصلح لمحاربة صور الإفراط في التَّعدِّي، ومن هذه العقوبات:

1 - حدُّ القطع: ويكون في حقِّ من يسطو على أموال الآخرين بالسَّرقة والاختلاس، وهو من الزَّواجر الَّتي يمتنع النَّاس عن الجريمة خوفًا من وقوعها؛ قال الله تعالى: {وَٱلسَّارِقُ ‌وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [المائدة: 38] وهذا الحدُّ المروِّع لكلِّ من تسوِّل له نفسه أن يقتحم خصوصيَّات الآخرين، ويسطو على أموالهم وممتلكاتهم، ليحرم صاحب المال من ماله، ويفسد في الأرض بإشاعة الخوف في نفوس النَّاس، لأنَّ السَّارق لا حدَّ لطموحه؛ فالسَّرقة مرض عُضال لا يكتفي معه المرء بما حصَّله، بل يزداد جشعًا وطمعًا مع كلِّ مرَّة، فلا يرضى إلَّا بإرباك المجتمع عن طريق إشاعة الخوف والرُّعب بين الأفراد خشية أن يُصيبهم ما أصاب غيرهم من السَّطو على المال، وإزعاج النَّفس بفقد ما يشقى النَّاس في تحصيله وجمعه.

2 - حدُّ القصاص: وهو في حقِّ من يسطو على أرواح النَّاس بالقتل وسفك الدَّم الحرام بغير وجه حقٍّ ممَّا يضمن حماية الأنفس من الإزهاق وجريان بحور الدِّماء؛ قال تعالى: {وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] فالقتل أنفى للقتل، وإقامة القصاص حلٌّ لما يقع في المجتمعات من إفراط في استعمال شهوة القوَّة من خلال الإسراف في البطش بالضُّعفاء، وسفك الدِّماء، وإنَّما كان القصاص حياة لأنَّه أردع للقاتل، وأزجر للمُقبل عليه، وفيه حياة لغير القاتل حين يسلم من القتل؛ لذا فإنَّ تطبيق الشَّريعة في هذا الأمر حلٌّ جذريٌّ لتلك المعضلة الَّتي حيرَّت السَّاسة والمشرِّعين؛ فإنَّ القاتل إذا أيقن بأنَّه مقتول لا محالة إذا أقدم على القتل فلن يتجرَّأ على فعله، لكنَّ الَّذي يُسهِّل عليه ارتكاب جريمة القتل علمُه بثغرات القانون، وأنَّ العقوبة القانونيَّة لا تُعدُّ زاجرًا له عن ارتكاب الجريمة، فحتَّى لو بلغت العقوبة أقصى حدٍّ لها دون أن تصل إلى القتل والقصاص فلن تكون رادعًا وزاجرًا للقاتل.

3 - حدُّ الرَّجم: وهو في حقِّ من يسطو على أعراض النَّاس بالزِّنا إن كان محصَّنًا بالزَّواج؛ ففي الصَّحيحين أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يحلُّ دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلَّا الله وأنِّي رسول الله، إلَّا بإحدى ثلاث: النَّفس بالنَّفس، والثَّيب الزَّاني، والمارق من الدِّين التَّارك للجماعة» [1] وقال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ: "إنَّ الله قد بعث محمَّدًا بالحقِّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممَّا أنزل عليه آية الرَّجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله  ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالنَّاس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرَّجم في كتاب الله فيضلُّوا بترك فريضة أنزلها الله، وإنَّ الرَّجم في كتاب الله حقٌّ على من زنى إذا أحصن من الرِّجال والنِّساء، إذا قامت البيِّنة، أو كان الحبَل، أو الاعتراف" [2] وبالجلد مئة جلدة إن كان غير محصنٍ بالزَّواج؛ قال الله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمنِّينَ} [النور: 2] وحدُّ الجلد دون المئة في حقِّ من يتناول المحصنات بالقذف والإيذاء؛ حماية للأعراض من الفعل والقول؛ قال الله: {وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [النور: 4] وحين يُدرك المرء أنَّ التَّعدِّي على حُرمات الآخرين بالزِّنا أو الاغتصاب أو القذف مُوجِب لحدٍّ شديد كالجلد أو الرَّجم فلن يُقدِم على فعله لما فيه من المغامرة الجائرة الَّتي لا يُحصِّل المرء من ورائها أكثر ممَّا يخسر، فالعقوبة رادعة لكلِّ مجرم يعتدي على محارم الآخرين، وفي هذا ما يحفظ المجتمع من ألوان التَّعدِّي والانحراف، وما يعقب ذلك من آثار.

4 - حدُّ الحرابة: وهي قطع الطَّريق والخروج على الآمنين لترويعهم، وإحداث الفوضى، وسفك الدِّماء، وهتك الأعراض، وسلب الأموال، وإهلاك الحرث والنَّسل، مجاهرًا بالخروج على النَّاس، ناشرًا الرُّعب والهلع في صفوفهم؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ‌وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] فإنَّ المرء حين يتجرَّد من معاني الرَّحمة والإنسانيَّة، والقيم الدِّينيَّة الإسلاميَّة، والأخلاق العرفيَّة والمجتمعيَّة فيقف في طريق النَّاس لنشر الخوف والهلع، واستلاب الأموال، وإزهاق الأرواح، فتضطرب المجتمعات، ويعمُّ الخوف الأرجاء، ويصبح الفرد لا يأمن على نفسه وعرضه وماله، حينئذ تأتي العقوبة الرَّادعة لمن تُسوِّل له نفسه أن يقوم بشيء من هذا، ليكون عبرة وعظة لغيره.

5 - حدُّ الجلد لشرب الخمر: ففي الحديث أنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه أُتي بالوليد قد صلَّى الصبح ركعتين، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنَّه شرب الخمر، وشهد آخر أنَّه رآه يتقيَّأ، فقال عثمان رضي الله عنه: إنَّه لم يتقيَّأ حتَّى شربها، فقال: يا عليُّ، قم فاجلده، فقال عليُّ: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارها من تولى قارها، فكأنَّه وجد عليه، فقال: يا عبدالله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعليٌّ يعدُّ حتَّى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثمَّ قال: «جلد النَّبيُّ ﷺ أربعين» وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وعمر رضي الله عنه ثمانين" وكلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ" [3] فالخمر والمسكرات رأس كلِّ جريمة تُرتكب، وقد انتشرت بين النَّاس وسائل الإسكار مع اختلاف في أشكالها وألوانها وطعومها ومسمَّايتها، لكنَّها على مرِّ العصور منتشرة رائجة، ومع انتشارها وخفَّة عقوبتها يتجاسر النَّاس على تعاطيها فينجم عن ذلك فساد عريض في المجتمع، فكان الجلد لشاربها ومُتعاطيها عقوبة حاسمة؛ لحماية الفرد والمجتمع من آثار الإفراط في شربه وتعاطيه.

وما فتئ أهل الضَّلال والزَّيغ والانحراف يُشكِّكون في الإسلام، ويطعنون في ثوابته، ويرمُونه بصنوف التُّهم الَّتي تحوم حول قسوة الإسلام في التَّشريع من خلال تقرير الحدود الشَّاقَّة الشَّديدة؛ فيرون أنَّ القتل لمن قتل جريمة فوق جريمة، والزَّاني يكفيه أن يتزوج من وقع عليه، وشرب الخمر حرِّية شخصيَّة لا ينبغي أن تُفرض له عقوبة، والسَّارق يكفيه الحبس والتَّغريم، إلى غير ذلك من الشُّبه الَّتي لا تُبنى على منطق، ولا تهدف إلَّا إلى تشويه صورة الإسلام.


(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الديات) باب: (قوله تعالى: أن النفس بالنفس...) برقم: (6878) ومسلم في صحيحه، كتاب: (القسامة) باب: (ما يُباح به دم المسلم) برقم: (1676).

(2) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الحدود) باب: (رجم الثيب في الزِّنا) برقم: (1691) وابن ماجه في سننه، كتاب: (الحدود) باب: (الرجم) برقم: (2553).

(3) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الحدود) باب: (حد الخمر) برقم: (1707) وأبو داود في سننه، كتاب: (الحدود) باب: (الحد في الخمر) برقم: (4480).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله