الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

التَّكييف اللُّغويُّ للمتشابهات

المتَشَابِهَاتُ في اللُّغَةِ: بِضَمِّ المِيمِ وَكَسرِ البَاءِ اسمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّمَاثُلِ، وَالشِّبهُ وَالشَّبَهُ وَالشَّبِيهُ: المثلُ وَالجَمعُ أشبَاهُ، وَأَشبَهَ الشَّيءُ الشَّيءَ: مَاثَلَهُ، وَتَشَابَهَ الشَّيئَانِ وَاشتَبَهَا: أشبَهَ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ، وَفي التَّنزِيلِ: {مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ} [الأنعام: 141]

وَالمتَشَابِهَاتُ: المتَمَاثِلاتُ، وَالمتَشَابِهَـاتُ مِنَ الأُمُورِ: المشكِلَاتُ؛ أَيِ الأُمُورُ الَّتِي يُشبِـهُ بَعضُهَا بَعضًا فَيَصعُبُ تَميِيزُهَا، وَالشُّبهَـةُ: الِالتِبَاسُ، وَأُمُورٌ مُشتَبِهَةٌ وَمُشَبِّهَةٌ: مُشكَلَةٌ يُشبِهُ بَعضُهَا بَعضًا، وَشَبَّـهَ الـرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ الأَمرَ: إِذَا خلَّطَهُ عَلَيهِ، وَاشتَبَهَ الأَمرُ: إِذَا اختَلَطَ بِغَيرِهِ فَأَشبَهَهُ مِن بَعضِ الوُجُوهِ فَصَعُبَ تَميِيزُهُ مِنهُ. [1] قال ابن الأثير رحمه الله: المتشابه ما لم يتلق معناه من لفظه وهو على ضربين: أحدهما: إذا ردَّ على المحكم عُرف معناه, والأخر: ما لا سبيل إلى معرفة حقيقته فالمتَتَبِّعُ به مُبتَغٍ للفتنة؛ لأنَّه لا يكاد ينتهي إلى شيء تسكن نفسه إليه. [2] وقال الرَّاغب الأصفهانيُّ رحمه الله: المتشابه هـو ما أُشكل تفسيره لمشابهة غيره إمَّا من اللَّفظ أو من جهة المعنى. [3] وقال الفيروزآبادي رحمه الله: والأصـل فيه ألا يُمَيَّزَ أحد الشَّيئين عن الآخر لما بينهما من التَّشابه لفظًا كان أو معنى. [4] وقال ابن قتيبة: أُشكل أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله وربطـوا التَّشابه بالالتباس والشَّكِّ وإن لـم يـكـن هـذا حاصلًا في الأمر والشَّيء بل للشَّبه بالغير. [5] وقال اللَّيث رحمه الله: المتشابهات من الأمور المشكلات. وفي المعجم الوجيـز الصَّادر عن مجمع اللُّغة العربيَّة: أشبَهَ الشَّيءُ الشَّيءَ: ماثله، وشَابَهَهُ: أشبَهَهُ، وشَبَّهَ عليه الأمر: أبهمه عليه حتى اشتَبَهَ بغيره، وشُبِّهَ عليـه وله: لُبِّسَ، واشتَبَهَ الأمر عليه: اختلط وفي المسألة شكَّ في صحَّتها، تشابه الشَّيئان: أشبه كلٌّ منهما الآخـر حتى التبسا، وتَشَبَّهَ بغيره: ماثله وجاراه في العمـل والتَّشبيـه: التَّمثيـل، وتشبيه الشَّـخـص: أخذ البصمات اللَّازمة وكتابة الأوصاف على استمارة خاصَّة لتحديد الشَّخصيَّة، والشِّبهُ: المِثلُ وجمعه أشبَاهٌ، والشَّبَهُ: النُّحَـاسُ الأَصفَرُ وجمعه أشبَاهٌ والشُّبهَةُ: الالتباس وفي الشَّرع ما التبس أمره فلا يُدري أحلال هو أم حرام، وحقٌّ هو أم باطل. [6]

كلمة التَّشابه في القرآن الكريم

قلت: وقد ورد لفظ (التَّشابه) في القرآن الكريم في تسعة مواضع:

أوَّلها: في سورة البقرة في الآية (25) قال تعالى: {وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ}.

ثانيها: في سورة البقرة في الآية (70) قال تعالى: {إِنَّ ٱلۡبَقَرَ ‌تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ}.

ثالثها: في سورة البقرة في الآية (118) قال تعالى: {تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ}.

رابعها: في سورة آلِ عِمرَانَ في الآية (7) قال تعالى: {مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ ‌مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ في قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا ‌تَشَٰبَهَ مِنۡهُ}.

خامسها: في سورة النِّسَاءِ في الآية (157) قال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن ‌شُبِّهَ لَهُمۡۚ}.

سادسها: في سورة الأَنعَامِ في الآية (99) قال تعالى: {وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ ‌مُتَشَٰبِهٍۗ}.

سابعها: في سورة الأَنعَامِ ف الآية (141) قال تعالى: {وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ ‌مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ ‌مُتَشَٰبِهٖۚ}.

ثامنها: في سورة الرعد في الآية (16) قال تعالى: {أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ ‌فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ}.

تاسعها: في سورة الزُّمَرِ في الآية (23) قال تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا ‌مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ}.

يدور التَّعريف اللُّغويُّ للتَّشابه على:

ويتَّضح لك أيُّها القارئ الكريم أنَّ لفظ (المتشابهات) يدور على معنيين: 

الأوَّل: المماثلة والموافقة: وهـذا المعنى يدلُّ على التَّرابط الذي يكون بين المتماثلين، والعلاقة بينه وبين المتشابهات الاصطلاحيَّة أنَّ الأخيـرة آيات متَّفقة اللَّفظ تكرَّرت في مواضع مُتباينة من القرآن الكريم، فهي مُتماثلة ومُتوافقة من وروودها على صيغـة واحدة وبأبنية متَّحدة، بل ربَّما تتلى الآية ومثيلتها فلا يُميـز بينهما لكمال التَّشابه حتى لكأنَّها نقلت من مكانها الأوَّل فوضعت في مكانها الثَّاني مع الاحتفاظ بالأوَّل، لهذا فإنَّ العـلاقة وطيدة بين المعنيين.

الثَّاني: الالتباس والاختلاط الذي يصعب معه التَّمييز بين المتشابهة: فكلُّ أمـر تشابه مـع غيـره فلا يمكن التَّمييز بينهما فإنَّه يُؤدِّي إلى خلـط ولبس لا يزولان إلَّا بالبيـان والإيضاح، وهـذا يحتاج إلى علـم ورويَّة ودراسة لمسائل التَّشابه حتى يُمكن التَّمييز؛ لأنَّ المتشابهات التي هذا شأنها لا تعزُّ على عالم دارس، فما مـن مسألة ولو عزَّ فهمها تخفى على عالم ببابها، ولكن هذا اللَّبس المقصود إنَّما يكون على ضعاف الأفهام، وقليلي العلم.

العلاقة بين المعاني

والعلاقة بين هذا المعنى اللُّغويِّ والاصطلاحيِّ: أنَّ المواضع المتشابهة قد تُحدِثُ لبسًا وخلطًا عند بعض الحفَّاظ، لدقَّتها، أو كثرتها، أو تشابهها مع بعضها تشابها يعجز معه التَّمييز والمعرفة، ولا يُمَيَّز بين المواضـع المتشابهة إلَّا بكثرة المراجعة حتى يثبت الحفظ، ثمَّ بحصر مواضع التَّشابه التي تُسبِّب اللَّبس، ثمَّ بالبحث عن قرينة مميَّـزة في كلِّ موضع منها فثمَّت قرائن تعينه على الإتقان.

والعلاقة بين المعنى الأوَّل والثَّاني علاقة قويَّة جدًّا: فالأوَّل يُفضي إلى الثَّاني ويُؤدِّي إليه، فالتَّماثل غالبًا يكون سببًا في حدوث الخلط على من لا يحسن التَّمييز بينها، فالتَّماثل سبب في الوهم، والوهم سبب في الخلط، فشدَّة التَّماثل والتَّشابـه بين المواضع صار سببًا في الخلط بينها.

فائدة: قال ابن قتيبة رحمه الله: "وأصل (التَّشابه): أن يُشبه اللَّفظ اللَّفظ في الظَّاهر، والمعنيان مُختلفان؛ قال الله جلَّ وعزَّ في وصف ثمر الجنَّة: {وَأُتُواْ بِهِۦ ‌مُتَشَٰبِهٗاۖ} [البقرة: 25] أي متَّفق المناظر، مختلف الطُّعوم. وقال: {تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ} [البقرة: 118] أي يُشبه بعضها بعضًا في الكفر والقسوة. ومنه يُقال: اشتبه عليَّ الأمر، إذا أشبه غيره فلم تكد تفرِّق بينهما، وشبَّهت عليَّ: إذا لبَّست الحقَّ بالباطل، ومنه قيل لأصحاب المخاريق أصحاب الشُّبه، لأنَّهم يشبِّهون الباطل بالحقِّ. ثمَّ قد يُقال لكلِّ ما غمض ودقَّ مُتشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشَّبه بغيره، ألا ترى أنَّه قد قيل للحروف المقطَّعة في أوائل السُّور: مُتشابه، وليس الشَّكُّ فيها والوقوف عندها؛ لمشاكلتها غيرها والتباسها بها. ومثل المتشابه (المشكل) وسُمِّي مُشكلًا: لأنَّه أشكل، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله. ثمَّ قد يُقال لما غمض مشكل" [7]


(1) لسان العرب، لابن منظور، (13/503).

(2) النَّهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، (2/1085).

(3) مفردات القرآن؛ للرَّاغب الأصفهانيِّ (260).

(4) بصائر ذوي التَّمييز، لمجد الدِّين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، (1/293).

(5) تأويل مشكلات القرآن، لابن قتيبة (1/75).

(6) المعجم الوجيز، حرف الشِّين، مادة (أشبه)، (1/533) بتصرف يسير.

(7) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة الدِّينوريِّ، ص: (74 - 75).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله